عباس الماحى
نقطة سطر جديد
سفير المحبة
***********
هناك أناسٌ حين يمرّون في حياتنا، نشعر أن شيئًا في أرواحنا قد تغيّر. يأتون كنسمةٍ باردةٍ في يومٍ قائظ، وكغيمةٍ تمضي فوق أرضٍ عطشى، وكضوءٍ صغيرٍ يظهر في آخر ممرٍّ طويل، فيخبر القلب أن العتمة ليست قدرًا أبديًا.
لا يحتاجون إلى رفع أصواتهم كي يُسمعوا، ولا إلى إعلان حضورهم كي يُعرفوا؛ يكفي أن يجلسوا إلى جوارك، حتى تشعر أن العالم أصبح أكثر هدوءًا، وأن الطريق، مهما طال، ما زال يحتفظ ببعض الرفقة الجميلة.
هؤلاء هم سفراء المحبة ..
هم الذين يحملون في ٠أرواحهم رسالةً لا تُكتب بالحبر، بل بالمواقف، وتُقرأ في العيون، وتترجمها الأفعال… يمشون بين الناس بقلوبٍ مفتوحة، لا يسألون عمّن يستحق محبتهم، بل يبحثون عمّن يحتاج إليها. يزرعون الطمأنينة حيث يسكن الخوف، ويضعون الأمل حيث أقامت الحسرة، ويتركون في النفوس شيئًا من نورهم، حتى بعد أن يغادروا المكان.
سفير المحبة لا يحمل وردةً في يده؛ إنه يحمل حديقةً في قلبه.
والمحبة في أصل معناها ميل القلب والنفس إلى ما تراه خيرًا، وإرادةٌ تسكن الوجدان، وتدفع الإنسان إلى الوصل والقرب والعطاء … لكنها في معناها الأعمق ليست كلمةً ننطق بها، ولا عاطفةً تزور القلب ثم ترحل؛ إنها خُلُقٌ أصيل يستقر في الروح، ويظهر في المواقف.
فالمودة الصادقة لا تحتاج إلى كثيرٍ من الكلام؛ يكفي أن ترى أثرها في عينٍ اطمأنت، وقلبٍ لم يعد يخشى الخذلان، وروحٍ وجدت في حضورك متّسعًا للحياة.
وأصدق المحبة ليست ما تقوله الشفاه، بل ما تشعر به القلوب حين تكون بقربك.
ومن هنا يأتي سفير المحبة؛ ذلك الإنسان الذي لا يحمل المودة شعارًا، بل يجعلها رسالةً وسلوكًا وأخلاقًا. يمشي بين الناس وقلبه يسبق خطاه، فيزرع الود، وينثر البسمة حيثما حلّ وارتحل، ويترك خلفه أثرًا يشبه الضوء؛ لا يُمسك باليد، لكنه يجعل الطريق أكثر وضوحًا.
سفير المحبة ليس سفيرًا للكلمات الجميلة فحسب، بل للمعاني التي تقف خلفها. يعرف أن المحبة احترامٌ قبل أن تكون إعجابًا، واحتواءٌ قبل أن تكون امتلاكًا، ووفاءٌ قبل أن تكون وعدًا.
يعرف كيف يقرّب القلوب دون أن يقتحمها، وكيف يمنح دون أن يمنّ، وكيف يختلف دون أن يجرح، وكيف يغيب دون أن يجعل غيابه عقوبة؛ بل يترك وراءه شوقًا جميلًا وذكرى طيبة.
بعض البشر حضورهم طمأنينة، وبعضهم غيابهم فراغ، أما سفير المحبة فحضوره أمان، وغيابه شوق.
هو إنسان يرى في الآخر إنسانًا قبل أن يراه موقفًا أو مصلحةً أو اختلافًا. يرى ضعفه قبل أن يحكم عليه، ووجعه قبل أن ينتقده، وظروفه قبل أن يصدر حكمه.
إنه سفير لا يمثل نفسه، بل يجسد أجمل ما في الإنسانية: الرحمة، والصدق، والوفاء، والتسامح، والعطاء، وحسن الظن، ونبل المشاعر.
ولعل أجمل ما فيه أنه لا يكتفي بأن يكون محبوبًا، بل يسعى لأن يجعل الآخرين يشعرون بأنهم محبوبون.
وهذه رسالة عظيمة: أن تكون في حياة إنسان سببًا في أن يستعيد ثقته بنفسه، أو يبتسم بعد حزن، أو يطمئن بعد خوف، أو يشعر بأن الدنيا، رغم قسوتها، ما زالت تحمل خيرًا، وأن فيها أناسًا يزرعون المحبة والسكينة في طريق الآخرين.
أجمل ما تمنحه للإنسان أن تجعله يشعر بأنه يستحق أن يُحب.
والمحبة الصادقة لا تلغي الاختلاف، ولا تعني أن نتفق دائمًا؛ بل أن يبقى الود حاضرًا حتى حين تختلف الرؤى. فالقلب المحب لا يبحث عن انتصاره على الآخرين، وإنما عن انتصار الخير بينهم.
وسفير المحبة يعرف أن أجمل ما يمكن أن يمنحه للناس ليس المال ولا الكلمات المنمقة، بل شعورًا بأنهم جديرون بالاهتمام، وأن وجودهم له قيمة، وأنهم ليسوا وحدهم في هذا العالم.
يحترم الكبير، ويرفق بالصغير، ويحنو على الضعيف، ويمنح الجميع شيئًا من لطفه. يصغي حين يتحدث الآخرون، لا ليجهز ردّه، بل ليفهم ما وراء الكلمات. ويواسي لا ليكثر من الكلام، وإنما ليخفف الألم ويجعل حمله أقل ثقلًا.
ينصح دون تعالٍ، ويعتذر حين يخطئ، لأن كبرياءه لا يكون أكبر من محبته. ويغفر حين يستطيع، لأن قلبه لا يحب أن يسكنه الغضب طويلًا. ويختار العفو لا ضعفًا، بل لأنه يعرف أن بعض الانتصارات لا تستحق أن نخسر من أجلها سلام أرواحنا.
فالقلب الذي امتلأ بالمحبة لا يجد متسعًا طويلًا للكراهية.
وفي الحياة، قد يكون سفير المحبة أبًا يحتضن أبناءه، أو أمًا تجعل من الدعاء لغةً لا تنقطع، أو صديقًا يعرف متى يتحدث، ومتى يكفي أن يجلس إلى جوارك ليمنحك دعمه.
وقد يكون شريك حياة يجعل الحب وطنًا لا سجنًا؛ فيمنح من يحب المودة والاحترام والثقة، ويدرك أن أجمل العلاقات ليست تلك التي يتملك فيها أحدنا الآخر، بل تلك التي يختار فيها كل طرف الآخر، بكامل إرادته ورضاه.
وسفير المحبة في علاقته بمن يحب لا يكتفي بأن يقول: «أنا أحبك»، بل يجعل هذه العبارة تُرى في أفعاله.
تُرى في خوفه الجميل عليك؛ لا خوف التملك، بل خوف من يحب أن يصيب من يحب مكروه. وتظهر في اهتمامه بالتفاصيل الصغيرة التي قد ينساها الجميع، وفي كلمةٍ تأتي في وقتها، ويدٍ تمتد حين تضيق الحياة، وابتسامةٍ صادقة في وجهك.
فالمحبة لا تنتظر المناسبات الكبيرة لتظهر؛ إنها تسكن في بعض التفاصيل: في كوب قهوة يُعدّ بحب، ورسالة اطمئنان، وسؤالٍ صادق عن الحال، وانتظارٍ لا يضجر، وعينين تقولان ما تعجز اللغة عن قوله.
الحب يسكن التفاصيل الصغيرة التي لا يراها إلا قلبٌ محب.
لكن رسالة سفير المحبة لا تضيق بدائرة من يحبهم فقط؛ فالمحبة، حين تصدق، تتسع حتى تشمل الإنسان والحياة.
لا يسخر من جرح أحد، ولا يستغل ضعف إنسان، ولا يجعل أسرار الآخرين مادةً للحديث… يعرف أن الكلمة قد تكون بلسمًا، وقد تكون جرحًا لا يندمل؛ لذلك يختار عباراته كما يختار المرء هديةً لمن يحب.
ومن أسمى صفاته أنه أمينٌ على القلوب.
فليس كل من أحببناه يحق لنا أن نؤذيه باسم الحب، وليس كل قربٍ يبيح لنا تجاوز الحدود… فالمحبة الناضجة تعرف أن للآخر مساحةً وخصوصيةً وكرامة.
ولهذا لا يقترب ليملك، ولا يحب ليحاصر، ولا يعطي ليطالب بالمقابل. يحب بحرية، ويحترم بحرية، ويترك للقلوب حقها في أن تختار.
فالمحبة التي تحتاج إلى قيدٍ كي تبقى ليست محبةً كاملة؛ والحب الناضج يمنح الأجنحة، ولا يصنع الأقفاص.
وليست المحبة أن نملأ حياة الآخرين بحضورنا، بل أن نترك فيها من الجمال حتى في غيابنا.
سفير المحبة هو من إذا مرّ في حياة أحد يترك أثرًا. وإذا افترق، بقيت سيرته طيبة. وإذا ذُكر اسمه، ابتسم القلب قبل أن تبتسم الشفاه.
إنه يعرف أن الحياة أقصر من أن نملأها بالخصام، وأن القلوب أرق من أن نثقلها بالقسوة، وأن الإنسان لا يملك في النهاية إلا أثره.
قد ننسى كثيرًا من الكلمات التي قيلت لنا، وقد تضيع من ذاكرتنا تفاصيل كثيرة، لكننا نادرًا ما ننسى إنسانًا جعلنا نشعر، ولو مرةً واحدة، بأننا بخير.
وفي نهاية الطريق، لن يبقى لنا من الناس إلا أثرنا فيهم، ولن يبقى لهم منا إلا ما جعلناه يسكن في قلوبهم.
فاختر، إن استطعت، أن تكون سفيرًا للمحبة.
كن مأمنًا لمن خاف، ورفيقًا لمن أرهقه الطريق، وكلمةً طيبةً لمن أثقلته الحياة، ويدًا تمتد دون سؤال، وقلبًا يتسع للآخرين دون أن يطلب منهم ثمنًا.
إذا أحببت، فأحب بصدق. وإذا وعدت، فأوفِ. وإذا اقتربت، فكن رحيمًا. وإذا اختلفت، فاحفظ الود. وإذا غضبت، فلا تجعل غضبك يهدم ما بنته المحبة. وإذا أخطأت، فاعتذر. وإذا استطعت أن تغفر، فاغفر. وإذا غبت، فلا تترك خلفك إلا جميل الذكر.
كن الشخص الذي إذا انتهى اللقاء معه، شعر الآخر أنه ربح إنسانًا، لا أنه خسر معركة.
فنحن لا نحتاج إلى مزيدٍ من الكلمات عن المحبة بقدر حاجتنا إلى أناسٍ يجسدونها.
نحتاج إلى من يطفئ نار الخصام بدل أن ينفخ فيها، وإلى من يزرع الأمل بدل أن يضاعف الخوف، وإلى من يربّت على كتف المنهك بدل أن يسأله لماذا تعب.
نحتاج إلى قلوبٍ تعرف أن اللطف ليس ضعفًا، وأن الرقي ليس سذاجة، وأن التسامح ليس هزيمة، وأن المحبة هي إحدى أعظم صور القوة الإنسانية.
وربما كانت أرقى شهادة يمكن أن ينالها الإنسان في هذه الحياة ألا يُقال عنه إنه كان كثير الكلام عن الحب أو الخير،
وإنما أن يقول الناس بعد رحيله:
«كان سفيرًا للمحبة…»
كان إذا حضر، اطمأن الخائف. وإذا تحدث، هدأت الأرواح. وإذا أحب، كان أمينًا. وإذا اختلف، كان راقيًا. وإذا أخطأ، اعتذر. وإذا غاب، بقي أثره.
ثم يقولون:
«مرّ من هنا…
فلم يترك وراءه إلا قلبًا أكثر طمأنينة،
وروحًا أكثر أملًا.»
تلك هي المحبة التي تستحق أن تُحمل رسالة، وتلك هي الإنسانية التي تستحق أن نعيش من أجلها.
فلا تنتظر أن يتغير العالم كي تمنحه شيئًا من محبتك. ابدأ بقلبٍ واحد، بيدٍ واحدة، بكلمةٍ واحدة، بابتسامةٍ واحدة.
فربما لا تعرف أبدًا أيّ قلبٍ أنقذته بلطفك، ولا أيّ روحٍ منحتها سببًا جديدًا للاستمرار، ولا أيّ إنسانٍ أقنعته، دون أن تدري، بأن الخير ما زال موجودًا.
كن أنت الهدوء في عالمٍ يزداد ضوضاء، وكن جسرًا حيث تتسع المسافات.
وفي زمنٍ يبحث فيه الناس عمّن يحبهم، كن أنت من يجعلهم يشعرون بأنهم محبوبون.
فالمحبة ليست أن تكون شمعةً تضيء لنفسك، بل أن تكون نورًا يهتدي به الآخرون إلى الطريق.
كن سفيرًا للمحبة…
فقد تكون مهمتك في هذه الحياة أن تمرّ بقلبٍ مكسور، فتجبره وتتركه أكثر اكتمالًا، وأن تلتقي بروحٍ متعبة، فتمنحها بعض السلام، وأن تغادر حياة إنسان، فتجعله يردد أن الدنيا، رغم كل شيء، ما زالت بخير.
وهنا فقط، حين تصبح المحبة فيك خُلُقًا لا شعارًا، وعطاءً لا انتظارًا، وأثرًا لا ادعاءً، تكون قد أديت أسمى رسالة يمكن للإنسان أن يحملها:
أن تكون سفيرًا للمحبة…
حيثما حللت،
وكيفما كنت،
ومهما كان الطريق.
فما أجمل أن يعيش الإنسان عمره شمعةً مضيئةً لمن حوله، ثم إذا انتهى العمر، لم يقل الناس: «كم عاش؟»، بل قالوا:
«كم من القلوب جعلها تحيا؟»
وما أعظم أن يكون آخر ما يتركه الإنسان في هذا العالم أثرًا طيبًا في قلوب الناس.
فالأعمار تمضي، والأسماء قد تُنسى، والصور يبهت لونها، والكلمات تسافر بها الأيام…
أما أثر المحبة، فإذا سكن قلبًا صادقًا، فقد يظل حيًا بعد رحيل صاحبه.
وهذه أجمل نهاية يمكن أن يكتبها الإنسان لنفسه:
عاش محبًا…
ورحل محبوبًا…
وبقي أثره في القلوب…
سفيرًا للمحبة.
لمتابعة أحدث الأخبار والتقارير الحصرية والتحليلات المعمّقة تابعونا على صفحتنا الرسمية على فيسبوك
تابع آخر المستجدات والأخبار العاجلة عبر قناة بصيرتي برس على واتساب