الرأي والمقالات

إذا عرف السبب بطل العجب

حكمة أسرية وأدب الاختلاف بين الآباء والأبناء

عباس الماحى
نقطة سطر جديد
إذا عرف السبب بطل العجب
***********************

«ليس كل ما نراه يستحق أن نحكم عليه من ظاهره؛ فكثيرٌ من المواقف التي تُدهشنا تخفي وراءها أسبابًا لو عرفناها، لتغيّر حكمنا، وسقط عجبنا، وربما اعتذرنا لمن أسأنا فهمه.»

«إذا عُرِف السبب بَطَل العَجَب» مثلٌ عربي شائع، يُقال عندما يبدو لنا أمرٌ غريب أو تصرّفٌ غير مفهوم، ثم نكتشف السبب الذي يقف وراءه، فتزول دهشتنا، ويصبح الأمر أكثر وضوحًا وفهمًا.

فالإنسان بطبيعته قد يستغرب ما يجهله، ويحكم على الأشياء من ظاهرها، فإذا عرف خلفياتها وأسبابها تبدّل حكمه عليها. وقد يبدو الفعل في ظاهره عجيبًا أو غير مبرر، لكن معرفة الظروف التي أحاطت به تكشف لنا أن وراءه سببًا قد يكون خفيًّا علينا.

وهنا تكمن قيمة هذه الحكمة؛ فهي لا تعلّمنا فقط كيف نفهم المواقف، وإنما تعلّمنا كيف نتعامل مع الناس والحياة بقدر أكبر من التأنّي والإنصاف… فكثيرًا ما يكون حكمنا سريعًا لأن معلوماتنا ناقصة، وكثيرًا ما نغضب من موقف لم نفهم خلفياته، ونلوم شخصًا لم نعرف ما الذي دفعه إلى ما فعل.

ولذلك فإن التريث قبل إصدار الأحكام ليس ضعفًا، بل حكمة، وليس ترددًا، بل إنصاف. فقد ترى إنسانًا صامتًا فتظنه متكبرًا، ثم تكتشف أنه مهموم. وقد ترى شخصًا يرفض أمرًا فتظنه عنيدًا، ثم تعرف أنه يعلم أمورًا لا تعرفها. وقد ترى شخصًا يبتعد عنك فتظنه متجاهلًا، ثم تكتشف أنه يمر بظرفٍ قاسٍ لا يستطيع الحديث عنه.

فالظاهر ليس دائمًا هو الحقيقة، وما نراه من الموقف قد يكون جزءًا صغيرًا من قصة طويلة لا نعرف منها إلا آخر سطر.

وهذا المعنى لا يقتصر على تصرفات الناس، بل نجده في كثير من جوانب الحياة. فكثير من الأحداث تبدو لنا غامضة أو غير عادلة أو غير متوقعة، ثم مع مرور الوقت تظهر أسبابها وملابساتها، فنفهم لماذا حدثت على ذلك النحو.

وفي حياتنا اليومية أمثلة كثيرة على ذلك؛ فقد نستغرب من تصرفات بعض الأشخاص، ثم يتضح لنا أنهم يمرون بظروف صعبة. وقد نتعجب من شخص اتخذ قرارًا لا نفهمه، ثم نكتشف أنه كان يعرف من المعلومات ما لم نكن نعرفه. وربما نستغرب نتيجة حدث معين، ثم تظهر لنا تفاصيل لم تكن ظاهرة في البداية، فنقول: إذا عُرِف السبب بَطَل العَجَب.

لكن من المؤسف أن بعض ما نراه اليوم من مواقف داخل الأسرة يجعلنا نتساءل: هل تغيّرت النفوس، أم تغيّر الزمان؟

فقد يكون الأب أحيانًا حريصًا على مصلحة ابنه، فيُدلي برأي أو يتخذ قرارًا يراه أصلح له، مستندًا إلى خبرته وتجربته وخوفه عليه، فإذا بالابن يقابل ذلك بالندّ للندّ، وكأن الأمر خصومة بين متخاصمين، لا نصيحة أبٍ لابنه.

والأشد إيلامًا أن يصل الأمر أحيانًا إلى أن يستقوي الابن بأمه في مواجهة أبيه، فيتحول البيت من موطن للسكن والمودة إلى ساحة للشد والجذب والانتصار لطرف على طرف، وقد تتسع دائرة الخلاف حتى تؤدي إلى القطيعة والفراق، وتترك في النفوس جروحًا قد يصعب التئامها.

وهنا يُطرح سؤال مؤلم:
أين ذهب كل ذلك التعب؟
أين ذهبت سنوات الأب التي قضاها في رعاية ابنه، والإنفاق عليه، والسهر من أجله، وتحمل مشاق الحياة حتى كبر واشتد عوده وأصبح رجلًا؟
كيف يمكن أن تُنسى تلك السنين كلها أمام موقف أو خلاف أو قرار لم يوافق هوى الابن؟

إن الأب الذي حمل ابنه صغيرًا، وسهر على مرضه، وفرح بنجاحه، وتحمل من أجله مشاق الحياة، لم يكن يبحث عن مقابل لكل ذلك. كان يرى في ابنه امتدادًا لقلبه، وكان يتمنى أن يراه أفضل منه، وأسعد منه، وأكثر نجاحًا منه.

ومن المؤلم أن تتحول هذه العلاقة العميقة، بسبب خلاف عابر أو سوء فهم، إلى علاقة يسودها التحدي والعناد وكأن الأب والابن خصمان في معركة يجب أن ينتصر فيها أحدهما.

وليس المقصود أن الأب معصوم من الخطأ، ولا أن كل رأي يصدر عنه يجب أن يكون صائبًا؛ فالأب بشر يخطئ ويصيب، وقد يحتاج هو أيضًا إلى من يناقشه وينصحه. ولكن الفرق كبير بين النقاش بأدب واحترام وبين مقابلة الأب بالعناد والتحدي ورفع الصوت، ثم تحويل الخلاف إلى معركة يكون فيها الابن في مواجهة أبيه.

فالاختلاف في الرأي لا يعني سقوط الاحترام، ورفض رأي الأب لا يعني رفض الأب نفسه.

وقد جعل الله تعالى بر الوالدين والإحسان إليهما من أعظم القربات،
فقال سبحانه وتعالى:
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.

وليس من البر أن يوافق الإنسان والديه في كل شيء، ولكن من البر أن يختلف معهما بأدب، وأن يحفظ لهما مكانتهما، وأن يتذكر فضلهما، وألا يجعل خلافًا في أمور الدنيا سببًا في عقوق أو قطيعة أو هدم أسرة.

والأم كذلك ليست مطالبة بأن تكون طرفًا في صراع بين الأب وابنه، بل الأولى أن تكون جسرًا يصلح ذات البين، وأن تهدئ النفوس، وأن تذكّر الابن بحق أبيه، وتذكّر الأب بمشاعر ابنه، حتى تبقى الأسرة بيتًا يجمع ولا يفرّق.

فما أجمل أن تكون الأم حكيمة حين يحتدم الخلاف، فلا تزيد النار اشتعالًا، ولا تجعل نفسها سلاحًا في يد طرف ضد طرف، وإنما تسعى إلى إطفاء الغضب، وردّ القلوب إلى بعضها، وتذكير الجميع بأن الأسرة أكبر من خلاف عابر.

إن المشكلة الحقيقية ليست دائمًا في اختلاف الرأي، وإنما في طريقة الاختلاف.

فقد يختلف أب وابنه ويبقى بينهما الحب والاحترام، وقد يتفق اثنان لكن قلبيهما مليئان بالجفاء. ولذلك فإن الحكمة ليست في أن ينتصر أحد على الآخر، وإنما في أن تنتصر الأسرة على الخلاف.

وما أحوجنا في هذا الزمان إلى أن نعيد للوالدين مكانتهما، وأن نعلّم أبناءنا أن الرجولة ليست في رفع الصوت على الأب، ولا في الوقوف في وجهه، ولا في الاستقواء بأحد عليه، وإنما الرجولة في ضبط النفس، وحسن الحوار، وحفظ الجميل، وردّ المعروف بالمعروف، وأن يقول الابن لأبيه بأدب واحترام:
«سمعًا وطاعة يا أبي، وإن كان لي رأي آخر فسأعرضه عليك بكل احترام.»

فمثل هذه الكلمات لا تُنقص من الابن شيئًا، بل تزيده نضجًا ورجولة، وتحفظ للأب مكانته، وتفتح باب الحوار بدلًا من فتح باب الخصام.

إنها ليست دعوة إلى طاعة عمياء، وإنما دعوة إلى أدب الاختلاف وبر الوالدين.

فالابن يستطيع أن يقول لأبيه: «أختلف معك»، دون أن يقول له بلسان حاله: «لا شأن لك بي».

ويستطيع أن يرفض رأيًا دون أن يرفض أباه، وأن يناقش قرارًا دون أن يهدم مقام والده، وأن يطلب الاستقلال في حياته دون أن يحوّل استقلاله إلى قطيعة.

ولعل من أكثر ما يؤلم في زمننا أن بعض الأبناء لا يتذكرون آباءهم إلا عندما يحتاجون إليهم، ثم إذا كبروا واستغنوا، أصبح الأب في نظرهم رجلًا قديم التفكير، لا يفقه في الحياة شيئًا، وكأن السنوات التي عاشها، والتجارب التي مر بها، والتضحيات التي قدمها، لا قيمة لها.

نعم، قد تختلف الأجيال، وتتغير الظروف، وتتبدل وسائل الحياة، وقد لا يفهم الأب كل ما يعيشه أبناؤه، كما أن الأبناء قد لا يدركون كل ما مر به آباؤهم.

لكن اختلاف الزمن لا يلغي فضل الوالدين، وتغير الحياة لا يمحو الجميل.

فالأب الذي عاش عشرات السنين قبل ابنه، وواجه من تقلبات الحياة ما لم يواجهه الابن، قد تكون لديه رؤية لا يدرك الابن قيمتها إلا بعد سنوات.

إنه حقًا زمانٌ أغبر، حين يصبح الأب الذي أفنى عمره ليصنع من ابنه رجلًا، مضطرًا إلى أن يثبت لهذا الرجل أنه ما زال أباه!

ومع ذلك، تبقى الحكمة حاضرة:
لا تحكم على موقف قبل أن تعرف سببه، ولا تهدم علاقة بسبب لحظة غضب، ولا تجعل اختلاف الرأي سببًا في قطيعة الرحم.

فكم من خلاف بدأ بكلمة، ثم انتهى بسنوات من الجفاء، وكم من كلمة اعتذار كان يمكن أن تنقذ بيتًا وأسرة وعلاقة عمرها عقود.

إن «إذا عُرِف السبب بَطَل العَجَب» ليست مجرد حكمة تقال عند استغراب موقف، بل هي درس في الحياة كلها:
تأنَّ قبل أن تحكم، وافهم قبل أن تغضب، واسأل قبل أن تقاطع، وتذكّر قبل أن تنكر.

فكم من إنسان ظلمناه بحكم سريع، وكم من موقف أسأنا فهمه، وكم من كلمة قلناها في لحظة غضب تمنينا بعدها لو أننا لم نقلها.

وتذكّروا دائمًا أن الآباء لن يبقوا معنا إلى الأبد.

سيأتي يوم قد يبحث فيه الإنسان عن صوت أبيه فلا يسمعه، وعن نصيحته فلا يجدها، وعن يده التي طالما امتدت إليه فلا يجدها.

وعندها قد لا ينفع الندم، ولا تنفع كلمة «ليتني»، ولا تعود الأيام التي ضاعت في الخصام.

فلا تجعلوا خلافًا عابرًا يمحو عمرًا من المحبة، ولا تجعلوا رأيًا مختلفًا يهدم علاقة خلقها الله وأوصى بحفظها.

فالأب قد يخطئ في قراره، لكنه غالبًا لا يخطئ في خوفه على ابنه، والابن قد يكبر ويصبح رجلًا، لكنه لا يكبر أبدًا عن حاجته إلى دعاء أبيه ورضاه.

وما أقسى أن نكتشف بعد فوات الأوان أن الشخص الذي كنا نحاول الانتصار عليه، كان هو نفسه الشخص الذي أمضى عمره كله يحاول أن يجعلنا ننتصر.

فاحفظوا آباءكم ما داموا بينكم، وبرّوهم قبل أن تصبح البركة ذكرى، والندم رفيقًا، والصمت جوابًا لا ينفع.

ولا تنتظروا يومًا يصبح فيه الاعتذار بلا جدوى، ولا يومًا تبحثون فيه عن فرصة أخرى للحوار فلا تجدونها.

فالعلاقات لا تهدمها الخلافات وحدها، وإنما يهدمها العناد، ويقتلها سوء الفهم، وتُنهيها كلمة قيلت في لحظة غضب ولم تجد من يملك شجاعة الاعتذار.

ولذلك، إذا اختلفتم، فتذكّروا الأصل قبل الخلاف، وتذكّروا المحبة قبل الغضب، وتذكّروا السنوات قبل الموقف، وتذكّروا أن من أمامكم ليس مجرد خصم في نقاش، بل أبٌ أو أمٌ أو أخٌ أو ابنٌ أو إنسانٌ جمعكم به عمر من الذكريات.

ولعل أجمل ما في هذه الحكمة أنها لا تعلمنا فقط أن نبحث عن سبب ما يدهشنا، بل تعلمنا أن نكون أكثر رحمة بالناس، وأقل استعجالًا في الحكم عليهم.

فقد يكون وراء الصمت وجع، ووراء القسوة خوف، ووراء الرفض مصلحة، ووراء الابتعاد عتاب، ووراء القرار الذي لا نفهمه أسباب كثيرة لا نعرف عنها شيئًا.

فلا تحكم على قصة لم تقرأ إلا سطرها الأخير.

ذلك هو المعنى الأعمق للحكمة:
“إذا عُرِف السبب بَطَل العَجَب”.

أما العجب الحقيقي، فليس أن نجهل أسباب الناس، وإنما أن نعرف قيمتهم بعد فوات الأوان.

وما أقسى أن نعرف قيمة من أحبنا وضحّى من أجلنا، بعد أن يصبح بيننا وبينه التراب.

لمتابعة أحدث الأخبار والتقارير الحصرية والتحليلات المعمّقة تابعونا على صفحتنا الرسمية على فيسبوك

تابع آخر المستجدات والأخبار العاجلة عبر قناة بصيرتي برس على واتساب 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى