الرأي والمقالات

كلمات واجبة

مي علي آدم تكتب

أم درمان الأمس حلم سيعود

“أنا أم درمان مضي أمسي بنحسي” بهذه الأغنية الخالدة للشاعر عبدالمنعم عبد الحي، دشن الكاتب الصحفي والأديب محمود الشين كتابه “أم درمان الأمس حلم سيعود”. في مساء استثنائي، شهد مركز أم درمان الثقافي ميلاداً يليق بالمدينة. القاعة امتلأت بالحضور، وجوه تعرف أم درمان حجراً حجر، وأصوات ارتجفت وهي تستمع لاسمها. لم يكن مجرد حفل توقيع، بل كان استحضاراً للزمن الجميل قبل أن يكون احتفاءً بالورق. برعاية كريمة من والي ولاية جنوب دارفور، الأستاذ بشير مرسال حسب الرسول، وقف الجميع إجلالاً لمدينة لا تنام في قلوب أهلها، حتى وإن نامت شوارعها.

هو كتاب لا يشبه الكتب. إنه “قلادة شرف” زيّنت صدر المدينة، كما وصفه البروفيسور محمد جلال هاشم. سطر فيه محمود الشين حكاية أم درمان ناساً وأماكن وأشياء لا تبارح الوجدان. كتب عن الفن حين كان مسرحاً مفتوحاً، وعن الأدب حين كان ضوءاً لا يخبو، وعن الرياضة حين كانت المدرجات تغني بحناجر واحدة. كتب عن الشعراء الذين نقشوا روحها، والفنانين الذين رسموا ملامحها، ورجال المال الذين عمّروا اقتصادها، والظرفاء الذين كانت نكاتهم تاريخ المدينة. جسر الكاتب بمهارة المحب بين أم درمان التي كانت وأم درمان التي هي الآن، ونادى بصوت لا يعلوه صوت: عودي يا “أمسها”. عودي يا قبلة العلم، ويا محراب الثقافة، ويا مسرح الإبداع، ويا ساحة الزحم الرياضي.

وشهد بما رأى الناقد والمخرج المسرحي السر السيد، فقال إن الكتاب ثمرة “علاقة حميمية” بين رجل وأزقة عاش فيها، وقاسم أهلها الملح والقهوة. مضى بعضهم إلى دار البقاء، والبعض الآخر ينتظر على جمر الأمل عودة أم درمان الأمس. أما البروفيسور محمد جلال هاشم فأشاد بالأسلوب الذي يمنح القارئ عين جديدتين، تقرأ فترى الشارع أمامك، وتسمع وقع خطاك، وتشم بنبر القهوة.

وتحدث اللواء إبراهيم الماظ، نائب رئيس حركة العدل والمساواة، حديث العارفين بأم درمان لا حديث الضيوف. قالها بثقة المؤرخ وبصيرة المناضل: “أم درمان هي الحركة الوطنية، وهي الثورة المهدية”. فاختزل في جملة تاريخ مدينة لم تكن يوماً هامشاً، بل كانت قلب السودان النابض. أم درمان عنده ليست شوارع وحيشان فحسب، بل هي فكرة قاومت، ومدرسة أنجبت، وساحة قُدِّمت فيها القرابين من أجل الوطن. فكان حديثه شهادة جديدة تُضاف إلى شهادات الليل: أن الكتاب لم يوثق مدينة، بل وثّق ضمير أمة.

وفي حق الكاتب أقول: محمود الشين من جنوب دارفور منبتاً، وأم درماني هوىً وانتماءً. لم يكتب عنها كزائر عابر، بل كمن سكنها وسكنته. فجاء كتابه عهد وفاء لا سجل حبر. وختاماً، “أم درمان الأمس حلم سيعود” ليس عنواناً على غلاف. إنه وعد. وعد بأن المدينة التي أنجبت كل هذا المجد، وهذا الجمال، لا بد أن تعود. لأن المدن العظيمة لا تموت.. إنها تنام.

بصيرتي برس

أم درمان الأمس حلم سيعود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى