بصيص امل انتصار تقلاوي تكتبالتعليم في زمن الحرب ليس رفاهية. هو معركة بقاء.

بصيص امل
انتصار تقلاوي

حرصاً على انطلاقة العام الدراسي، تخوض حكومة ولاية كسلا سباقاً مع الزمن لتجاوز عقبة تأخر استحقاقات المعلمين، وهي عقبة تهدد بتعطيل دراسة لا تتجاوز في مجملها أربعة أشهر.
المعادلة تبدو قاسية: معلمون يطالبون بحقوق مالية متراكمة، وتلاميذ ينتظرون مقاعد الدراسة ، حكومة تحاول أن تتحدى شح الموارد لتأمين الحد الأدنى من الاستقرار.
ما ذنب التلاميذ؟
التلميذ في كسلا فقد عامين دراسيين بسبب الحرب والنزوح. وعندما عاد الأمل بعودة الدراسة، الان اصطدم بواقع عام دراسي مضغوط لا يتجاوز الأربعة أشهر. أي يوم إضراب يعني اقتطاع أسبوع من المقرر، وأي أسبوع يعني حرمان آلاف الطلاب من فرصة تعويض ما فات.
التلميذة التي حققت نسبة 100% في مدرسة يحيى علي يحيى لم تسأل عن بدل ولا ترقية. اجتهدت في ظروف الحرب ورفعت اسم ولايتها. فهل يكون جزاؤها أن تُحرم من عام دراسي جديد لأن الكبار لم يتفقوا؟
الحكومة تتحدى المستحيل.. والمعلم ينتظر الإنصاف
جهود حكومة الولاية في معالجة ملف الاستحقاقات واضحة، وهي تعمل في ظل ظروف تمويل بالغة التعقيد. لكن التحدي الحقيقي ليس في توفير المال فقط، بل في إدارة الأزمة بشفافية. المعلم يحتاج أن يسمع جدولاً زمنياً واضحاً لصرف مستحقاته، لا وعوداً عامة.
رسالة إلى الإدارات الأهلية: التاريخ لا يرحم المتفرجين
وهنا لا بد من وقفة صريحة مع الإدارات الأهلية في ولاية كسلا، عماد المجتمع وسنده المتين.
يا شيوخنا وعمدنا ونظارنا، لقد كنتم على مر التاريخ صمام أمان المجتمع، وحكماء الأزمات، وملاذ الناس في الملمات. واليوم، العملية التعليمية في كسلا تمر بأدق مراحلها، وهي أمانة في أعناق الجميع، وأنتم في مقدمة من تُعقد عليهم الآمال.
إنها لحظة فارقة تتطلب منكم تحمل جزء من مسؤولية سير العملية التعليمية، لأنكم مسؤولون أمام الله والتاريخ عن جيل كامل ينتظر في الصف. هذا الجيل لا يطلب منكم معجزة، بل يطلب إسهاماً حقيقياً، واستنفاراً مجتمعياً واعياً يتجاوز التراشقات والخلافات التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
قفوا إلى جانب المعلم، فهو باني العقول وحارس القيم. اسندوا حكومة الولاية في معركتها لإنقاذ العام الدراسي، ولا تكونوا عبئاً يضاف إلى أعبائها. كونوا الإضافة النوعية التي ترجح كفة الحل، لا رقماً في معادلة التعطيل.
إن باب الإسهام مفتوح: ساهموا في صندوق دعم التعليم، فالقليل من الكثير كثير. حركوا مجتمعاتكم لصيانة فصل، لطباعة كتاب، لتوفير وجبة . اصنعوا مبادرات “المجلس الأهلي لدعم المدرسة” في كل محلية. وكل حي هذا هو المجد الذي سيذكره لكم التاريخ، لا بيانات الخلاف ولا سجالات المنابر.
إنقاذ أربعة أشهر دراسية هو إنقاذ لمستقبل ولاية كاملة. والمعلم صاحب رسالة قبل أن يكون موظفاً، والحكومة مسؤولة قبل أن تكون محاسبة. وأنتم يا قادة المجتمع، كلمتكم مسموعة، ومقامكم محفوظ، فاجعلوا هذا المقام شاهداً لكم لا عليكم.
مطلوب حوار لا ينتظر الكارثة
الحل يبدأ بمائدة مستديرة عاجلة تجمع المالية، التربية، لجنة المعلمين، والإدارات الأهلية. الهدف: خطة معلنة ومجدولة لسداد المتأخرات، وضمانات مكتوبة تطمئن المعلم، وتحصن التلميذ من شبح الإضراب.
كسلا اليوم أمام اختبار أخلاقي ووطني: هل نضحي بأربعة أشهر قد تكون طوق النجاة لجيل كامل، أم نتجاوز خلافاتنا من أجل حق اسمه الحصة والكتاب والطباشيرة؟
التعليم في زمن الحرب ليس رفاهية. هو معركة بقاء.
بصيرتي برس بصيرة الوطن