إلى محمد وداعة وعموده ما وراء الخبر… الذي سميته :ما وراء الأجندة!

منظور جديد
عامر حسون
إلى محمد وداعة وعموده (ما وراء الخبر).. الذي سميته: ما وراء الأجندة!

من السهل جداً من خلف الشاشات وفي صالونات التنظير الصحفي أن نلعب بمشاعر الناس، وأن نستعرض البطولات الخطابية بمداد القلم، مستغلين الجراح العميقة والمعاناة الحقيقية لأهلنا المهجرين والنازحين. لكن في زمن الحروب والمواجهات المصيرية، تتحول الكلمة غير المسؤولة إلى معول هدم يصيب الروح المعنوية للجبهة الداخلية في مقتل، وتفعل ما عجزت عنه مدافع المتمردين. ومقالك الأخير يا أستاذ محمد، لم يكن ناصحاً بل كان وقعه كطعنة مبطنة في خاصرة الجهد العسكري والاستخباراتي للدولة؛ ولذلك حقّ لنا أن نسمي الأمور بمسمياتها، ونكشف “ما وراء المقال” بدلاً مما أسميته “ما وراء الخبر”.
أولاً: نصّبت نفسك وصياً على الشعب وبذلك صادرت إرادته؟
في كل سطر من مقالك تنصّب نفسك وصياً على إرادة الملايين، وتجزم بأن “الشعب لن يغفر ولن يسامح”، وتهاجم خطوات الدولة وسياساتها السيادية في الحلول والتسامح لوقف نزيف الدم. وهنا نضع أمامك التساؤل الصارم، المباشر، والمشروع: هل أنت الناطق الرسمي الحصري باسم هذا الشعب الصابر؟
فالشعب السوداني لم يمنحك تفويضاً بصياغة مواقفه أو تحديد خياراته الاستراتيجية. نحن لا ننتمي لأي جهة سياسية، ولا تربطنا صلة بأي تحالف ضيق، ولكننا نقف بقوة مع “منطق الدولة والحق”. والشعب السوداني أوعى من أن تُختزل إرادته في رؤية أحادية لكاتب يستغل عواطف الناس؛ فالشعب يدرك تماماً أن الأولوية القصوى والوحيدة الآن هي إنهاء التمرد وتثبيت أركان الدولة، والقيادة الشرعية هي المخولة وحدها بتقدير الخطوات الأمنية والعسكرية، مع علمنا التام بأن العفو السياسي والعسكري لا يسقط بأي حال من الأحوال “الحق الخاص” للمواطنين في مقاضاة المجرمين بعد استقرار البلاد.
ثانياً: تفكيك العدو اختراق استراتيجي وليس “سرديات ضعيفة”
عندما تصف الانتصارات والاختراقات العسكرية والاستخباراتية بأنها “بطولات وهمية” و”بلا قيمة عسكرية”، فإنك تتبنى —من حيث تدري أو لا تدري— دعاية العدو وتعمل على خفض الروح المعنوية لقواتنا المسلحة. إن كسر شوكة التمرد لا يتم فقط بالمواجهة الجبهوية المستنزفة، بل إن إجبار قيادات بحجم “كيكل” وغيره على الانشقاق والاستسلام هو ذروة النجاح الاستراتيجي والأمني؛ خطوة تفكك بنية المليشيا الصلبة من الداخل، وتحقن دماء الجنود والمدنيين، وتختصر زمن الحرب. الحروب تُدار بعقول القادة الاستراتيجيين في غرف العمليات، لا بنبرات المزايدة العاطفية في المقالات.
ثالثاً: تضخيم العدو وبث الذعر
لقد تعمدت في مقالك نشر المخاوف حول تمردات جديدة وانفلات للتشكيلات العسكرية، وزعمت واهناً أن المليشيا تسعى لامتلاك سلاح جو ومسيرات استراتيجية، في محاولة بائسة لتضخيم قوة العدو المنهارة على الأرض. إن بث الذعر والشكوك بين المواطنين تجاه القوات المنتشرة لحمايتهم في الخرطوم والمدن الأخرى لا يخدم سوى طابور الإرجاف الذي يريد تصوير المناطق المحررة والآمنة وكأنها تعيش في فوضى عارمة، بينما الواقع يؤكد أن الأمن يفرض سيطرته بخطط محكمة.
رابعاً: الطعن في ذمة الاستخبارات.. اتهام خطير بلا دليل
لقد تجاوزت في مقالك الخطوط الحمراء للأمن القومي حين اتهمت جهاراً نهاراً الأجهزة الاستخباراتية بالتواطؤ، وزعمت أن بقاء القتلة كان باتفاق معها، وذهبت أبعد من ذلك بوصفك هذا التنسيق بـ “الأمر المشين” الذي تسبب في سقوط القرى والمدن. هذا ليس نقداً سياسياً، بل هو اتهام جنائي وأخلاقي صريح لطعن المؤسسة العسكرية في شرفها المهني وعقيدتها الأمنية أثناء الحرب.
إن التكتيكات الاستخباراتية وحروب الخداع ليست مجالاً لـ “الونسة” الصحفية، والاتهام المجاني للاستخبارات العسكرية بالتضحية بأرواح المدنيين يسقط قلمك في مستنقع التحريض المباشر ضد الجيش، وهو أمر تقع مسؤوليته القانونية والأخلاقية عليك وحدك أمام قضاء ومحاكم الدولة عقب انتهاء هذه المعركة.
منظور أخير
بينما كان يمنحنا العُرف الصحفي كل الحق في نشر هذا التعقيب الحاسم في ذات المكان والصفحة التي احتضنت مقالك، اخترنا بكامل إرادتنا الرد من هنا.. من منبرنا الخاص، صحيفة «بصيرتي».. بصيرة الوطن. فقد آثرنا النقاش الاستراتيجي الجاد؛ لأن معركة الوطن اليوم أكبر من معارك الحبر والورق، وأعمق من ذلك التجييش العاطفي الذي يوهن عزيمة القوات المسلحة بجهل القائمين عليه أو بأجنداتهم الخفية.
ويبقى الهدف المشترك هو الوصول إلى سودان آمن ومستقر، تُحسم فيه الخلافات عبر المؤسسات والقانون، لا عبر الانقسام أو الخطاب الذي يزيد من حالة الاستقطاب.
استفق يا وداعة.. وليستفق قلمك.. فالأوطان تُقاد بالوعي والاستراتيجية لا بالمزايدات.. وإن عُدتم بالصوت، عُدنا بالبصيرة والمقال!