احْكِ يَا تَارِيخُ
رحلة في تاريخ العرب والمسلمين من أمجاد الماضي إلى مسؤولية بناء المستقبل

عباس الماحى
نقطة سطر جديد
احْكِ يَا تَارِيخُ
************
حكاية أمةٍ عرفت الشجاعة، وحملت رسالة، ودافعت عن الأرض والكرامة.
احكِ يا تاريخ…
احكِ عن أمةٍ لم تكن يومًا مجرد صفحة في صفحات الزمن، بل كانت حاضرةً في صناعة التاريخ، تحمل في ذاكرتها قصص البطولة، وفي وجدانها معاني الكرامة، وفي لغتها جمال البيان، وفي تراثها إرثًا عظيمًا من العلم والحضارة.
احكِ عن العرب…
عن قومٍ عرفوا الصحراء، فعرفوا الصبر؛ وعرفوا قسوة الطريق، فعرفوا احتمال المشقة؛ وعرفوا ندرة الماء، فعرفوا قيمة العطاء؛ وعرفوا حياة القبيلة، فعرفوا معنى النصرة والوفاء وحماية الجار وإغاثة الملهوف.
احكِ عن العربي الذي كان يرى في الضيف أمانة، وفي الجار حرمة، وفي المستجير عهدًا، وفي الكلمة مسؤولية، وفي الوفاء شرفًا، وفي الكرامة قيمةً لا تُشترى ولا تُباع.
لقد خرج العربي من بيئةٍ شديدة القسوة؛ فلم تكن الأرض تهبه شيئًا بسهولة، ولم تكن الصحراء ترحم من يضعف أمامها. كانت الشمس قاسية، والليل طويلًا، والمسافات شاسعة، والموارد قليلة؛ ومع ذلك شقّ طريقه، وركب الدواب، وقطع الفيافي، وواجه الصعاب والمجهول، وحمل تجارته ورسائله وثقافته من مكان إلى مكان.
وفي تلك البيئة الصعبة، نشأت خصالٌ أصبحت جزءًا من الصورة التي ارتبطت بالعربي في كتب التاريخ والأدب: الشجاعة، والكرم، والنجدة، والوفاء، والفصاحة، وعفة اللسان، والصبر، والاعتزاز بالكرامة.
ولم تكن الشجاعة عند العربي مجرد اندفاعٍ نحو الخطر، بل كانت استعدادًا لتحمل المسؤولية حين يتراجع الآخرون، وثباتًا عندما تضطرب القلوب، وقدرةً على حماية من يحتاج إلى الحماية.
لكن تاريخ العرب لم يكن كله أمجادًا وانتصارات؛ فقد عرفوا أيضًا الصراع والثأر والتنازع، وعاشوا مراحل من العصبية القبلية والحروب. وكانت تلك التجربة الإنسانية، بكل ما فيها من قوة وضعف، جزءًا من مسيرتهم الطويلة.
ثم جاء الإسلام…
فغيّر وجه التاريخ، وهذّب كثيرًا من تلك الطاقات، ونقلها من العصبية الضيقة إلى أفق أوسع، ومن نصرة القبيلة لمجرد الانتماء إليها إلى نصرة الحق، ومن التفاخر بالنسب إلى التفاضل بالتقوى والعمل، ومن القوة المنفلتة إلى القوة التي يضبطها العدل والمسؤولية.
وهنا بدأت واحدة من أعظم صفحات التاريخ.
احكِ يا تاريخ…
فمن مكة بدأت الحكاية؛ تلك الأرض الطاهرة التي كانت ملتقى العرب، ومهوى أفئدتهم، ومركزًا للتجارة والحج، وفيها وُلد خاتم الأنبياء، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.
جاء برسالة التوحيد، ولم يكن طريقه مفروشًا بالورود، فقد واجه معتقداتٍ راسخة، ومصالحَ قوية، ونظامًا اجتماعيًا واقتصاديًا لم يكن مستعدًا بسهولة للتغيير.
دعا إلى عبادة الله وحده، وإلى العدل والرحمة، ورفع الظلم، وصيانة كرامة الإنسان، وربط الناس برباط الإيمان والأخلاق بدلًا من العصبية والجاه والنسب.
فأوذي هو وأصحابه، وسُخر منهم، وحُوصروا، وعُذب بعضهم، واضطر آخرون إلى الهجرة فرارًا بدينهم.
وهنا ينبغي أن يتعلم أبناؤنا درسًا عظيمًا:
أن الشجاعة ليست ألّا تخاف، وإنما أن تعرف الحق ثم تثبت عليه، حتى عندما يكون ثمن الثبات غاليًا.
لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قائدًا بالسيف وحده، بل كان قائدًا بالصبر والحكمة والرحمة والثبات.
كان قويًا حين تحتاج القوة إلى موقف، ورحيمًا حين تكون الرحمة أبلغ، وحكيمًا حين تحتاج الأمور إلى الحكمة، وعفوًا عند القدرة.
وحين اشتدت المحن، لم يتخلَّ عن أصحابه، ولم يتخلوا عنه.
ثم جاءت الهجرة، وأصبح الإيمان فيها وطنًا…
فكانت صفحة جديدة من التاريخ.
خرج المسلمون من مكة، تاركين وراءهم البيوت والأموال والذكريات، لا لأنهم كرهوا أرضهم، بل لأنهم أرادوا أن يحفظوا دينهم ويبْنوا مجتمعًا جديدًا يستطيعون فيه أن يعيشوا وفق مبادئهم.
وفي المدينة المنورة بدأت مرحلة البناء.
بُني المسجد، ونُظمت العلاقات، وقامت الأخوة والتآخي بين المهاجرين والأنصار، وأصبحت روابط الإيمان والمسؤولية تتجاوز حدود الدم والقبيلة.
وهكذا لم تكن الهجرة هروبًا من الواقع، بل كانت انتقالًا من مرحلة إلى مرحلة، ومن المحنة إلى البناء، ومن الضعف إلى القدرة على صناعة المستقبل.
وهذه أيضًا رسالة لأبنائنا:
ليس المهم فقط أن تعرف كيف تواجه الشدائد، بل أن تعرف ماذا ستفعل بعد أن تتجاوزها.
حين نقرأ السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، لا ينبغي أن نقرأ عن المعارك وحدها، بل ينبغي أن نقرأ عن الإنسان، عن الذين صنعوا التاريخ من الرجال والنساء.
نقرأ عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وعن ثباته وتصديقه وصدقه.
ونقرأ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعن قوة شخصيته وعدله وهيبته.
ونقرأ عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، وعن حيائه وبذله وسخائه.
ونقرأ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعن شجاعته وعلمه وحكمته.
ونقرأ عن خالد بن الوليد رضي الله عنه، الذي أصبح واحدًا من أشهر القادة العسكريين في التاريخ.
ونقرأ عن أجيالٍ متعاقبة من الرجال والنساء الذين حملوا راية العلم والعمل والدعوة والبناء، ودافعوا عن أوطانهم ومجتمعاتهم.
لكن علينا أن نعلّم أبناءنا أن هؤلاء العظماء لم يكونوا عظماء لأنهم قاتلوا فقط.
فالعظمة ليست في امتلاك القوة، وإنما في امتلاك القدرة على ضبطها.
وليست البطولة أن تنتصر على خصمك فحسب، بل أن تنتصر على خوفك وغضبك وضعفك.
وليست الرجولة في رفع الصوت، وإنما في ثبات الموقف.
وليست القوة في البطش، وإنما في أن تستطيع أن تظلم فلا تظلم، وأن تستطيع أن تنتقم فتختار العفو، وأن تستطيع أن تأخذ حقك فتأخذ منه ما يقره العدل.
احكِ يا تاريخ…
فالعرب والمسلمون لم يصنعوا تاريخهم في ميادين القتال وحدها.
لقد صنعوا حضارةً كان فيها القلم إلى جانب السيف، والعقل إلى جانب الشجاعة، والعلم إلى جانب القوة.
كان عظماؤنا علماء وقضاة وأطباء وفلكيين ومبتكرين ورياضيين ومهندسين ومترجمين وفلاسفة وشعراء وتجارًا وقادة.
وازدهرت مدن عظيمة مثل بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة، وأصبحت مراكز للعلم والثقافة والتجارة.
وفي ميادين المعرفة برز علماء تركوا آثارًا تجاوزت حدود زمانهم ومكانهم؛ مثل الخوارزمي، وابن الهيثم، وابن النفيس، وغيرهم من العلماء الذين أسهموا في تطور الرياضيات والفلك والطب والبصريات وغيرها من العلوم.
وفي الأندلس ازدهرت حضارة عظيمة تركت أثرًا بارزًا في التاريخ الأوروبي والعالمي، وفي المشرق الإسلامي برز قادة وعلماء ومصلحون تركوا بصماتهم في صفحات التاريخ، ومن بينهم صلاح الدين الأيوبي، الذي أصبح رمزًا للقيادة والتحرير والدفاع عن القدس.
وهنا يجب أن نعلّم أبناءنا:
أن تاريخنا ليس سيفًا فقط، بل قلم أيضًا.
وليس بطولةً في الميدان وحده، بل بطولة في المدرسة والمختبر والمكتبة ومكان العمل.
فالأمم لا تبقى بالقوة وحدها.
إنما تبقى بالعلم، والأخلاق، والمؤسسات، والعمل، والقدرة على صناعة المستقبل.
ثم جاءت عصورٌ قاسية.
تقدمت القوى الاستعمارية إلى أجزاء واسعة من العالم العربي، وتغيرت خرائط، واحتُلت أوطان، وفُرضت أنظمة أجنبية، واستُنزفت ثروات، وواجهت الشعوب العربية تلك التحولات بمقاوماتٍ وحركاتٍ وطنية متعددة.
ومن المغرب العربي إلى بلاد الشام والعراق ومصر والسودان وليبيا واليمن وغيرها، ظهر رجال ونساء رفضوا أن يكون وطنهم بلا إرادة.
نتذكر محمد أحمد المهدي قائد الثورة المهدية، وإسماعيل الأزهرى ورفاقه في السودان، ونتذكر عمر المختار، الذي أصبح رمزًا للمقاومة الليبية ضد الاحتلال الإيطالي.
ونتذكر رجال المقاومة والمناضلين في الجزائر والمغرب وسوريا وفلسطين ومصر وغيرها من البلاد العربية.
وفي الجزائر، بلد المليون شهيد، دفعت الثورة الجزائرية ثمنًا باهظًا من الأرواح والتضحيات حتى تحقق الاستقلال، وبقيت في الذاكرة العربية والإنسانية مثالًا على إصرار الشعوب على التحرر.
وفي فلسطين، ظلت قضية الأرض والحرية حاضرةً في وجدان أجيال عربية متعاقبة، بما حملته من مآسٍ وتضحيات وآمال.
وفي كل هذه الصفحات نجد درسًا يتكرر:
قد تُهزم الشعوب في معركة، وقد تمر عليها سنواتٌ من الضعف، لكنها لا تُهزم ما دامت إرادتها حية، وما دام في أبنائها من يؤمن بالحرية والكرامة والحق في صناعة المستقبل.
ولكن يا أبنائي… لا تجعلوا التاريخ بابًا للكراهية.
وهنا يجب أن نتوقف.
حين نحكي لأبنائنا عن شجاعة العرب، لا نريد أن نربيهم على كراهية الأمم.
ولا نريد أن نجعلهم أسرى للماضي.
ولا نريد أن نزرع في نفوسهم وهم التفوق لمجرد الانتماء.
بل نريد أن نعلّمهم أن الإنسان يُقاس بأخلاقه وعطائه وعمله، وأن الأمم تُحترم بإنجازاتها وعدالتها وإسهامها في الحضارة.
نحترم الشعوب.
ونقرأ التاريخ بعقل.
نفهم أخطاء الماضي كما نفهم انتصاراته.
نعرف أن الاستعمار ظلم حين يسلب شعبًا إرادته وحقوقه، وأن الحرية والكرامة حقان عظيمان، وأن العدل لا يتجزأ.
ونعلّم أبناءنا أن أقوى انتصار ليس أن تهزم غيرك، بل أن تبني وطنًا قويًا، متعلمًا، منتجًا، عادلًا، قادرًا على حماية قراره وصناعة مستقبله.
والوطن القوي لا يعيش على أمجاد الماضي، وإنما يحوّل أمجاد الماضي إلى طاقةٍ لصناعة المستقبل.
وحتى الدول التي أصابها الدمار، وعصفت بها الحروب، وأثقلتها المحن، ليست محكومةً بأن تبقى أسيرةً لركامها.
فكم من وطنٍ ظن الناس أن جراحه لن تندمل، فإذا بأبنائه ينهضون من بين الركام، ويعيدون بناء البيوت والمدارس والمستشفيات والمصانع والطرق، ويزرعون الأرض من جديد، ويصنعون من الألم أملًا، ومن المحنة بدايةً جديدة.
فالأوطان لا يعمرها الحنين وحده، ولا تبنيها الشعارات، وإنما تعمرها سواعد أبنائها، وعقول علمائها، وأيدي عمالها، وأمانة مسؤوليها، وإرادة شبابها.
وقد تُهدم المدن، لكن لا تُهدم إرادة الشعوب.
وقد تتراجع الأمم، لكن يمكنها أن تنهض.
وقد تضيع سنوات، لكن يمكن للأجيال أن تستعيد طريقها.
فالدول التي عرفت الدمار والمحن تستطيع أن تعود إلى العمران، إذا امتلك أبناؤها الإرادة والعلم والعمل، وإذا جعلوا المصالحة والبناء والتعليم والإنتاج طريقًا إلى المستقبل.
احكِ يا تاريخ عن الرجال.
قل لهم يا تاريخ:
إن الرجال ليسوا برفع الشعارات وكثرة الكلام.
الرجل هو الذي يقف عندما يتطلب الموقف وقوفًا.
وهو الذي يحفظ العهد والأمانة.
وهو الذي يقول الحق ولو كان صعبًا.
وهو الذي يحمي الضعيف ولا يستقوي عليه.
وهو الذي يبر والديه، ويحترم جاره، ويصون وطنه.
وهو الذي إذا حمل سلاحًا عرف أن القوة مسؤولية.
وإذا حمل قلمًا عرف أن الكلمة مسؤولية.
وإذا جلس على كرسي قيادة عرف أن السلطة أمانة وتكليف، وليست تشريفًا ولا غنيمة.
قل لهم عن محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم؛ عن صبره عندما أوذي، وعن رحمته عندما قدر، وعن ثباته حين اشتدت المحن.
وقل لهم عن الصحابة الذين تركوا المال والديار من أجل عقيدتهم.
وقل لهم عن العلماء الذين أفنوا أعمارهم في طلب المعرفة.
وقل لهم عن المقاومين والمناضلين الذين دفعوا أثمانًا باهظة من أجل أوطانهم وحريتهم.
وقل لهم إن التاريخ لا يصنعه المتفرجون.
التاريخ يصنعه الذين يعملون.
يا أبناءنا…
أنتم الحلقة الجديدة في هذه السلسلة الطويلة.
أنتم الصفحة التي لم تُكتب بعد.
فلا يكفي أن تعرفوا أسماء الأبطال، بل تعلّموا من أخلاقهم.
ولا يكفي أن تحفظوا تواريخ المعارك، بل افهموا أسبابها ونتائجها.
ولا يكفي أن تفخروا بأن أجدادكم صنعوا حضارة، بل اسألوا أنفسكم:
ماذا سنصنع نحن؟
إن كان أجدادنا قد واجهوا صعوبة الصحراء، فواجهوا أنتم صعوبة العلم.
وإن كان بعضهم قد حمى وطنه بسلاحه، فاحموا أنتم أوطانكم بعلمكم وأمانتكم وعملكم.
وإن كان السابقون قد قطعوا الصحارى والبحار طلبًا للرزق والمعرفة، فاقطعوا أنتم مسافات الجهل والكسل.
اجعلوا الكتاب صديقًا، واجعلوا العلم طريقًا، واجعلوا العمل عادة، واجعلوا الأمانة خلقًا، واجعلوا الوطن مسؤولية.
فالوطن لا يحميه الماضي وحده؛ يحميه جيلٌ يعرف الماضي ويتعلم منه، ويعمل في الحاضر، ويصنع المستقبل.
احكِ يا تاريخ… فما زالت الحكاية مستمرة.
احكِ يا تاريخ…
احكِ عن مكة التي شهدت بداية الرسالة، وعن المدينة التي احتضنت الدولة الأولى.
احكِ عن رجالٍ ونساءٍ حملوا الإيمان والصبر والتضحية.
احكِ عن المكتبات والمدارس والمراصد والمستشفيات، وعن حضاراتٍ كانت في زمنها مناراتٍ للعلم والمعرفة.
احكِ عن أبطال المقاومة الذين رفضوا أن تنحني أوطانهم.
احكِ عن شعوب دفعت الدم والدموع في سبيل الحرية.
لكن…
لا تتوقف عند الأمس.
قل لأبنائنا إن أعظم صفحات التاريخ لم تُكتب بعد.
قل لهم إن المستقبل ينتظر أقلامهم وعقولهم وسواعدهم.
فقد يكون بينهم عالمٌ يكتشف علاجًا جديدًا.
وقد يكون بينهم مهندسٌ يبني مدينةً تُدهش العالم.
وقد يكون بينهم طبيبٌ ينقذ حياة إنسان.
وقد يكون بينهم معلمٌ يربي جيلًا كاملًا.
وقد يكون بينهم باحثٌ يفتح بابًا جديدًا من أبواب المعرفة.
وقد يكون بينهم جنديٌ يحمي وطنه بشرف.
وقد يكون بينهم قائدٌ يضع الأمانة فوق المصلحة.
وقد يكون بينهم شابٌ يرفع اسم بلاده بالعلم والعمل والإبداع.
وقل لهم:
إن البطولة ليست حكايةً انتهت.
البطولة أخلاق تبدأ من الإنسان.
والشجاعة ليست أن تبحث عن الخلاف والحرب، بل أن تكون قويًا في الحق، رحيمًا عند القدرة، ثابتًا عند الشدة، أمينًا عند المسؤولية.
والآن… اكتبوا أنتم التاريخ
فيا أبناء العرب…
اقرؤوا تاريخكم، ولكن لا تعيشوا فيه.
احترموا أجدادكم، ولكن لا تجعلوا أمجادهم بديلًا عن أمجادكم.
افخروا بما صنع السابقون، ولكن اجعلوا فخركم فيما ستصنعونه أنتم.
تعلموا من رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبر والرحمة والثبات.
وتعلموا من الصحابة التضحية والبذل والصدق.
وتعلموا من العلماء حب المعرفة، ومن المصلحين شجاعة الكلمة، ومن المقاومين حب الوطن والحرية.
ثم ارفعوا رؤوسكم… وافتحوا كتبكم… وأمسكوا بأقلامكم… وابدؤوا العمل.
لا تنتظروا أن يأتي التاريخ إليكم.
اذهبوا أنتم إليه.
لا تنتظروا أن يذكر الناس أمجادكم.
اصنعوا ما يستحق أن يُذكر.
لا تقولوا: ماذا فعل أجدادنا؟
بل قولوا:
ماذا سنفعل نحن؟
فليس الرجل من يقول: كان أبي أو كان جدي، وإنما الرجل من يقول:
ها أنذا.
فإن كان أجدادنا قد قطعوا الصحارى، فأنتم اقطعوا طريق الجهل.
وإن كانوا قد بنوا المدن، فابنوا المعرفة.
وإن كانوا قد حملوا الرايات، فاحملوا راية العلم.
وإن كانوا قد دافعوا عن الأرض، فدافعوا عن مستقبلها.
وإن كانوا قد تركوا لنا حضارةً نعتز بها، فاتركوا أنتم لمن يأتي بعدكم حضارةً يعتز بها.
وإن كانت المحن قد هدمت في بعض أوطاننا بيوتًا ومدنًا ومؤسسات، فلتكن أيدي أبنائها هي التي تعيد بناءها.
ابنوا ما تهدم.
وأصلحوا ما فسد.
وعمّروا ما خرب.
وازرعوا حيث اقتلعت الحروب.
وعلّموا حيث انتشر الجهل.
واصنعوا حيث توقفت المصانع.
فالأوطان التي ذاقت مرارة الدمار قادرة على أن تتذوق حلاوة العمران، متى نهض أبناؤها، واجتمعت إرادتهم، واستثمروا في العلم والعمل، وجعلوا مستقبل أبنائهم فوق خلافاتهم.
واعلموا أن الأمة التي لا تعرف تاريخها تتيه في حاضرها، والأمة التي تعيش على تاريخها فقط تتأخر عن مستقبلها.
أما الأمة العظيمة حقًا…
فهي التي تجعل من تاريخها جذورًا، ومن حاضرها عملًا، ومن مستقبلها حلمًا يتحول إلى حقيقة.
فيا أبناء العرب…
هذه أرضكم، وهذه لغتكم، وهذا تاريخكم، وهذه أمانتكم.
فلا تجعلوا تاريخ أجدادكم كتابًا مغلقًا على رفوف الماضي، بل اجعلوه شعلةً تهدي خطواتكم.
وإذا جاء يومٌ، بعد أعوامٍ طويلة، ووقف جيلٌ جديد يسأل التاريخ:
احكِ يا تاريخ… كيف كان رجالنا؟
فليجب التاريخ بفخر:
كانوا يعرفون من أين جاؤوا…
لكنهم لم يعيشوا أسرى لما كان.
عرفوا تاريخهم، فتعلموا منه.
وعرفوا حاضرهم، فعملوا فيه.
وعرفوا مستقبلهم، فصنعوه.
وكانوا حين ورثوا المجد، لم يكتفوا بأن يتغنوا به…
بل حملوا الأمانة، وأضافوا إليه مجدًا جديدًا.
وحين سُئلوا:
ماذا تركتم لمن بعدكم؟
لم يقولوا:
تركنا لهم حكاياتٍ عن أجدادنا…
بل قالوا:
تركنا لهم وطنًا أقوى، وعلمًا أوسع، وأخلاقًا أرفع، ومستقبلًا يليق بهم.
وهنا، يا تاريخ…
لا تقل إن الحكاية انتهت.
قل:
إن الحكاية بدأت من جديد.
فالأمس كان لنا…
والغد أمانةٌ بين أيدينا…
والتاريخ ينتظر أن نكتب نحن صفحته القادمة.
لمتابعة أحدث الأخبار والتقارير الحصرية والتحليلات المعمّقة تابعونا على صفحتنا الرسمية على فيسبوك
تابع آخر المستجدات والأخبار العاجلة عبر قناة بصيرتي برس على واتساب