السودان…أرض الحضارات بخير


عباس الماحى
نقطة سطر جديد
السودان ارض الحضارات بخير
حين يُذكر السودان، تُستحضر صفحات مشرقة من التاريخ الإنساني، وتنهض من أعماق الزمن حضاراتٌ وممالك عظيمة تركت بصماتها الخالدة في مسيرة البشرية…
فمن أرض كوش ونبتة ومروي انطلقت واحدة من أعرق الحضارات الإفريقية، وشهدت بلادنا قيام ممالك امتد تأثيرها على طول وادي النيل، فشيّدت المعابد والأهرامات، ونسجت تاريخًا ما يزال يثير إعجاب الباحثين والمؤرخين حتى يومنا هذا.
وعلى مر العصور، ظل السودان ملتقىً للحضارات والثقافات، وجسرًا للتواصل بين العمق الإفريقي والأفق العربي، وموطنًا لتنوع إنساني وثقافي فريد، جعله بلدًا استثنائيًا في موارده وتراثه وإنسانه.
ومن خلال زيارتي لعدد من ولايات بلادي الحبيبة، شملت ولاية البحر الأحمر، وولاية الخرطوم، وولاية الجزيرة، وولاية نهر النيل، والولاية الشمالية، وولاية كسلا، وولاية القضارف، تجلت أمامي حقيقة قد لا تنقلها وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بالصورة الكاملة، وهي أن بلادنا تمتلك من المقومات الطبيعية والبشرية ما يؤهلها لأن تكون واحدة من أهم الدول الواعدة في مجالات الاستثمار والتنمية والإنتاج.
فالأراضي الزراعية الخصبة تمتد على مساحات شاسعة، وتتنوع المناخات والموارد المائية بما يسمح بإنتاج مختلف المحاصيل الزراعية على مدار العام…ففي الجزيرة والقضارف والشمالية ونهر النيل وغيرها من الولايات، تنتظر ملايين الأفدنة جهود المستثمرين والمزارعين لتتحول إلى مشروعات إنتاجية كبرى تسهم في تعزيز الأمن الغذائي الإقليمي والعالمي.
وتمتلك بلادنا ثروةً مائيةً كبيرة تتمثل في الأنهار والخيران والمياه الجوفية، وعلى رأسها نهر النيل وروافده، مما يمنحها ميزةً استراتيجيةً نادرة في عالم تتزايد فيه تحديات المياه والغذاء. كما أن تنوع البيئات الزراعية بين المشروعات المروية والزراعة المطرية والسهول الخصبة يؤهلها لتكون من أكبر المنتجين للغذاء في العالم.
ولا تقتصر إمكانات السودان على الزراعة وحدها، بل يمتلك ثروةً حيوانيةً ضخمة تُعد من الأكبر في إفريقيا والعالم العربي…فملايين الرؤوس من الأبقار والأغنام والإبل والماعز تنتشر في مراعيه الطبيعية الواسعة، وتشكل قاعدةً قويةً لصناعات الألبان واللحوم ومشتقاتها… كما يمتلك ثروةً سمكيةً واعدة في الأنهار والسواحل والبحيرات، تمثل موردًا اقتصاديًا مهمًا يمكن أن يسهم في دعم الاقتصاد الوطني وتوفير فرص العمل.
ويتميز كذلك بإنتاج وتصدير عدد من السلع الزراعية ذات الشهرة العالمية والجودة العالية…فهو أكبر منتج للصمغ العربي في العالم، وهو منتج يدخل في العديد من الصناعات الغذائية والدوائية… كما يشتهر بإنتاج السمسم والفول السوداني والكركديه، وهي منتجات تحظى بطلب متزايد في الأسواق العالمية…وإلى جانب ذلك، يظل القطن السوداني رمزًا للجودة والتميز، بعد أن ارتبط اسمه لعقود طويلة بأفضل أنواع الأقطان في العالم.
كما تمثل صادرات الماشية، ولا سيما الأغنام والأبقار والإبل، أحد أهم موارد الاقتصاد السوداني، وأكثرها حضورًا في الأسواق الإقليمية والدولية، بما يعكس ما يمتلكه من إمكانات هائلة في مجال الثروة الحيوانية.
ويتمتع كذلك بموقع جغرافي استراتيجي متميز، يجعله بوابةً طبيعية بين إفريقيا والعالم العربي، ومركزًا مهمًا للتجارة والاستثمار. فهو يطل على البحر الأحمر عبر ساحل طويل يضم ميناء بورتسودان، الذي يُعد شريانًا اقتصاديًا حيويًا ومنفذًا رئيسًا لحركة الصادرات والواردات.
كما يربط موقعه بين أسواق إفريقيا والشرق الأوسط، مما يفتح آفاقًا واسعة للاستثمار في مجالات النقل والخدمات اللوجستية والتخزين والتصنيع والتجارة الإقليمية والدولية.
وتمثل هذه الموارد والإمكانات فرصًا كبيرة للشباب، ولا سيما خريجي كليات الزراعة والطب البيطري والهندسة والتخصصات ذات الصلة، لإقامة مشروعات إنتاجية حديثة تسهم في زيادة الإنتاج وتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
وفي باطن أرضه تختزن ثروات معدنية هائلة، يأتي الذهب في مقدمتها، إلى جانب النحاس والحديد والكروم والمنغنيز والمايكا وغيرها من المعادن ذات القيمة الاقتصادية الكبيرة.
ولعل من أبلغ ما يمكن أن يُقال عن بلادنا أنها وطن اجتمعت فيه ألوان الذهب كلها؛ فهو يملك الذهب بمعناه المعروف، ذلك المعدن النفيس الذي تختزنه أرضه في مساحات واسعة، كما يملك الذهب الأبيض، المتمثل في القطن الذي ظل لعقود طويلة عنوانًا للجودة العالمية، والذهب الأخضر الذي تتمثل قيمته في أراضيه الزراعية الخصبة وإنتاجه الزراعي الوفير، والذهب الأسود الذي تمثله موارده النفطية ومصادر الطاقة الكامنة في باطن الأرض.
وهكذا تتجلى فرادة وطننا في كونه بلدًا وهبته الطبيعة ثروات متنوعة قلّ أن تجتمع في وطن واحد؛ فبين الذهب الذي يلمع في المناجم، والقطن الذي يزهو في الحقول، والصمغ العربي، والسمسم، والفول السوداني، والكركديه التي تجد طريقها إلى الأسواق العالمية، والثروة الحيوانية الضخمة، ومصادر الطاقة المتعددة، تتكامل مقومات النهضة الاقتصادية لتجعل منه أرضًا واعدة بالخير والاستثمار والازدهار.
أما السياحة، فهي الكنز المخبأ، وواحدة من أعظم الثروات التي لم تنل حظها الكافي من التعريف والترويج، رغم ما تزخر به بلادنا من مقومات سياحية نادرة تجمع بين التاريخ والطبيعة والثقافة في لوحة فريدة قلّ أن تجتمع في دولة واحدة.
فعلى امتداد ضفاف النيل، وفي قلب الصحراء، تقف الأهرامات شامخةً، شاهدةً على عظمة حضارات كوش ونبتة ومروي…ويضم السودان ما بين مائتي وثلاثمائة هرم أثري، مما يجعله من أكثر دول العالم امتلاكًا للأهرامات، وتنتشر هذه الأهرامات، إلى جانب المعابد والمواقع الأثرية، في البجراوية ونوري والكرو وجبل البركل، لتروي قصة حضارة عظيمة أسهمت في إثراء التاريخ الإنساني، وما تزال آثارها تبهر الزائرين والباحثين من مختلف أنحاء العالم.
ولا يقتصر الجمال على الآثار وحدها، بل يزخر وطننا بمناظر طبيعية آسرة؛ فمن سواحل البحر الأحمر ذات المياه الصافية والشعاب المرجانية النادرة، إلى جبال التاكا وتوتيل في كسلا، وجبل البركل بالقرب من مدينة كريمة، مرورًا بالسهول الرحبة، والوديان، والصحارى الذهبية، والواحات الخضراء، التي تشكل جميعها مشاهد طبيعية خلابة تستحق أن تكون من أبرز المقاصد السياحية في المنطقة.
وعلى امتداد النيل تنتشر الجزر النيلية الساحرة، ومنها جزيرة مقرات التي تضم تسعًا وتسعين جزيرة تتناثر وسط النهر كحبات اللؤلؤ، إلى جانب جزيرة بدين وغيرها من الجزر العامرة بالسكان، والتي تجمع بين سحر الطبيعة وعبق التاريخ وهدوء المكان.
كما تحتضن بلادنا عشرات المواقع الأثرية والمدن التاريخية التي ما تزال تخبئ الكثير من أسرار الحضارات القديمة، مما يجعلها متحفًا مفتوحًا تحت السماء، ووجهةً استثنائية لعشاق التاريخ والطبيعة والثقافات المتنوعة.
ومن أعظم ما يميز بلادنا تنوعها الإنساني والثقافي الفريد؛ فهي بوتقة انصهرت فيها الحضارات العربية والإفريقية عبر قرون طويلة، فنتج عنها مجتمع غني بعاداته وتقاليده، وفنونه، وموروثه الثقافي.
ويعيش فيها عشرات القبائل والمجموعات السكانية التي تتحدث لغات ولهجات متعددة، وتحمل إرثًا ثريًا من الفنون الشعبية، والموسيقى، والرقصات التراثية، والحرف اليدوية…ورغم هذا التنوع الكبير، ظل التعايش والتسامح واحترام الآخر من أبرز سمات الشخصية السودانية، مما جعل السودان نموذجًا لوطن تتوحد فيه القلوب، رغم اختلاف الألسنة والعادات.
ويشكل هذا التنوع الثقافي عنصر جذب مهمًا للسياحة والاستثمار الثقافي، ويعكس الوجه الحقيقي والمشرق لبلادنا بوصفها جسرًا حضاريًا يربط بين إفريقيا والعالم العربي.
ورغم كل هذه الخيرات، تبقى الثروة الأعظم في بلادنا هي الإنسان السوداني؛ ذلك الإنسان المعروف بطيبته، وكرمه، وأخلاقه السمحة، وقدرته على التعايش والتسامح والعمل الجاد…ففي مختلف أنحاء البلاد تجد مجتمعًا متماسكًا يؤمن بقيم التعاون، والتكافل، والعطاء.
إن التنمية لا تقوم على الموارد وحدها، بل تقوم على الإنسان القادر على توظيف تلك الموارد وصناعة المستقبل، والسودان يمتلك هذا الإنسان بما يحمله من إرادة، وخبرة، وأمل.
إن السودان اليوم ليس مجرد أرض غنية بالموارد، بل هو وطن زاخر بالفرص الواعدة التي تنتظر من يكتشفها ويحسن استثمارها…فالزراعة، والثروة الحيوانية، والتعدين، والصناعات التحويلية، والسياحة، والطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية، جميعها قطاعات تفتح آفاقًا واسعة للشراكات والاستثمارات الناجحة، وتوفر فرصًا لتحقيق التنمية المستدامة.
ومن ينظر إلى السودان بعين الواقع، ويقف على إمكاناته بنفسه، يدرك أنه يمتلك من المقومات ما يؤهله لأن يكون واحدًا من أهم مراكز الإنتاج والاستثمار في المنطقة والعالم…فالموارد متوافرة، والأرض خصبة، والموقع الجغرافي متميز، والإنسان السوداني شريك جدير بالثقة، بما عُرف عنه من الإخلاص، والاجتهاد، وحسن المعاملة، والقدرة على العمل والإنتاج.
السودان بخير… ليست عبارة تُقال، ولا شعارًا يُرفع، بل حقيقة يدركها كل من يجوب أرضه، ويتأمل خيراته، ويقف على حجم إمكاناته…فهو وطن الحضارات العريقة، والأهرامات الشامخة، والأراضي الزراعية الخصبة، والثروات المعدنية المتنوعة، والطبيعة الخلابة، والتنوع الثقافي الفريد، والإنسان النبيل.
قد تمر الأمم بتحدياتها، وتواجه الأوطان محنًا وابتلاءات واختبارات، غير أن الشعوب العظيمة لا تنكسر، والأوطان الراسخة في التاريخ لا تغيب عنها شمس المستقبل…والسودان، الذي صنع الحضارات قبل آلاف السنين، قادر ـ بعون الله، ثم بعزيمة أبنائه وإرادتهم ووحدتهم ـ على أن يصنع نهضته الجديدة، ويستعيد مكانته التي يستحقها بين الأمم.
لقد وهب الله السودان من المقومات الطبيعية والبشرية ما يجعل مستقبله واعدًا متى ما أحسن أبناؤه استثمار تلك النعم، ووظفوها في بناء اقتصاد قوي، وتنمية شاملة، وعدالة في توزيع الفرص، بما يحقق الرفاه والاستقرار للأجيال الحاضرة والقادمة.
وسيظل سوداننا، بإذن الله، وطن العزة والكرامة، وأرض الخير والنماء والعطاء، ومنارةً للأمل، ووجهةً واعدةً للمستثمرين، ووطنًا قادرًا على الإسهام في تعزيز الأمن الغذائي الإقليمي والعالمي، وصناعة مستقبل أكثر ازدهارًا للأجيال القادمة.
وسيظل شاهدًا على حقيقة راسخة، مفادها أن الأرض التي أنجبت الحضارات، وشيدت الممالك، واحتضنت الإنسان منذ فجر التاريخ، قادرة دائمًا على صناعة المستقبل، متى ما توفرت الإرادة، وتكاتفت الجهود، وساد العمل المخلص من أجل الوطن.
حفظ الله السودان الوطن الواحد، وأدام عليه الأمن والاستقرار، وألهم أبناءه الحكمة والوحدة، وجعل مستقبله أكثر إشراقًا وازدهارًا، إنه نعم المولى ونعم النصير.
بصيرتي برس بصيرة الوطن