الرأي والمقالات

كلمات..واجبة | مي علي آدم تكتب… | عندما يصبح البلاغ جريمة.. والفيسبوك محكمة

كلمات..واجبة

مي علي آدم تكتب…

عندما يصبح البلاغ جريمة.. والفيسبوك محكمة

في عرف الدول التي تحترم نفسها، وتؤمن بدولة القانون والمؤسسات، أن تلجأ الجهة المتضررة من النشر، فرداً كان أو مؤسسة حكومية، إلى القضاء هو قمة الحضارة وقمة الرقي. هي رسالة واضحة تقول: نحن لا نملك سيفاً، ولا نملك سلطة، نملك فقط ورقاً وقانوناً وقاضياً. وهذا السلوك يستحق أن نُصفق له، لا أن نُجرمه.

لكن المُحزن والمُخزي في آنٍ معاً، أن هذا الفعل المتحضر نفسه تحديداً في السودان، عندما يكون البلاغ من مسؤول بصفته الشخصية أو من جهة حكومية، يتحول عند بعض الصحفيين إلى جريمة اسمها “تكميم أفواه”.

بمجرد أن يتم استدعاء صحفي للنيابة للإدلاء بأقواله في بلاغ قدمه مسؤول أو جهة حكومية، تجد بعضهم يغادر باب النيابة ويهرول مباشرة إلى باب آخر.. باب الفيسبوك.

تبدأ الحملة فوراً: منشور مطول، ولايف، ودموع، واستدرار عطف بعنوان “أنا مستهدف لأنني كتبت عن الفساد”. ويبدأ الشير والتضامن التلقائي.

يتجاهل هؤلاء حقيقة بسيطة: أن اللجوء إلى القضاء هو اعتراف ضمني بسيادة القانون. هو قولٌ صريح: “نحن نثق في القضاء ليقول كلمته”. ولكن يبدو أن البعض يريد محاكمة إعلامية موازية، يصدر فيها الحكم على منصات التواصل الاجتماعي قبل أن تكتمل أوراق القضية.

الصحافة ليست فوق القانون، كما أن المسؤول ليس فوق النقد. حرية الصحافة مكفولة ومصانة، ولكنها لا تعني الفوضى أو التشهير أو نشر معلومات دون تحقق. وحق الرد مكفول أيضاً، وحق التقاضي مكفول.

المؤسف أن هذا السلوك يخلق مناخاً ساماً. فبدلاً من أن يكون النقاش حول مضمون البلاغ وأدلته، يتحول إلى مزايدة حول “حرية الصحافة“. وبدلاً من انتظار حكم القضاء، يتم الضغط على القضاء نفسه عبر الشارع الافتراضي.

إن احترامنا لحرية الصحافة يجب أن يكون مقروناً باحترامنا لسيادة القانون. ومن حق أي متضرر أن يلجأ للقضاء، تماماً كما من حق الصحفي أن يدافع عن نفسه بالقانون.

فالحق لا يحتاج إلى استجداء، والبراءة لا تحتاج إلى شير، والعدل لا يحتاج إلى ترند.

مي علي آدم

للمتابعة كل جديد وحصري تابعونا على صفحتنا الرسمية على فيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى