Uncategorized

ما بين الإعلامي عامر ووزير الثروة الحيوانية والسمكيةعندما ينتصر الحوار للوطن

وزير الثروة الحيوانية

وزير الثروة الحيوانية

ليست كل كلمة يكتبها الإعلام هجومًا، وليست كل ملاحظة تُوجَّه إلى مسؤول انتقاصًا من مكانته…فالإعلام المسؤول شراكة في بناء الوطن لا خصومة في الرأى، والنقد المهني لا يستهدف الأشخاص، وإنما يتناول الأداء والقرارات والسياسات التي تمس حياة المواطنين. والإعلام الوطني لا يقف في مواجهة المسؤول، بل يقف إلى جانب الوطن، يؤدي رسالته في كشف أوجه القصور، وإبراز النجاحات، والمساهمة في تصويب المسار، انطلاقًا من مسؤوليته تجاه المجتمع.


إن الإعلام هو عين الشارع ولسانه، ينقل نبض المواطنين، ويعكس همومهم وتطلعاتهم، ويضع أمام صانع القرار ما قد لا تصله صورته كاملة.
ومن هنا، فإن النقد البناء ليس خصومة، بل هو أحد أهم وسائل الإصلاح والتطوير، متى ما التزم المهنية، واستند إلى الحقائق، وابتعد عن التجريح والإساءة الشخصية.


وفي المقابل، فإن المسؤول الواثق من نفسه ومن مؤسسته لا يخشى النقد، بل يرحب به، لأنه يدرك أن الحوار الهادئ والشفاف يعزز ثقة المواطنين، ويمنح الرأي العام فرصة لفهم الحقائق من مصدرها الرسمي، فالمسؤول الناجح لا يكتفي بإصدار القرارات، بل يحرص أيضًا على شرحها، وتوضيح أهدافها، والاستماع إلى الملاحظات حولها.


ومن النماذج التي تستحق الوقوف عندها والإشادة بها، ما دار مؤخرًا بين الزميل الإعلامي الأستاذ عامر حسون ووزير الثروة الحيوانية والسمكية البروفيسور احمد التجانى المنصورى…فقد تناول الزميل الأستاذ عامر، في إطار رسالته المهنية، ملاحظات تتعلق بأداء الوزارة، فجاء رد الوزير راقيًا ومتزنًا، بعيدًا عن الانفعال أو الحساسية تجاه النقد، بل أوضح وجهة نظره، ودافع عن أداء وزارته بالحجة والمنطق، وشرح بعض الجوانب التي ربما لم تكن واضحة للرأي العام، في حوار اتسم بالاحترام المتبادل والشفافية.
إن القيمة لهذا المشهد لا تكمن في النقد أو الرد في حد ذاتهما، وإنما في الرسالة التي بعث بها الطرفان؛ وهي أن الاختلاف في الرأي لا يعني الخصومة، وأن النقد الموضوعي لا ينتقص من مكانة المسؤول، كما أن الرد بالحجة والشفافية يعزز الثقة، ويؤكد احترام الرأي العام.


وتزداد أهمية هذا النموذج عندما يتعلق بوزارة الثروة الحيوانية والسمكية، وهي من أهم الوزارات الاقتصادية في السودان، لما يمتلكه وطننا الحبيب من ثروة حيوانية وسمكية ضخمة تُعد من الأكبر في أفريقيا والعالم العربي، وتمثل موردًا استراتيجيًا قادرًا على دعم الاقتصاد الوطني، وزيادة الصادرات، وتوفير العملات الأجنبية، وتحقيق الأمن الغذائي، إذا أُحسن استثمارها وإدارتها… ولذلك، فإن أي حوار حول أداء هذه الوزارة ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه حوارًا وطنيًا يهدف إلى تطوير قطاع يمثل أحد أعمدة الاقتصاد السوداني، وليس صراعًا بين إعلامي ومسؤول.


وهذا هو المسؤول الذي نريده؛ مسؤول يؤمن بأن النقد البناء فرصة للمراجعة والتطوير، لا معركة يجب الانتصار فيها، ومسؤول يثق في نفسه وفي مؤسسته، ويخاطب الرأي العام بكل وضوح وشفافية، لأن احترام المواطن يبدأ باحترام حقه في المعرفة.
وفي المقابل، فإن الإعلامي المميز لا يبحث عن الإثارة، ولا يجعل النقد وسيلة للإساءة، وإنما يمارس دوره الوطني بمهنية، فيشيد بالنجاحات كما يشير إلى جوانب القصور، واضعًا مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.


ولا تكتمل هذه الشراكة إلا عندما يفتح المسؤول أبواب مكتبه للإعلاميين، ويوجه مكاتب السكرتارية والعلاقات العامة إلى تسهيل اللقاءات، وعدم التهرب من مقابلتهم أو وضع العراقيل أمامهم.


فالإعلامي لا يطرق باب المسؤول بحثًا عن سبق صحفي، بل يبحث عن الحقيقة من مصدرها، حتى يبني ما يكتبه على معلومات موثقة، لا على اجتهادات أو شائعات…وكلما كانت أبواب المسؤولين مفتوحة، وتدفقت المعلومات بشفافية، تراجعت الشائعات، وارتفع مستوى المهنية في التغطية الإعلامية، وتعززت ثقة المواطنين في مؤسساتهم.


إن إتاحة المعلومات ليست تفضلاً من المسؤول، بل هي واجب يفرضه احترام الرأي العام، ويعكس ثقة المسؤول في أدائه، وإيمانه بأن الشفافية هي أقصر الطرق إلى كسب ثقة المواطنين.


كما أن على المؤسسات أن تمنح مكاتب السكرتارية والعلاقات العامة صلاحياتها والقيام بدورها في بناء جسور التواصل مع الإعلام، لا أن تتحول إلى حواجز تمنع الوصول إلى المسؤول. فكلما كان التواصل مباشرًا وواضحًا، كانت الرسالة الإعلامية أكثر دقة وإنصافًا، واستطاع الإعلام أن يؤدي رسالته كما ينبغي.


إن الوطن لا ينهض إلا بتكامل الأدوار؛ إعلام مسؤول ينقل الحقيقة بأمانة، ومسؤول يتقبل النقد بصدر رحب، ويجيب عنه بالحجة والبيان، لا بالغضب أو الإقصاء. وعندما تتحول العلاقة بين الطرفين إلى علاقة احترام وتعاون، فإن الرابح سيكون الوطن.
فالمكتب الذي تُفتح أبوابه للإعلام، تُغلق أمامه أبواب الشائعات، ويصبح الحوار هو الطريق الأقصر إلى الحقيقة، والحقيقة هي الأساس الذي تُبنى عليه ثقة المواطن بمؤسسات دولته.


ولعل ما جرى بين الزميل الإعلامي الاستاذ عامر حسون ووزير الثروة الحيوانية والسمكية البروفيسور احمد التجانى المنصورى يقدم رسالة تستحق أن تُحتذى في جميع مؤسسات الدولة؛ فالإعلام أدى واجبه في النقد المسؤول، والوزير مارس مسؤوليته في التوضيح والدفاع عن أداء مؤسسته بكل احترام وشفافية، فانتصر الحوار على الخصومة، وانتصرت المصلحة العامة على الحساسيات الشخصية.
إننا بحاجة إلى أن يصبح هذا المشهد ثقافةً راسخة، لا استثناءً عابرًا؛ لأن الوطن لا يبنيه الصامتون، ولا يتقدم بالخلافات الشخصية، وإنما ينهض بالحوار المسؤول، والكلمة الصادقة، والشفافية، والإيمان بأن الإعلام والمسؤول شريكان في خدمة وطن واحد، وأن غايتهما الأولى والأخيرة هي نهضة السودان.

بصيرتي برس بصيرة الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى