حذف الأصفار من الجنيه السوداني.. هل يخفض الأسعار ويعيد استقرار العملة؟
حذف الأصفار من الجنيه السوداني

حذف الأصفار من الجنيه السوداني يعود للواجهة
عاد مقترح حذف الأصفار من الجنيه السوداني إلى الواجهة مجدداً، في ظل التراجع الحاد الذي تشهده العملة المحلية أمام الدولار في السوق الموازية، وما ترتب على ذلك من ارتفاع معدلات التضخم وتراجع القوة الشرائية للمواطنين.
وسجل سعر صرف الدولار في السوق الموازية مستويات قياسية وصلت إلى نحو 6 آلاف جنيه، مقارنة بأقل من 600 جنيه قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023، وهو ما يعكس تراجعاً كبيراً في قيمة العملة المحلية أمام العملات الأجنبية.
ويأتي هذا التراجع وسط مجموعة من العوامل الاقتصادية، من بينها ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع مستويات الإنتاج، والاختلالات في المالية العامة والحسابات الخارجية، إلى جانب انخفاض تدفقات النقد الأجنبي وتراجع القوة الشرائية للمواطنين.
لماذا عاد مقترح حذف الأصفار؟
مع تضخم الأرقام التي أصبحت تستخدم في المعاملات اليومية، عاد الحديث عن إمكانية حذف ثلاثة أصفار من الجنيه السوداني، باعتبار أن هذه الخطوة يمكن أن تسهم في تبسيط التعاملات المالية وتقليل الأعباء المحاسبية المرتبطة بارتفاع القيم الاسمية للأسعار والأجور.
لكن الخبراء يؤكدون أن حذف الأصفار لا يعني بالضرورة ارتفاع قيمة الجنيه أو انخفاض أسعار السلع، لأن العملية في الأساس تتعلق بإعادة ترقيم العملة وتغيير الوحدة الحسابية المستخدمة في المعاملات.
وبمعنى آخر، فإن حذف الأصفار لا يغير القيمة الاقتصادية الحقيقية للسلع أو الدخول ما لم ترافقه إصلاحات اقتصادية ونقدية حقيقية.
تجربة السودان السابقة
وليست هذه المرة الأولى التي يشهد فيها السودان تغييراً في نظام العملة. ففي عام 2007 عادت الحكومة إلى استخدام الجنيه بدلاً من الدينار الذي ظل متداولاً لأكثر من 15 عاماً.
وخلال تلك العملية، جرى حذف صفرين من العملة، بحيث أصبح الجنيه الجديد يعادل 100 دينار.
ويرى اقتصاديون أن التجربة السابقة كانت في الأساس إعادة لتحديد الوحدة الحسابية للعملة، ولم تكن علاجاً مباشراً لأسباب التضخم أو الاختلالات التي تؤثر في سعر الصرف.
هل حذف الأصفار يخفض الأسعار؟
يؤكد خبراء اقتصاديون أن حذف الأصفار لا يؤدي بصورة تلقائية إلى خفض أسعار السلع أو زيادة الإنتاج أو رفع احتياطيات النقد الأجنبي.
فعلى سبيل المثال، إذا كانت سلعة ما تبلغ قيمتها مليون جنيه قبل حذف ثلاثة أصفار، فإن سعرها سيصبح ألف جنيه بعد إعادة الترقيم، لكن القيمة الاقتصادية الحقيقية للسلعة لا تتغير.
وبالتالي فإن المواطن لن يشعر بتحسن في قدرته الشرائية لمجرد تغيير الأرقام المطبوعة على العملة، ما لم يحدث تحسن حقيقي في الاقتصاد واستقرار في الأسعار وسعر الصرف.
تحذيرات من إعادة الأصفار مجدداً
وقال الباحث الاقتصادي هيثم محمد فتحي إن قرار حذف الأصفار يجب أن يستند إلى مجموعة من الاعتبارات الفنية والاقتصادية، من بينها مستوى سعر الصرف، والتوقعات المتعلقة بالتضخم، وقدرة الدولة على منع حدوث تراجع جديد في قيمة العملة.
وحذر من أن تنفيذ عملية إعادة ترقيم العملة دون معالجة الأسباب الأساسية للأزمة الاقتصادية قد يؤدي إلى عودة الأصفار مرة أخرى خلال فترة قصيرة، وهو ما يمكن أن يؤثر على ثقة المواطنين والأسواق في العملة الجديدة.
كما يشير خبراء إلى أن نجاح أي عملية من هذا النوع يتطلب استعداداً فنياً ومصرفياً واسعاً، يشمل تحديث الأنظمة المحاسبية والمصرفية، وإعادة ضبط الأسعار والأجور والعقود والمدخرات والديون بما يتوافق مع الوحدة النقدية الجديدة.
الذهب يعكس حجم الضغوط على الجنيه
ولا تقتصر مؤشرات تراجع قيمة الجنيه السوداني على سوق العملات الأجنبية فقط، إذ سجل سعر غرام الذهب الخام مستويات مرتفعة تجاوزت 700 ألف جنيه للمرة الأولى، في مؤشر يعكس الضغوط الكبيرة التي تواجه العملة المحلية.
ويمثل الذهب أحد الموارد المهمة للنقد الأجنبي في السودان، إلا أن استمرار ارتفاع أسعاره بالعملة المحلية يعكس في الوقت ذاته ضعف قيمة الجنيه وزيادة توجه المواطنين نحو الأصول التي يرون أنها أكثر قدرة على الحفاظ على قيمة مدخراتهم.
ويرتبط استقرار العملة بدرجة كبيرة بقدرة الاقتصاد على توفير النقد الأجنبي، وتحسين الإنتاج والصادرات، واستعادة الثقة في القطاع المصرفي، وهي عوامل لا يمكن معالجتها بمجرد تغيير شكل الأرقام النقدية.
إصلاحات اقتصادية قبل حذف الأصفار
ويرى هيثم محمد فتحي أن نجاح عملية حذف الأصفار، إذا تم اتخاذ قرار بشأنها، يتطلب تنفيذ حزمة متكاملة من الإصلاحات الاقتصادية.
وتشمل هذه الإصلاحات ضبط السيولة، والسيطرة على التضخم، والعمل على استقرار سعر الصرف، وإصلاح المالية العامة، وزيادة الإنتاج المحلي، وتعزيز الصادرات، وتحسين تدفقات النقد الأجنبي، إلى جانب استعادة الثقة في النظام المصرفي.
وتبرز أيضاً أهمية السيطرة على التوقعات التضخمية، لأن فقدان المواطنين والشركات الثقة في العملة المحلية يدفعهم إلى الاحتفاظ بالعملات الأجنبية أو الذهب، وهو ما يمكن أن يزيد الطلب على تلك الأصول ويضع ضغوطاً إضافية على الجنيه.
تحديات إعادة ترقيم العملة
وفي حال قررت السلطات السودانية المضي في عملية إعادة ترقيم العملة، فإن الخطوة ستحتاج إلى ترتيبات دقيقة تشمل الأجور والمدخرات والقروض والديون والعقود والأسعار والحسابات المصرفية.
كما سيكون من الضروري وضع ضوابط تمنع استغلال تغيير العملة لرفع أسعار السلع والخدمات أو زيادة هوامش الأرباح بصورة غير مبررة، إلى جانب تنفيذ حملات توعية واسعة للمواطنين والتجار والمؤسسات حول آلية التحويل بين العملة القديمة والجديدة.
وقد تحقق عملية حذف الأصفار بعض الفوائد التشغيلية، مثل تسهيل المعاملات اليومية وتقليل حجم الأرقام المستخدمة في الحسابات والفواتير والأنظمة المصرفية، وربما خفض بعض تكاليف الطباعة والتداول.
لكن هذه الفوائد تظل محدودة إذا لم تترافق مع معالجة جذور الأزمة الاقتصادية.
الخلاصة
حذف ثلاثة أصفار من الجنيه السوداني قد يجعل التعامل بالأرقام أسهل ويقلل من حجم القيم الاسمية المتداولة، لكنه لن يؤدي وحده إلى انخفاض أسعار السلع أو استعادة قيمة الجنيه أو تحسين القوة الشرائية للمواطنين.
ويبقى التعافي الحقيقي مرتبطاً بقدرة الاقتصاد السوداني على زيادة الإنتاج، وتنشيط الصادرات، واستقطاب النقد الأجنبي، والسيطرة على التضخم، وإصلاح المالية العامة، واستعادة الثقة في القطاع المصرفي والعملة المحلية.
وبالتالي، فإن السؤال الأهم ليس فقط: هل سيحذف السودان ثلاثة أصفار من عملته؟ وإنما: هل ستنجح الدولة في معالجة الأسباب التي أدت إلى فقدان الجنيه قيمته؟
فإذا جرى حذف الأصفار دون إصلاح اقتصادي شامل، فقد تتغير الأرقام على الأوراق النقدية، بينما تبقى الأسباب الحقيقية لتراجع قيمة الجنيه قائمة.
لمتابعة أحدث الأخبار والتقارير الحصرية والتحليلات المعمّقة تابعونا على صفحتنا الرسمية على فيسبوك
تابع آخر المستجدات والأخبار العاجلة عبر قناة بصيرتي برس على واتساب