Uncategorizedإجتماعيةالأخبار المحلية

السودان أرض الحضارات…سينهض

عباس الماحي

عباس الماحى

نقطة سطر جديد

السودان أرض الحضارات…سينهض

*****************************

السودان وطنٌ لم يبدأ تاريخه بالأمس، ولن تنتهي حكايته اليوم.

هنا قامت كوش، ومن هنا أشرقت حضاراتٌ تركت بصمتها في التاريخ، وهنا ما زال النيل يجري شاهدًا على وطنٍ يعرف كيف ينهض من بين الرماد.

هناك أوطانٌ تُكتب على الخرائط، وأوطانٌ تُكتب في الذاكرة، وأوطانٌ تسكن في وجدان أبنائها حتى تصبح جزءًا من هويتهم وكرامتهم وحكايتهم.

ووطننا السودان من تلك الأوطان التي لا تكفي الكلمات لوصفها؛ لأنه ليس مجرد مساحة من الأرض، ولا حدودًا مرسومة على خارطة، بل هو حكاية إنسان، وذاكرة حضارة، ونهرٌ يمضي عبر الزمن، يحمل معه أسرار آلاف السنين.

السودان ليس وطنًا وليد اللحظة، ولا قصة بدأت بالأمس؛ إنه أرضٌ عرفت الحضارة منذ عصور سحيقة، وعلى ترابه قامت الممالك، وازدهرت المدن، وشُيّدت المعابد والأهرامات، وتعاقبت أجيال تركت في وديان النيل والصحارى والسهول آثارًا تقول إن هذه الأرض كانت، وما زالت، جزءًا أصيلًا من قصة الإنسان والحضارة.

من كوش إلى نبتة، ومن مروي إلى سوبا، ومن جبل البركل إلى النقعة والمصورات، تقف شواهد التاريخ شاهدةً على حضارات عريقة صنعت مجدها بإرادة الإنسان وعلمه وعمله.

وفي صفحات ذلك التاريخ تبرز أسماء ملوكٍ وملكاتٍ تركوا بصماتهم في مسيرة هذه الأرض.

فمن ملوك كوش ونبتة يبرز اسم كاشتا، ومن بعده ابنه بعانخي “بيا”، الذي ارتبط اسمه بتوسع النفوذ الكوشي في وادي النيل ودخوله مصر، ثم جاء شباكا، وشبتاكا، وتهارقا “ترهاقا”، أحد أشهر ملوك الأسرة الخامسة والعشرين، وتنوت أماني، الذي واصل مسيرة الحكم الكوشي في مصر.

وكان هؤلاء الملوك جزءًا من عصرٍ أصبحت فيه كوش قوةً سياسية وحضارية بارزة في وادي النيل، وتركت معابدها ونقوشها وآثارها شاهدةً على ذلك العصر.

ولم تتوقف مسيرة كوش عند هؤلاء.

ففي تاريخ نبتة ومروي تتردد أسماء ملوكٍ آخرين، من بينهم سنكامانيسكن، وأنلاماني، وأسبلتا، ونستاسن، وأركاماني، ونقماني، وأمانخيريقيرم، وناتكاماني وغيرهم من حكام الممالك الكوشية والمروية.

كان كل اسمٍ منهم صفحةً في كتابٍ طويل من تاريخ هذه الأرض؛ تاريخٍ امتد عبر أجيال، وتغيرت فيه العصور، لكن بقيت الحضارة حاضرةً في الحجر والنقش والمعبد والهرم.

ولم يكن التاريخ الكوشي تاريخ ملوكٍ فقط.

ففيه أيضًا أسماء نساءٍ دخلن صفحات التاريخ بقوة، وأصبحن رمزًا بارزًا لحضور المرأة في الحكم والمجتمع والحياة الدينية والسياسية.

إنهن الكنداكات.

ومن أشهر الأسماء … أماني ريناس، الملكة التي ارتبط اسمها بالمقاومة الكوشية في مواجهة التوسع الروماني.

وهناك أماني شخيتو، التي ارتبط اسمها بآثار ومعابد وأهرامات مروي.

ومن الكنداكات والملكات المرويات أيضًا أماني تيري، وأماني كيتاشان، وأماني خريكيش، إلى جانب ملكات وحاكمات أخريات حملن ألقابًا ملكية وظهرن في النقوش والآثار المروية.

لقد كانت الكنداكات جزءًا من تاريخٍ يؤكد أن المرأة في ذلك المجتمع لم تكن مجرد شاهدٍ على التاريخ، بل كانت حاضرةً في مواقع السلطة والرمزية الدينية والسياسية.

وحين نذكر هؤلاء الملوك والكنداكات، فإننا لا نذكر أسماءً قديمةً لمجرد الفخر بالماضي.

بل نتذكر أن هذه الأرض عرفت الدولة والتنظيم والعمارة والفنون والتجارة والزراعة، وعرفت كيف تبني حضارةً تستمر آثارها آلاف السنين.

من بعانخي إلى تهارقا، ومن أسبلتا إلى أركاماني ونقماني، ومن أماني ريناس إلى أماني شخيتو وأماني تيري، تمتد أمامنا سلسلة طويلة من الأسماء التي تقول إن السودان كان، عبر مراحل مختلفة من تاريخه القديم، أرضًا لصناعة الحضارة.

ولم يكن أولئك الملوك والملكات مجرد أسماء في صفحات التاريخ؛ فقد تركوا وراءهم معابد وأهرامات ومدنًا ونقوشًا وأعمالًا عمرانية وفنية ما زالت حتى اليوم تذكّر العالم بأن هذه الأرض أنجبت حضارات كان لها شأنها في التاريخ القديم.

وهناك، حيث تقف الأهرامات شامخةً في مواجهة الزمن، نشعر أن الحجارة نفسها تتحدث إلينا، وتروي للأجيال أن الإنسان يستطيع أن يصنع أثرًا يتجاوز عمره، وأن الإرادة حين تقترن بالعلم والعمل قادرة على تحدي قسوة الزمن.

إن أهرامات مروي، وآثار جبل البركل، ومعابد النقعة والمصورات وغيرها من المواقع التاريخية، ليست مجرد حجارة صامتة؛ إنها صفحات مفتوحة من كتاب الوطن الكبير، تروي قصة الإنسان الذي عاش على هذه الأرض، وفكر، وبنى، وزرع، وتاجر، وحكم، وترك أثره للأجيال.

هذه الأرض التي عبرتها الحضارات واحتضنت شعوبًا وثقافات متعددة، لم تكن يومًا مجرد معبر في التاريخ؛ بل كانت صانعةً له.

وعلى ضفاف النيل نشأت حياة الإنسان، وزُرعت الأرض، وشُيّدت المدن، وتداخلت الثقافات والعادات والتقاليد، حتى أصبح السودان لوحةً إنسانيةً واسعة، تتعدد فيها اللهجات والثقافات والألوان، لكنها تجتمع في معنى واحد: الوطن.

ولم يكن أعظم ما تركه التاريخ حجارة الأهرامات وحدها، بل ترك إنسانًا يحمل في داخله صفاتٍ صنعتها البيئة والتاريخ والتجربة؛ إنسانًا عرف الصبر، وتعلم من قسوة الصحراء كيف يحتمل، ومن النيل كيف يستمر، ومن الأرض كيف يعطي، ومن الحياة كيف يواجه الصعاب دون أن يفقد كرامته.

الإنسان السوداني في وجدان وطنه ليس مجرد فرد يعيش على هذه الأرض؛ إنه امتدادٌ لحكاية طويلة من الكرم والشهامة والمروءة وعزة النفس.

هو الإنسان الذي عُرف بكرم الضيافة، والذي يرى في إكرام الضيف واجبًا لا منّة، وفي مساعدة المحتاج خلقًا أصيلًا، وفي الوقوف إلى جانب الآخرين وقت الشدة مسؤوليةً إنسانية قبل أن تكون واجبًا اجتماعيًا.

وفي بيوتنا السودانية، ظل للضيف مكانه، وللجار حقه، وللغريب احترامه، وللكبير تقديره، وللصغير عنايةٌ ومحبة.

وظلت قيم الأمانة والصدق وحفظ العهد من الصفات التي يعتز بها مجتمعنا، ويحرص الآباء على غرسها فينا جيلًا بعد جيل.

والإنسان السوداني، مهما ضاقت به الحياة، يظل متعلقًا بكرامته.

قد يقبل العناء، لكنه لا يقبل الإهانة.

وقد يصبر على قسوة الظروف، لكنه لا يبيع كرامته مهما كانت المغريات.

وقد يعيش الفقر، لكنه يحتفظ بعزة نفسه.

وقد يرحل عن وطنه قسرًا، لكنه يحمل وطنه معه في قلبه.

إنها إرادة الإنسان الذي يعرف أن الكرامة ليست سلعة، وأن الوطن ليس شيئًا يمكن استبداله، وأن الإنسان قد يفقد المال ومدخراته والمسكن والعمل، لكنه يستطيع أن يحتفظ بقيمه ومبادئه.

وحين تأتي المحن، تظهر معادن الشعوب …

وقد جسّد أهلنا في كل بقاع السودان معنى التكافل والتراحم، فاقتسم الفرد ما لديه مع جاره، وفتح بابه لمن أُغلقت في وجهه الأبواب، وساعد من تقطعت به السبل، وحمل الكبير ووقّره، وحمى الطفل، ووقف إلى جوار أسرته ومجتمعه.

وقد نختلف في الآراء والمواقف، وهذا أمر طبيعي في حياة الشعوب، لكن الوطن أكبر من الخلاف، وبقاء السودان ووحدته وسلامة أرضه وشعبه غاية لا ينبغي أن تضيع وسط صخب الاختلافات.

فهذا الوطن الذي صمد أمام قسوة الصحراء وتقلبات التاريخ، وجد نفسه في السنوات الأخيرة أمام واحدة من أقسى المحن في تاريخه الحديث.

فقد أوجعته الحرب.

ومنذ اندلاعها في أبريل 2023م، لم يكن الخراب مجرد أرقام تتصدر نشرات الأخبار، بل كان وجعًا يسكن البيوت والنفوس.

كان هناك أبٌ يبحث عن أمان أطفاله، وأمٌّ تحمل ما استطاعت من متاع وهي تغادر بيتها، وطفلٌ لم يعد يعرف لماذا أُغلقت مدرسته، وشابٌّ توقفت أحلامه، وأسرةٌ تفرقت بها الطرق.

تغيّرت ملامح المدن، وأُغلقت المدارس، وتضررت المستشفيات، وتعطلت الأسواق، وفقد الملايين أمنهم ومصادر رزقهم ومنازلهم.

لكن أكثر ما يؤلم في هذه الحرب أنها لم تستهدف الحجر وحده؛ فقد امتد أثرها إلى الإنسان، وإلى ذاكرة الوطن، وإلى الثقافة والتعليم، وإلى كل ما يجعل الحياة حياة.

وحين تتضرر مدرسة، لا نخسر جدرانًا فقط، بل نخسر جزءًا من مستقبل جيل.

وحين يتضرر مستشفى، لا نخسر مبنى فقط، بل نهدد حق إنسان في الحياة.

وحين يُنهب متحف أو يتعرض موقع أثري للخطر، لا نخسر قطعة من الماضي فحسب، بل نخسر صفحة من ذاكرة أمة.

ومع ذلك …

لم تنكسر إرادة شعبنا.

فشعبنا أكبر من المحنة.

قد تستطيع الحرب أن تقتلع الإنسان من منزله، لكنها لا تستطيع أن تقتلع الوطن من قلبه.

قد تجبره على الرحيل، لكنها لا تستطيع أن تمحو طريق العودة.

قد تحرمه من مدرسته، لكنها لا تستطيع أن تقتل شغفه بالعلم.

قد تهدم جدارًا، لكنها لا تستطيع أن تهدم ذاكرة شعب.

وهنا تكمن عظمة شعبنا.

هذا الشعب الذي عرف الحياة في أحلك الظروف، وعاش على ضفاف النيل، وزرع الأرض رغم قسوة المواسم، وبنى البيوت والمدن والقرى، وحمل العلم في أصعب الأزمنة، وعرف الهجرة والاغتراب، ثم ظل قلبه معلقًا بوطنه؛ قادرٌ على أن يبدأ من جديد.

ليس لأن الجراح بسيطة، بل لأن إرادة الحياة أكبر.

وليس لأن الطريق سهل، بل لأن الأوطان العريقة تستطيع أن تستعيد عافيتها حين تتضافر إرادة أبنائها مع العلم والعمل وحسن التخطيط.

وحين نقف أمام أهرامات مروي، لا ينبغي أن نرى الحجارة وحدها.

ينبغي أن نرى الإنسان الذي عرف الهندسة، ووضع حجرًا فوق حجر، وصنع من الصحراء مدينة، ومن الإرادة حضارة، ومن الزمن ذاكرة.

وتلك الأهرامات التي تحدّت آلاف السنين ليست مجرد آثار صامتة؛ إنها رسالة حية من الماضي إلى الحاضر.

رسالة تقول إن الإنسان الذي استطاع أن يبني في الماضي، يستطيع أن يبني في الحاضر.

وأن الشعب الذي ترك حضارةً بقيت آثارها آلاف السنين، يستطيع أن يجعل من تاريخه مصدر إلهام لبناء مستقبل جديد.

وقد تغيرت الوجوه والأجيال، وبقيت الأرض.

ولهذا فإن السودان لا ينبغي أن ينظر إلى تاريخه باعتباره ماضيًا فقط.

فالتاريخ العظيم ليس ليقال:

“كان لنا مجد.”

بل ليقال:

“وما زال بإمكاننا أن نصنع مجدًا جديدًا.”

السودان الذي نحلم به

سيأتي يومٌ يعود فيه الطفل إلى مقعده الدراسي.

سيعود المزارع إلى أرضه، والعامل إلى مصنعه، والطبيب إلى مستشفاه، والأستاذ إلى جامعته، والتاجر إلى متجره.

ستعود الأسواق إلى أصواتها، والبيوت إلى دفئها، والشوارع إلى ازدحامها، والمقاهي إلى أحاديث الناس، والساحات والملاعب إلى ضحكات الأطفال.

ستعود الخرطوم إلى الحياة، وتعود أم درمان إلى نبضها، وتعود بحري إلى حيويتها، وبورتسودان إلى بحرها، وتستعيد كل المدن والقرى حقها الطبيعي في أن تعيش بلا خوف.

وسيعود الناس إلى منازلهم، وستلتقي العائلات التي فرقتها الحرب، وستفتح المدارس أبوابها، وستعود الجامعات إلى رسالتها، وستدور عجلة الإنتاج من جديد.

لكن السودان الذي نريده بعد الحرب لا ينبغي أن يكون مجرد سودانٍ أُعيد بناء مبانيه.

نريد سودانًا يُعاد فيه بناء الإنسان قبل الحجر.

سودانًا تُصان فيه الكرامة.

سودانًا يكون فيه الاختلاف السياسي والفكري والثقافي مساحةً للحوار لا سببًا للفرقة.

سودانًا تكون فيه الدولة فوق الخلافات، والقانون فوق الجميع، والتعليم حقًا، والصحة حقًا، والأمن حقًا، والكرامة حقًا أصيلًا لكل مواطن.

نريده وطنًا يتسع للجميع.

فالسودان أكبر من المعاناة التي عاشها.

هو النيل حين يشق طريقه في قلب الأرض.

هو النخيل الذي يقف شامخًا في الشمال.

هو سهول الجزيرة وحقولها.

هو الشرق والغرب والشمال والجنوب والوسط.

هو الخرطوم وأم درمان وبحري وبورتسودان وكسلا والقضارف وعطبرة ودنقلا وحلفا ومدني والكاملين والحصاحيصا ورفاعة وكوستي والمناقل والأبيض وأم روابة والفاشر ونيالا ودارفور وكردفان وبارا ومدن وقرى لا تُحصى.

هو التنوع الذي صنع مجتمعًا غنيًا بالثقافات واللهجات والعادات والتقاليد.

وهو الإنسان السوداني الذي يحمل في قلبه وطنًا كاملًا، حتى عندما تضطره الحرب إلى عبور الحدود.

ولن تكون الحرب آخر فصل

السودان اليوم جريح، نعم.

لكنه ليس ميتًا.

والفرق بين الجريح والميت أن الجريح يستطيع أن ينهض.

قد يحتاج إلى وقت.

قد يحتاج إلى يد تمتد إليه.

وقد يحتاج إلى جهود أبنائه جميعًا.

لكنه يستطيع أن ينهض.

وما نحتاجه هو فرصة لاستعادة وطننا وبناء مستقبله بأيدينا.

إن أعظم ما يمكن أن نحققه هو أن ننطلق إلى ساحات العمل والبناء والإعمار، وأن نحول الألم إلى طاقة للعمل، والخراب إلى بداية، والخوف إلى أمل.

فالأوطان لا تُبنى بالأمنيات وحدها، وإنما بسواعد أبنائها، بعلمهم، وإخلاصهم، وأمانتهم، وصبرهم، وإيمانهم بأن المستقبل يستحق أن يُبنى.

السودان لن ينكسر …

قد يطول الليل.

وقد تكون الطرق إلى البناء شاقة.

وقد تكون الجراح عميقة.

لكن السودان الذي عاش آلاف السنين، والذي أنجب كوش ونبتة ومروي، والذي شهد عهود ملوك مثل كاشتا، وبعانخي، وشباكا، وشبتاكا، وتهارقا، وتنوت أماني، وأسبلتا، ونستاسن، وأركاماني، ونقماني، وناتكاماني، والذي حفظ في ترابه ذاكرة الكنداكات أماني ريناس، وأماني شخيتو، وأماني تيري وغيرهن من ملكات مروي، والذي ترك في الأرض أهرامات ومعابد ومدنًا قاومت الزمن، قادر على أن يكتب فصلًا جديدًا من تاريخه.

فالحضارات ليست ما تبنيه من قصور وأهرامات فحسب، وإنما بما تتركه من معرفة وإبداع وقدرة على الاستمرار.

والشعوب العظيمة ليست تلك التي لا تعرف الألم، بل تلك التي تعرف كيف تحول الألم إلى بداية جديدة.

سيأتي يوم يعود فيه صوت العمل أعلى من صوت الخراب.

ويعود فيه صوت جرس المدرسة أعلى من صوت الرصاص.

ويعود فيه صوت الحياة أعلى من صوت الخوف.

ويعود السودان إلى مكانته بين الأمم، وطنًا عزيزًا، آمنًا، متنوعًا، كريمًا بأهله وتاريخه ومستقبله.

السودان لن ينكسر…

لأن في أرضه تاريخًا لا يموت.

ولأن في ترابه ذاكرة آلاف السنين.

ولأن النيل ما زال يجري.

ولأن في شعبه إرادةً تعرف كيف تقف خلف قبادتها وجيشها، وكيف تصبر، وكيف تحافظ على كرامتها، وكيف تواجه المحن.

ولأن شبابه الذين عاشوا هذه المحنة سيكونون جزءًا من بناء ما تهدم.

ولأن الأمل، مهما خفت صوته، لا يموت ما دام هناك إنسان يؤمن بأن الغد يمكن أن يكون أفضل.

سيعود السودان…

لا إلى الماضي فقط، بل إلى مستقبلٍ يليق بتاريخه، ويستحقه أبناؤه.

سيعود السودان، وتتحول إرادة شعبه إلى عمل، وتتحول أحلام شبابه إلى مشروعات، وتتحول موارده إلى نهضة، ويصبح العلم والمعرفة والإنتاج أساسًا لبناء الغد.

سيعود السودان لأن الشعوب التي تمتلك تاريخًا عظيمًا لا تعيش على أمجاد الماضي، بل تجعل من ذلك التاريخ دافعًا لصناعة المستقبل.

سيعود السودان لأن في كل مدينة وقرية قلبًا ينبض بحب الوطن، وفي كل أسرة حلمًا بيومٍ أفضل، وفي كل شاب قدرةً على أن يضع لبنةً في جدار المستقبل.

سيعود السودان لأن هذا الوطن لم يكن يومًا مجرد أرض.

إنه ذاكرة الأجداد، وبيت الآباء، وحلم الأبناء.

إنه النيل الذي لا يتوقف عن الجريان، والنخيل الذي لا يتعب من الوقوف، والأرض التي تنتظر من يزرعها، والمدن التي تنتظر من يعيد إليها الحياة.

وسيأتي اليوم الذي ننظر فيه إلى هذه السنوات الصعبة لا باعتبارها نهاية الحكاية، بل باعتبارها فصلًا مريرًا عبرناه، ثم خرجنا منه أكثر تمسكًا بوطننا، وأكثر إيمانًا بقدرتنا على البناء.

وسنكتب بأنفسنا الصفحة القادمة من الحكاية.

حكاية وطنٍ جُرح، لكنه لم ينكسر.

حكاية شعبٍ تألم، لكنه ثمت ولم يفقد كرامته.

حكاية إنسانٍ صبر، وتمسك بأرضه، وحفظ قيمه، ووقف في وجه الأعداء والمحن.

حكاية أمةٍ عرفت الحضارة في فجر التاريخ، وستعرف النهضة في مستقبلها.

فالسودان ليس ماضيًا نتحسر عليه، بل مستقبلًا نبنيه.

وليس وطنًا ننتظر أن ينهض وحده، بل وطنٌ ننهض به وننهض معه.

السودان أرض الحضارات…

السودان أرض الكرامة والصمود…

السودان وطن النيل والتاريخ والإنسان…

السودان وطنٌ جُرح، لكنه لم يمت.

وسينهض… بإذن الله.

وسينهض بسواعد أبنائه.

وسينهض بعلمه وعمله وإرادته.

وسينهض ليكتب للعالم فصلًا جديدًا من حكاية وطنٍ لم يعرف الانحناء والاستسلام.

سيكتب أبناء السودان فصلًا جديدًا، لا يمحو تاريخ كوش، بل يضيف إليه.

لا ينسى نبتة ومروي، بل يحمل إرثهما إلى المستقبل.

لا يكتفي بالنظر إلى أهرامات الأجداد، بل يبني مدارس ومستشفيات وجامعات ومصانع ومدنًا تليق بالأجيال القادمة.

فكما ترك بعانخي وتهارقا وأركاماني أثرًا في الحجر، وكما حفظ التاريخ أسماء أماني ريناس وأماني شخيتو، سيأتي يوم تحمل فيه الأجيال القادمة أسماء رجال ونساء صنعوا نهضةً جديدة بالعلم والعمل والسلام والإعمار.

وعندها، لن يكون السودان مجرد وطنٍ خرج من الحرب.

سيكون وطنًا أعاد اكتشاف قدرته على الحياة.

وستعود الحكاية إلى بدايتها الأولى … نيلٌ يجري، وأرضٌ تعطي، وشعبٌ يصبر، وطنٌ يبني، وحضارةٌ لا تموت.

السودان أرض الحضارات… سينهض.

السودان وطنٌ باقٍ ما بقي النيل يجري، وما بقي في أبنائه قلبٌ ينبض بحب الوطن.

“سنبني نحن مستقبلًا لا يقل عظمةً عن تاريخ اجدادنا؛ فاننا لا نعيش على أمجاد الماضي… بل نصنع من أمجاده طريقًا إلى المستقبل.”

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بصيرتي برس.. بصيرة الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى