حين تكون عزة النفس أغنى من السؤال


عباس الماحى
نقطة سطر جديد
رسالة إنسانية… حين تكون عزة النفس أغنى من السؤال
في حياتنا أشخاصٌ لا يملكون كثيرًا من متاع الدنيا، لكنهم يملكون ما هو أثمن من المال والجاه؛ يملكون قلوبًا عامرة بالإيمان، وألسنةً رطبة بذكر الله، ونفوسًا أبت أن تمد أيديها إلى الناس، رغم قسوة الحاجة وشدة الابتلاء.
قبل نحو ست سنوات، تواصل معي رجل من قرية الكتياب بولاية نهر النيل، اسمه محمد علي الرفاعي. كان يبحث عن فرصة للعلاج خارج السودان لإجراء عملية في عينيه، علّها تعيد إليه نعمة البصر. ومن خلال اتصالات هاتفية امتدت لفترة من الزمن، سعيت بما استطعت إليه من مراسلات للمستشفى، وإرسال للتقارير الطبية، ومتابعة للإجراءات التي قد تسهل سفره مع مرافقه.
لم أكن قد التقيته وجهًا لوجه، لكنني كنت كلما سمعت صوته شعرت براحة لا أستطيع وصفها… لم يكن حديثه طويلًا، ولم يكن يثقل على أحد بطلب، وإنما كان يفيض بالدعاء الصادق، دعاء يخرج من قلب مؤمن راضٍ بقضاء الله، فيلامس القلب قبل الأذن. وبعض الأصوات لا تُنسى، لأنها تحمل صدقًا لا تصنعه الكلمات.
ثم انقطعت أخباره، وضاع رقم هاتفه، ومضت السنوات.
ومن لطائف الأقدار أنني، بعد وصولي إلى المملكة العربية السعودية قبل أيام، فقدت هاتفي المحمول داخل المنزل، وبحثت عنه أكثر من أربعة أيام دون جدوى. وكانت حفيدتي الصغيرة، التي لم تتجاوز عامًا ونصف العام، تعبث بالهاتف كعادتها، ويبدو أنها أخفته في مكان لم يخطر ببالي أن أفتش فيه. وكلما بحثت عنه عدت خالي الوفاض، حتى كدت أوقن أن العثور عليه أصبح أمرًا مستبعدًا.
وفي صباح اليوم، الأربعاء غرة يوليو 2026م، انطلق رنين الهاتف فجأة، فتتبعت الصوت حتى قادني إلى ذلك المكان الذي أخفته فيه تلك الصغيرة بعفويتها… فالتقطت الهاتف، وما إن ضغطت زر الإجابة، حتى جاءني صوت هادئ يسأل:
«من المتحدث؟» فأجبته باسمي، فإذا بي أسمع صوتًا أعاد إلى ذاكرتي سنوات مضت… كان أخي محمد علي الرفاعي.”،ولم اكن اعلم ان الله قد حعل من عبث طفلة بريئة سبباً في إعادة صلة انقطعت منذ سنوات.
ساد صمت قصير، ثم انطلقت من لسانه كلمات الدعاء كما عهدتها، بل أجمل مما كانت… دعوات صادقة لا تعرف التكلف، ولا تنتظر مقابلًا، وكأنها هدية يوزعها على الناس أينما وجدهم.
سألته عن أحواله، وعن رحلة العلاج التي طالما تمنيتها له، فجاءني صوته هادئًا راضيًا: لم أستطع السفر، فظروفي المادية لم تسمح، ولا أريد أن أحمّل أحدًا ما لا يطيق، ولا أن أطلب من أهلي شيئًا.
كانت كلمات قليلة، لكنها حملت معنى كبيرًا اسمه عزة النفس.
وعلمت أيضًا أن بصره قد انطفأ تمامًا، وأنه أصبح كفيفًا. ومع ذلك، لم أسمع في صوته شكوى، ولا اعتراضًا، ولا تذمرًا من قضاء الله. وحين أخبرته أنني في المملكة العربية السعودية، لم يطلب مالًا، ولم يسأل عن علاج، ولم يذكر حاجته، وإنما قال بدعوات ملؤها الرجاء: أسأل الله أن يكرمني بعمرة، وأن يرزقني زيارة بيته الحرام، وزيارة المدينة المنورة، والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
توقفت طويلًا عند هذه الأمنية.
رجل فقد بصره، وضاقت به الدنيا، ولم يعد يطمح إلى شيء من زخارفها، وإنما بقي حلمه أن يطوف ببيت الله، وأن يقف في المسجد النبوي، ويسلم على خير خلق الله صلى الله عليه وسلم.
هناك أناس إذا تحدثوا معك تركوا في نفسك سكينة، وإذا دعوا لك شعرت أن الدعاء خرج من قلب يعرف الله حق المعرفة. لا يملكون حسابات كبيرة، ولا مناصب، ولا أضواء، لكنهم يملكون رصيدًا من الإيمان والرضا يجعل صحبتهم نعمة، وسماع أصواتهم راحة، والدعاء منهم كنزًا لا يقدر بثمن.
ولعلنا نغفل أحيانًا عن أن الله يفتح للإنسان أبواب الخير بدعوة صادقة من قلب مخلص، وأن من أعظم النعم أن يرزقك الله معرفة أناس زاهدين في الدنيا، محبين للخير، يواسون الناس بالكلمة الطيبة، ويشاركونهم أفراحهم وأتراحهم، ولا ينتظرون منهم جزاءً ولا شكورًا.
ومن هنا، أوجه هذه الرسالة الإنسانية إلى والي ولاية نهر النيل…الدكتور محمد البدوى عبد الماجد، وإلى كل صاحب قدرة على صنع الخير.
إن كان أخي محمد علي الرفاعي لا يرضى أن يسأل الناس، فإن كرامته لا تمنعنا من المبادرة إليه. وأحسب أن تحقيق أمنيته بتمكينه من أداء العمرة، وزيارة المسجد النبوي، سيكون من أجمل صور الوفاء لإنسان صابر، رضي بما قسم الله له، ولم يحمل في قلبه إلا الحمد، وعلى لسانه إلا الدعاء
ليست كل الأمنيات تحتاج إلى ملايين، فبعضها يحتاج فقط إلى قلب يشعر بالناس، وإلى يد تمتد بالعطاء قبل أن يُطلب منها.
أسأل الله أن يكتب لأخي محمد علي الرفاعي زيارة بيته الحرام، وأن يقر عينه ـ وإن غاب عنها نور البصر ـ بنور الإيمان والرضا، وأن يجعل ما أصابه رفعةً له في الدنيا والآخرة.
ولعل رسالتي هذه لا تتحدث عن رجل واحد، بل عن فئة من الناس يعيشون بيننا في صمت. لا يسمع أنينهم أحد، لأنهم يستحيون من السؤال، ويستغنون بالله عن خلقه. هؤلاء هم أصحاب النفوس الكبيرة، الذين يعلموننا أن الغنى الحقيقي ليس فيما تملكه الأيدي، وإنما فيما يحمله القلب من يقين، وما يفيض به اللسان من دعاء، وما تتركه الأخلاق الكريمة من أثر طيب في حياة الآخرين.
أدعو الله أن يبلغ أخانا محمد علي الرفاعي أمنيته، وأن يهيئ له من عباده من يكون سببًا في إدخال السرور إلى قلبه. وأرجو أن تجد هذه الكلمات طريقها إلى أصحاب القرار وأهل الخير، فربما كانت سببًا في تحقيق أمنية رجل لم يطلب لنفسه شيئًا، واكتفى بأن يرفع أكف الضراعة إلى الله.
طلبت كل ارقامه للتواصل لا اكثر…
فاعطانى لها بكل سرور:
0996971918
0910766675
0111244086