الأسعار ترتفع يومياً… والمواطن يحترق: فمن يحاسب السياسة الاقتصادية الفاشلة ؟

✍️ بقلم: البروفيسور محجوب هجّانة
المستشار والخبير في الاقتصاد القياسي
المواطن السوداني لم يعد يحتاج إلى تقرير اقتصادي ليعرف أن التضخم يرتفع؛ فهو يقيسه يومياً في السوق، ويدفع ثمنه من دخله ومائدة أسرته.
الدولار عند نحو 6000 جنيه، والأسعار ترتفع يومياً، بينما الدخول الحقيقية لا تواكب هذا التسارع. والنتيجة: تآكل القوة الشرائية، واتساع الفقر، وتراجع قدرة الأسرة على تلبية احتياجاتها الأساسية.
نعم، الحرب أحدثت صدمة اقتصادية عميقة؛ دمرت الإنتاج، وعطلت سلاسل الإمداد، وأضعفت الاستثمار والنقد الأجنبي. لكن الحرب ليست شماعة للفشل الاقتصادي؛ فهي تفسر الصدمة، أما كيفية إدارتها وتقليل كلفتها على المواطن فهي مسؤولية السياسة الاقتصادية.
ويطرح البروفيسور محجوب هجّانة أسئلة صعبة:
إذا تراجع الإنتاج، فأين تحفيز العرض الكلي؟
وإذا شح النقد الأجنبي، فأين استراتيجية زيادة الصادرات؟
وإذا كان الذهب مورداً استراتيجياً، فكم من عائداته يدخل فعلياً إلى الاقتصاد الرسمي والخزينة؟
وإذا ارتفعت الجمارك والرسوم والجبايات على الطرق، هل يُقاس أثرها على التضخم وتكلفة النقل والإنتاج قبل تحميل المواطن عبئها؟
وأين الرقمنة التي يمكن أن تقلل تسرب الإيرادات؟
والسؤال الذي يحرق صميم الأزمة: من يصنع القرار الاقتصادي؟
هل تُبنى القرارات على البيانات والنماذج والتحليل الاقتصادي، أم على ردود الأفعال؟ وهل يمتلك صانع القرار التأهيل والخبرة الاقتصادية الكافية لإدارة اقتصاد بهذه التعقيدات؟
ويؤكد البروفيسور محجوب هجّانة:
««نحن لا نريد كبش فداء، ولا نحاكم الأشخاص؛ نحن نحاكم السياسات الاقتصادية فقط. ومعيارنا هو النتائج: التضخم، سعر الصرف، الإنتاج، القوة الشرائية، الفقر، وكفاءة إدارة الموارد.»»
فالاقتصاد لا يجامل؛ البيانات تكشف، والمؤشرات تحكم، والمواطن يدفع ثمن النتيجة.
ويؤكد البروفيسور هجّانة أن الدولار لن يتراجع بصورة مستدامة ما لم تُعالج الأسباب الاقتصادية التي أدت إلى ارتفاعه؛ فسعر الصرف نتيجة لتفاعل النقد الأجنبي، والصادرات، والذهب، والسيولة، والمالية العامة، والثقة في الاقتصاد.
ومن منظور الاقتصاد القياسي والاقتصاد الكلي، لا يكفي وصف الأزمة؛ بل يجب قياس أسبابها وأثر السياسات على التضخم، سعر الصرف، الإنتاج، السيولة والدخل الحقيقي، مع توظيف الاقتصاد الرقمي لرفع كفاءة التحصيل وتقليل التسرب.
والحل ليس مزيداً من الجبايات والقرارات المرتجلة، بل رفع الإنتاج، وإصلاح المالية العامة، وتنظيم الذهب، ودعم الزراعة والصناعة، وإصلاح الجمارك والتحصيل، واستعادة الكهرباء، وتسريع الرقمنة.
وقف الحرب ضرورة، لكنه ليس نهاية الإصلاح الاقتصادي؛ بل بدايته.
أما «حكومة الأمل»، فالأمل الحقيقي لا يُقاس بالتصريحات؛ بل بانخفاض الأسعار، واستقرار العملة، وعودة الإنتاج، وتحسن الدخل الحقيقي، وتمكين الكفاءات وأصحاب الخبرة الاقتصادية الفعلية من صناعة القرار ومعالجة الأزمات بعلم وبيانات، لا بالاجتهادات وردود الأفعال.
ويختتم البروفيسور محجوب هجّانة:
««فالاقتصاد لا يُحاكم بالنوايا، بل بالنتائج؛ وإذا كانت الأسعار ترتفع يومياً، والدخل يتآكل، والإنتاج يتراجع، والفقر يتمدد، فالسؤال الحقيقي: هل لدينا من يدير الأزمة اقتصادياً؟ وإلى متى سيظل المواطن يحترق؟.
9خ