لماذا الشريفة آمنة ميرغني، محافظ بنك السودان المركزي، دون غيرها؟ هل الرقم يفسّر الأزمة أم يصنع بلبلة اقتصادية؟
بين الأرقام المتداولة وكفاءة المسؤول: قراءة اقتصادية في المخصصات والشفافية وحوكمة المال العام
لماذا الشريفة آمنة ميرغني، محافظ بنك السودان المركزي، دون غيرها؟ هل الرقم يفسّر الأزمة أم يصنع بلبلة اقتصادية؟
البروفيسور محجوب هجّانة
الخبير الاقتصادي والمتخصص في الاقتصاد القياسي و الكلي، والباحث في الشؤون الاقتصادية
في وقتٍ يواجه فيه المواطن السوداني غلاءً متصاعدًا، وتآكلًا في القوة الشرائية، واضطرابًا في سعر الصرف، أثارت الأرقام المتداولة حول مخصصات الشريفة آمنة ميرغني، محافظ بنك السودان المركزي، جدلًا واسعًا. وغضب المواطن مفهوم، فكل جنيه من المال العام يعني موردًا محدودًا في اقتصاد يواجه اختلالات عميقة، لكن الرقم المتداول ليس بالضرورة حقيقة مكتملة، والضجيج حوله ليس بديلًا عن التحليل الاقتصادي.
يقول البروفيسور هجانة: إن أول واجب في مثل هذه القضايا هو الفصل بين المعلومة والادعاء؛ فالمعلومة تحتاج مصدرًا ووثيقة وسياقًا، بينما الادعاء قد يعيش على التكرار. ومن هنا أطرح السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه: لماذا الشريفة آمنة ميرغني دون غيرها؟
إذا كانت القضية هي المال العام، فلماذا لا تخضع مخصصات شاغلي المناصب العليا جميعًا للمعيار نفسه؟ ولماذا لا تكون المقارنة مؤسسية وشاملة بدل اختزال منظومة الإنفاق العام في رقم مرتبط بشخص واحد؟
الاقتصاد القياسي: الرقم ليس حكمًا
من منظور الاقتصاد القياسي، الرقم مجرد متغير يحتاج إلى مصدر، وتعريف، وفترة زمنية، ومكونات، ومقارنة مرجعية، ثم اختبار للفرضيات والسببية.
فإذا قيل إن مخصصات مسؤول تفسر التضخم أو تدهور سعر الصرف، فأين البيانات؟ أين النموذج القياسي؟ ما المتغيرات الضابطة؟ وهل توجد مشكلة المتغيرات المحذوفة؟ وهل العلاقة سببية أم مجرد ارتباط؟
فالارتباط ليس سببية، والمتغير الواحد لا يفسر اقتصادًا متعدد المتغيرات والصدمات.
حجم البنك المركزي وحجم المسؤولية
والسؤال الاقتصادي الذي أطرحه هنا: هل يمكن تقييم مخصصات محافظ البنك المركزي بمعزل عن حجم المؤسسة وحساسية وظيفتها؟
البنك المركزي يقع في قلب النظام النقدي والمالي، وتتصل مسؤولياته بالسياسة النقدية، وإدارة السيولة، والاستقرار المالي، وسوق الصرف، والاحتياطيات، والرقابة المصرفية. ولذلك فإن تقييم تكلفة شاغل هذا المنصب يجب أن يأخذ في الاعتبار حجم المسؤولية، وتعقيد القرار، وتكلفة الخطأ، وقيمة الاستقرار النقدي، لا الرقم المجرد وحده.
الاقتصاد الكلي: الأزمة أكبر من أي شخص
من منظور الاقتصاد الكلي، الأزمة السودانية نتاج صدمة كلية مركبة؛ الحرب أضعفت الإنتاج والناتج، وأثرت في الصادرات والإيرادات، وعمقت الاختلالات المالية، بينما أسهم شح النقد الأجنبي والضغوط النقدية واضطراب سوق الصرف في زيادة الضغوط التضخمية ورفع التوقعات التضخمية.
يقول البروفيسور هجانة: إن اختزال هذه الديناميكية الكلية المعقدة في مخصصات مسؤول واحد هو تبسيط مخل، لأن التضخم وسعر الصرف والناتج والبطالة والمتغيرات النقدية والمالية تتحرك ضمن منظومة مترابطة.
الاقتصاد العام: أين كفاءة تخصيص الموارد؟
في الاقتصاد العام، لا يكفي أن نسأل: كم أُنفِق؟ بل يجب أن نسأل: ما العائد؟ وما تكلفة الفرصة البديلة؟ وهل تحققت كفاءة تخصيص الموارد؟
إذا كان الهدف إصلاح المالية العامة، فالمطلوب مراجعة هيكل الإنفاق والمخصصات والمزايا الحكومية وفق معايير موحدة وشفافة، لا تحويل القضية إلى محاكمة فردية.
أمن المعلومات: كيف وصلت البيانات؟
ثم أطرح سؤالًا آخر أكثر حساسية: كيف وصلت هذه المعلومات إلى المجال العام؟
إذا كانت البيانات ذات طبيعة داخلية، فمن كانت لديه صلاحية الوصول؟ وهل توجد حوكمة للبيانات؟ وهل توجد سجلات وصول ومسارات تدقيق رقمية؟
هذه ليست مسألة تقنية فقط، بل قضية أمن اقتصادي وإدارة مخاطر مؤسسية؛ فالمعلومة المالية والنقدية أصل استراتيجي، وتسريبها قد يرفع تكلفة عدم اليقين ويضر بالثقة المؤسسية.
والتسريب لا يثبت وحده وجود «خلايا نائمة»، لكنه يستوجب تحقيقًا مهنيًا في مصدر المعلومة ومسار خروجها.
الاقتصاد الرقمي واقتصاد التشهير
في الاقتصاد الرقمي، تنتشر المعلومة أسرع من التحقق منها، وقد يؤدي عدم تماثل المعلومات إلى بناء أحكام على بيانات ناقصة. ومع التكرار يظهر أثر الارتساء، فيصبح الرقم الأول مرجعية ذهنية يصعب تجاوزها.
وهنا يبدأ اقتصاد التشهير:
رقم → إيحاء → انطباع → اتهام → إدانة شعبية.
وهذه العملية لا تستهدف الشخص وحده؛ بل قد ترفع تكلفة عدم اليقين وتضعف رأس المال المؤسسي والثقة العامة.
اقتصاديا ومن واقع التقييم المهني ، أؤكد أن الشريفة آمنة ميرغني تمتلك تأهيلًا وخبرة اقتصادية ومصرفية تؤهلها، من حيث الكفاءة، لتولي مسؤوليات اقتصادية وتنفيذية رفيعة، بما في ذلك وزارة المالية والاقتصاد الوطني أو رئاسة مجلس الوزراء، إذا توافرت لها الصلاحيات والبيئة المؤسسية المناسبة. الشريفة آمنة: الكفاءة لا تعني الحصانة
وهذه شهادة كفاءة وليست حصانة من المساءلة. فالمسؤول الكفء يمكن نقده، والقرار الاقتصادي يمكن مراجعته، والسياسة الاقتصادية يجب أن تخضع للقياس والتقييم.
ونحن في الاقتصاد لا ننطلق من الأشخاص، وإنما من السياسات والبيانات والحوافز والنتائج.
وفي النهاية… لماذا الشريفة آمنة ميرغني دون غيرها؟ إذا كانت الأرقام صحيحة، فلتُعرض الوثائق كاملة وبسياقها. وإذا كانت هناك مخالفة، فليحكم القانون. وإذا كان المال العام هو القضية، فلتُفتح دفاتر الجميع بالمعيار نفسه.
والسؤال الحقيقي ليس فقط: لماذا آمنة؟ بل لماذا لا نضع منظومة الإنفاق العام كلها تحت المجهر؟السودان لا يحتاج إلى اقتصاد تشهير، ولا إلى أرقام مبتورة، ولا إلى أحكام انفعالية؛ بل يحتاج إلى اقتصاد ثقة، وبيانات قابلة للتحقق، وحوكمة رشيدة، وكفاءة في تخصيص الموارد، وأمن للمعلومات، ومساءلة عادلة لا تعرف الانتقائية.
لا تحاكموا الأشخاص بالأرقام قبل أن تحاكموا الأرقام بالبيانات.
فالاقتصاد لا يحكم بالأسماء… بل بالسياسات والحوافز والنتائج.