مؤتمر بأم درمان: الحرب خلفت جراحاً نفسية عميقة تفوق جراح الميدان
الصحة النفسية في السودان: تداعيات الحرب ومواجهة آثار العنف والإدمان

مؤتمر بأم درمان: الحرب خلفت جراحاً نفسية عميقة تفوق جراح الميدان
تقرير: مي علي آدم
لم تترك الحرب التي أشعلتها مليشيا الدعم السريع بيتاً في السودان إلا وطرقت بابه، فلم تكتفِ بقتل الأجساد وتدمير الممتلكات، بل تسللت إلى أعماق النفوس لتزرع الخوف والقلق والانكسار. نساء اغتصبن أمام أسرهن، أطفال عايشوا الموت حياً، وشباب وجدوا في المخدرات ملاذاً للهروب. من هذا الواقع الموجع، انعقد بمركز أم درمان الثقافي مؤتمر القضايا النفسية والاجتماعية تحت شعار “معاً لمعالجة آثار الحرب وتعزيز الصحة النفسية والتماسك المجتمعي” ليقول بصوت واحد: إن معركة التعافي النفسي لا تقل ضراوة عن معركة الميدان.
آثار الحرب تجاوزت الميدان العسكري
أكد وزير التنمية الإجتماعية بولاية الخرطوم صديق حسن فريني أن الحرب التي شنتها مليشيا الدعم السريع بولاية الخرطوم تجاوزت آثارها الميدان العسكري لتطال المجتمع السوداني في بنيته الإجتماعية والنفسية، جاء ذلك لدى مخاطبته بمركز ام درمان الثقافي مؤتمر القضايا النفسية والإجتماعية الذي نظمه مركز الإسعاد للدعم النفسي والإجتماعي بالشراكة مع الصندوق القومي للتأمين الصحي.
وشدد فريني على أن تداعيات الحرب تحتاج إلى استجابة اجتماعية متكاملة لا تقتصر على معالجة الآثار المباشرة وإنما تمتد إلى دعم الأسر والفئات المتضررة واستعادة قدرتها على التماسك والإنتاج. وأشار الوزير إلى أن وزارة التنمية الاجتماعية تضطلع بدور أساسي في مواجهة الآثار الاجتماعية للحرب مؤكدين انفتاح وزارته على التعاون مع مراكز الدعم النفسي والاجتماعي وفي مقدمتها مركز الإسعاد.
وصمة العار تعيق العلاج النفسي
من جانبه أكد المدير العام للصندوق القومي للتأمين الصحي بالإنابة د. الصديق الطيب وهب الله، أن الحرب خلفت جراحاً نفسية واجتماعية عميقة جراء فقد الأهل والممتلكات وتجربة التهجير والنزوح، مشيراً إلى أن السودان يمتلك تاريخاً عريقاً في مجال الطب النفسي وهو يتحدث على مقربة من مستشفى التجاني الماحي.
وأقر بأن الطب النفسي لا يزال يواجه تحدي الوصمة الاجتماعية حيث يحجم الكثيرون عن طلب العلاج خشية وصمهم بالجنون، مؤكداً أن خدمات الطب النفسي مدرجة ضمن الحزم الصحية الأساسية، وكشف عن خطة استراتيجية للتعافي النفسي مع تركيز خاص على ولايات دارفور، معلناً التزام الصندوق بتنفيذ مخرجات المؤتمر.
المركز يتدخل للمرأة والطفل
قال الدكتور محمد يوسف إبراهيم مدير مركز الإسعاد للدعم النفسي والاجتماعي وعلاج الإدمان، إن المركز نشأ في العام 2016 ويعمل على التدخلات والاستجابات للحالات المتأثرة، حيث يعمل في الوضع الطبيعي في مجالات الدعم النفسي والاجتماعي والإرشاد الزواجي وإرشاد الطلاب الممتحنين، وفي وضعية الحرب يتدخل لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للمرأة والطفل باعتبارهما أكثر الشرائح تضرراً وضعفاً.
اغتصاب أمام الأسر ومخدرات خلفتها المليشيا
وكشف د. محمد عن وقوع حالات اغتصاب للنساء أخذت أبعاداً وأوجه متعددة منها اغتصاب الفتاة أمام أسرتها أو أمام زوجها وهو مقيد بهدف الانتقام، مما يترك آثاراً نفسية بالغة للزوج والأسرة، لافتاً إلى أن الأطفال عايشوا تفاصيل الحرب كاملة، ومن لم يعايشها مباشرة تابعها عبر الإعلام الإلكتروني.
وأشار إلى انتشار ظاهرة المخدرات مع ظروف الحرب وتوسعها رأسياً وأفقياً، ناتج من السيولة الأمنية، ولأن المليشيا نفسها كانت تتاجر في المخدرات وخلفت وراءها كميات كبيرة أصبحت بوابة لتعاطي الشباب لها.
ثلاث أوراق وتوصيات تتحول لبرامج
وأوضح أن المركز بالتعاون مع شريكه الصندوق القومي للتأمين الصحي فكر في إقامة هذا المؤتمر الذي ناقش ثلاث أوراق علمية ووجدت حظها من النقاش المستفيض، وأكد أن التوصيات ستتحول مباشرة إلى برامج ومشاريع عملية.
واعتبر أن ما قام به مركز الإسعاد كأنما رمى حجراً في بركة راكدة لتبدأ الدوائر في التوسع ويستفيد المجتمع كله، مؤكداً أن المجتمع السوداني بأكمله الآن يحتاج إلى دعم نفسي وتنمية، فهناك تاجر فقد تجارته وغني أصبح فقيراً، وهناك أسر أنجبت أطفالاً غير مرغوب فيهم نتيجة الاغتصاب مما أدى لزيادة أعداد الأطفال فاقدي السند.
واختتم د. محمد بتوجيه الشكر للإعلام بكافة أشكاله من قنوات ومواقع وصحافة إلكترونية باعتباره شريكاً أساسياً مهموماً بقضايا المجتمع وطرح الحلول.
أوراق العمل التي ناقشها المؤتمر:
الورقة الأولى: العنف ضد المرأة والطفل في وضعية الطوارئ
قدمتها: د. ميادة حاج موسى
تناولت الأشكال المختلفة للعنف الجسدي والنفسي والجنسي الذي تعرضت له النساء والأطفال خلال الحرب، وآثاره النفسية العميقة على الناجيات والأسر والأطفال، والحاجة لبرامج حماية ودعم نفسي متخصص طويل المدى.
الورقة الثانية: دور التأمين الصحي في تقديم خدمات الدعم النفسي والتعافي النفسي
قدمها: د. حيدر محمد – الصندوق القومي للتأمين الصحي
استعرضت إدراج خدمات الطب النفسي ضمن الحزم الأساسية للتأمين، والتحديات التي تواجه وصول المرضى للخدمة بسبب الوصمة وخشية وصمهم بالجنون، وتأثيرات فقدان الأهل والممتلكات والنزوح، والخطة الاستراتيجية للتعافي النفسي مع التركيز على ولايات دارفور.
الورقة الثالثة: الإدمان والوصمة الاجتماعية
قدمها: د. التجاني محمد حسن – استشاري الطب النفسي
ناقشت توسع ظاهرة المخدرات رأسياً وأفقياً خلال الحرب بسبب السيولة الأمنية ومتاجرة المليشيا بها وتركها لكميات كبيرة، وعلاقة الصدمات النفسية بزيادة التعاطي كهروب، ودور الوصمة الاجتماعية في منع المدمنين وأسرهم من طلب العلاج، وأهمية برامج التوعية والعلاج وإعادة التأهيل.
واشاد. د محمد يوسف بالإعلام بكافة اشكاله من قنوات فضائيه ومواقع وصحافة الإلكترونية باعتباره شريكا اسياسيا مهموما بقضايا المجتمع وطرح الحلول