تابعنا على فيسبوك

لمتابعة أحدث التغطيات والمقالات الإخبارية فور نشرها، انضم إلى صفحتنا الرسمية.

الرأي والمقالاتالاقتصاد والأعمال

هل أصبح اقتصاد الحرب أكثر قدرة على توظيف الكفاءات من اقتصاد الدولة؟

اقتصاد الحرب

✍️ بقلم: البروفيسور محجوب هجّانةالمستشار والخبير الاقتصادي

اقتصاد الحرب

في إحدى الجلسات، قال لي أحد الزملاء: قال إنه كان يتردد على أحد شوارع سوق مدينة الحصاحيصا، حيث شاءت الصدفة أن يجتمع في صف واحد بائع بصل، وبائع فحم، وبائع بهارات، وبائع رصيد، وبائع خضروات ولوازم الطبخ.

في البداية، لم يرَ فيهم سوى باعة يسعون وراء لقمة العيش، لكن مع مرور الأيام اكتشف مفاجأة لم تخطر بباله.

فبائع البصل كان بروفسورًا في الاقتصاد، وبائع الفحم قاضيًا، وبائع البهارات طبيبًا، وبائع الرصيد مديرًا سابقًا لأحد فروع البنوك، أما بائع الخضروات ولوازم الطبخ فكان صيدليًا، وبينهم أيضًا عدد من حملة الدكتوراه. ويقول الزميل:

“لم تكن المفاجأة في بضاعتهم، بل في طريقة حديثهم مع بعضهم البعض.”

فكان أحدهم يقول: “لو سمحت يا بروف… ناولني ملوة البصل.”

فيرد الآخر: “اتفضل يا دكتور.”

ويقول ثالث: “يا مولانا، لو سمحت حوّل لي خدمة… أريد أن أطمئن على الأسرة.”

فيرد بابتسامة: “حاضر… وأسأل الله أن تجدهم جميعًا بخير وعافية.”

ثم تبدأ حركة السوق، ويتوافد الزبائن. كان بروفسور الاقتصاد يناقش مع الزبائن أسباب ارتفاع الأسعار، موضحًا أن المشكلة لا ترتبط بالمنتج فقط، بل بتكاليف الإنتاج والنقل واضطراب سلاسل الإمداد.

وكان الطبيب يقدم نصائح صحية أثناء بيع البهارات، بينما يوضح القاضي أن الظروف الاقتصادية جعلت الفحم مصدر رزق لكثير من الأسر.

أما مدير البنك السابق، فكان يستخدم خبرته المصرفية في التحويلات الإلكترونية وخدمة الزبائن، وكأنه ما زال داخل مؤسسته، بينما كان الصيدلي يربط بين الغذاء والصحة أثناء بيعه الخضروات ولوازم الطبخ.

وحين تهدأ حركة السوق، تعود الأحاديث إلى طبيعتها؛ عن المؤتمرات العلمية، وتجارب العمل، وأيام الدراسة في إحدى الجامعات بالهند، ثم ينتقل الحديث إلى التضخم، وسعر الصرف، والإصلاح الاقتصادي.

ويضيف الزميل: “الزبائن انقسموا إلى فريقين؛ فريق كان يرى أن الحرب غيّرت حياة هؤلاء، وفريق آخر أصبح يقصدهم عمدًا، لأنه لا يشتري سلعة فقط، بل يحصل معها على معلومة أو نصيحة أو تجربة.”

ثم ابتسم وقال: “المفارقة أن تجارتهم نجحت، وأصبح لكل واحد منهم زبائنه الدائمون، حتى إن بعضهم لم يعد يفكر في العودة إلى وظيفته السابقة.”

توقفت طويلًا أمام هذه القصة، لأنها ليست مجرد مشهد من سوق شعبي، بل تعكس تحولًا اقتصاديًا عميقًا أحدثته الحرب في السودان.

البروف محجوب هذه القصة ليست مجرد انتقال أفراد من مهن إلى أسواق، بل هي مؤشر على اختلال هيكلي في سوق العمل وإعادة توزيع قسرية لرأس المال البشري.

فمن منظور الاقتصاد القياسي، فإن المشكلة ليست في قدرة الإنسان السوداني على التكيف، بل في فشل النظام الاقتصادي في تحقيق الكفاءة التخصيصية للموارد؛ حيث انتقلت كفاءات عالية التدريب من قطاعات ذات قيمة مضافة مرتفعة إلى أنشطة هدفها الأساسي البقاء وليس تعظيم الإنتاجية.

ومن زاوية الاقتصاد الكلي، فإن خروج الأساتذة والأطباء والقضاة والمصرفيين من مؤسساتهم يمثل انخفاضًا في الناتج المحتمل للاقتصاد، لأن الدول لا تنهض فقط برأس المال المادي، بل بقدرتها على استثمار المعرفة والخبرة.

أما الاقتصاد الرقمي، فقد كشف مفارقة مهمة؛ فالمعرفة لا تختفي أثناء الأزمات، لكنها تبحث عن مساحة جديدة للعمل. فالخبير المصرفي والطبيب والأكاديمي حملوا مهاراتهم إلى السوق، بينما خسرت المؤسسات الرسمية تراكمًا معرفيًا يصعب تعويضه.

هل السوق أنقذ الكفاءات أم كشف أزمة الاقتصاد؟

هل أصبح اقتصاد الضرورة أقوى من اقتصاد المؤسسات؟

إن الخطر الحقيقي ليس في أن يعمل صاحب الشهادة في السوق، فكل عمل شريف يستحق الاحترام، وإنما أن يتحول رأس المال البشري من محرك للتنمية إلى أداة للبقاء.

فالحروب لا تقاس خسائرها بعدد المباني المدمرة فقط، بل بحجم العقول التي خرجت من دائرة الإنتاج الاستراتيجي.

البروف هجانة ولهذا يبقى السؤال الاقتصادي الأكثر إثارة للجدل: هل أصبح اقتصاد الحرب أكثر قدرة على توظيف الكفاءات من اقتصاد الدولة؟

بصيرتي برس

تابعنا على فيسبوك

لمتابعة أحدث التغطيات والمقالات الإخبارية فور نشرها، انضم إلى صفحتنا الرسمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى