الرأي والمقالات

عباس الماحى في نقطة سطر جديد.. العودة إليك يا وطني..

العودة إليك يا وطني

عباس الماحى

نقطة سطر جديد

العودة إليك يا وطني

******************

“قد تغادر الأجساد الأوطان، لكن الأرواح تبقى معلقةً بأرضها، تنبض باسمها، وتحن إلى ترابها مع كل نبضة قلب… فالوطن ليس مكانًا نسكنه، بل هو هوية تسكننا، وذاكرة لا تشيخ، ونبض لا يعرف الرحيل.”

ليس كل من غادر وطنه كان باحثًا عن الثراء أو عاشقًا للغربة، بل إن كثيرين حملتهم رياح الظروف الاقتصادية القاسية، وأجبرتهم الحروب والنزاعات على الرحيل، بحثًا عن لقمة عيش كريمة، ومستقبل أكثر أمانًا لأطفالهم، ويد تمتد بالعون إلى أسرة أنهكتها الحياة.

ما أقسى أن يودع الإنسان والدته وهي تخفي دموعها خلف ابتسامة الصبر، وأن يغلق باب منزله وهو يعلم أن سنوات قد تمضي قبل أن يعود ليطرق ذلك الباب من جديد… وما أشد مرارة أن يعيش بين الناس، بينما قلبه يقيم في وطن يبعد عنه آلاف الكيلومترات. فالغربة ليست خيارًا، ولا مجرد انتقال من بلد إلى آخر، بل هي امتحان يومي للصبر، واشتياق لا ينتهي، وحنين يتجدد مع كل خبر من الوطن، ومع كل مناسبة يغيب عنها الأحبة.

وفي بلاد المهجر يبدأ فصل جديد من الكفاح؛ ساعات عمل طويلة، وتعب لا يراه أحد، وتضحيات كبيرة يخفيها المغترب خلف ابتسامته حتى لا يزيد هموم أسرته. يقتصد في نفقاته، ويحرم نفسه من كثير من متع الحياة، حتى يرسل ما استطاع إلى والديه، وزوجته، وأبنائه، وأقاربه، وجيرانه، وأصدقائه، ليمنحهم حياةً أكثر كرامةً واستقرارًا… وفي كل تحويل مالي يرسله، قطعة من قلبه تسافر قبل المال، ورسالة تهمس وتقول: “ما زلت معكم… وإن فرقتنا المسافات.”

ولا يقتصر دور المغترب على إعالة أسرته، بل يمتد أثره إلى وطنه بأسره. فالعملات الأجنبية التي يرسلها تمثل رافدًا مهمًا للاقتصاد الوطني، وتدعم الاستقرار المالي، وتخفف من معاناة آلاف الأسر، وتحرك عجلة التنمية والاستثمار.

إن المغترب، وهو يعمل بصمت بعيدًا عن وطنه، يشارك في بناء اقتصاده، ويقدم لوطنه خدمة جليلة قد لا يراها كثيرون، لكنها تُحدث أثرًا عظيمًا في حياة الناس.

والمغترب ليس مجرد عامل أو موظف في بلد آخر، بل هو سفير لوطنه؛ فأخلاقه، وأمانته، واحترامه للقوانين والأنظمة، والتزامه بواجباته، كلها ترسم الصورة المشرقة لبلاده في عيون الآخرين. فإذا صدق في حديثه، وأخلص في عمله، واحترم المجتمع الذي يعيش فيه، فقد رفع اسم وطنه عاليًا، وأثبت أن أبناء وطنه أهل حضارة وقيم وأخلاق… إنه يحمل علم بلاده في سلوكه قبل أن يحمله في المناسبات، ويعكس الوجه الناصع لوطنه من خلال معاملاته اليومية، فيكون خير ممثل لشعبه وأمته.

ومهما حقق المغترب من نجاح، ومهما بنى حياةً مستقرةً في بلاد المهجر، فإن قلبه يبقى معلقًا بحلم واحد… العودة. فالسنوات التي يقضيها بعيدًا ليست إلا رحلة إعداد، يجمع فيها الخبرة، ويكتسب العلم، ويوفر المال، ليعود يومًا إلى وطنه، ويسهم في نهضته، ويشارك في بنائه وإعماره، ويغرس ثمرة غربته في الأرض التي أحبها منذ طفولته.

وفي هذه المرحلة التي بدأت فيها بشائر العودة تلوح في الأفق، لا يسعنا إلا أن نقف إجلالًا وتقديرًا لكل أبناء الوطن الأوفياء، ولكل من مد يد العون لتيسير رحلات العودة الطوعية إلى السودان. فالشكر والعرفان موصولان إلى الأشقاء في جمهورية مصر العربية، قيادةً وشعبًا، وإلى الأفراد، والشركات الخاصة، وشركات الطيران الوطنية والعالمية، ورجال الأعمال، والإعلاميين، والصحف، وكل من سطر حرفًا في حب الوطن، وأصحاب المبادرات الإنسانية، الذين أسهموا في تنظيم رحلات العودة، بالتنسيق مع سفارتنا، حتى يعود السودانيون إلى وطنهم العزيز، حاملين معهم الأمل والإصرار على إعادة بنائه وإعماره.

كما لا يفوتنا أن نثمن بكل الاعتزاز المبادرات الوطنية والإنسانية التي انطلقت في عدد من الدول العربية والإفريقية الشقيقة، حيث نُظمت رحلات العودة الطوعية بالتعاون مع الجاليات السودانية، والجهات الرسمية، وسفاراتنا، لتعيد آلاف السودانيين إلى أرضهم، في مشهد جسّد أروع صور التكاتف والتراحم. وستظل هذه المواقف المضيئة شاهدةً على أن أبناء السودان، أينما كانوا، يلتفون حول وطنهم حين يناديهم، وأن الأشقاء والأصدقاء يثبتون، في أوقات الشدة، أن الإنسانية لا تعرف الحدود.

إن هذه المواقف النبيلة تستحق الإشادة، وتستوجب رفع القبعات احترامًا وامتنانًا، لأنها تجسد أسمى معاني الوطنية، والتكافل الإنساني، والأخوة الصادقة، وتعكس عمق العلاقات التاريخية بين السودان وأشقائه، وتؤكد أن صداقة الشعوب الحقيقية تُولد في أوقات المحن، وتكبر بالأفعال قبل الأقوال.

ما أعظم الوطن… فهو الحضن الذي إن ضاقت بنا الدنيا اتسع لنا، وهو الاسم الذي إن ذُكر اغرورقت العيون وسالت الدموع، وهو الأرض التي لا يعوضها وطن آخر مهما اتسعت الدنيا… فحب الوطن ليس شعارًا يُرفع، بل عهد يُوفى، وعمل يُنجز، وتضحية تُقدم، ووفاء لا تزعزعه المسافات.

إن الوطن لا يُبنى بالأمنيات وحدها، بل بسواعد أبنائه في الداخل والخارج… وكل نجاح يحققه المغترب، وكل علم يتعلمه، وكل خبرة يكتسبها، وكل مشروع يخطط له، إنما هو رصيد مؤجل للوطن، ينتظر يوم العودة ليصبح حقيقة على أرضه.

وسيأتي ذلك اليوم… اليوم الذي تنتهي فيه سنوات الغربة، وتعود الخطوات إلى الطرقات التي حفظت أسماءنا، وتعود الأرواح إلى المكان الذي لم تغادره يومًا. سننزل من الطائرة، أو الباخرة، أو نعبر الحدود، فلا نرى مجرد أرض، بل نرى العمر كله واقفًا في انتظارنا.

سنركع لنقبل تراب وطن الجدود، لأنه ليس ترابًا فحسب، بل تاريخ كُتب بعرق الأجداد، وعزة حفظها الآباء، وكرامة أورثوها للأبناء… هو أرض النيلين، وأرض الحضارات الضاربة في أعماق الزمن، وأرض الكرم والشهامة والنخوة، وأرض الرجال والنساء الذين صنعوا المجد بالصبر والإيمان.

ستنساب الدموع دون استئذان… دموعًا لا تحمل حزنًا، بل تحمل عمرًا كاملًا من الشوق والصبر والوفاء. سنبكي لأننا عدنا، ولأن الوطن ظل ينتظرنا كما تنتظر الأم أبناءها؛ لا تسألهم لماذا غابوا، بل تحتضنهم لأنها تعرف أنهم ما غابوا إلا مجبرين.

سنقول للسودان، وقلوبنا ترتجف حبًا وهيبةً: عذرًا يا وطن الكبرياء… فما فارقناك زهدًا فيك، ولا استبدلناك بأرض سواك، ولكنها قسوة الأيام… وكل خطوة خطوناها بعيدًا عنك، كانت في حقيقتها خطوة نعود بها إليك أقوى، وأعلم، وأكثر قدرة على العطاء.

وسنعود… لا بأيدٍ فارغة، بل بعقول امتلأت علمًا، وسواعد اشتدت خبرة، وقلوب ازدادت عشقًا، لنغرس في كل شبر من أرضك بذرة أمل، ونبني مدرسة، ونشيد مصنعًا، ونزرع حقلًا، ونقيم مشروعًا، ونصنع مستقبلًا يليق باسمك.

يا سودان… يا مقرن النيلين، ويا بلد العزة والكرامة، ويا مهد الحضارات، ويا موطن النيل الذي علّم الدنيا معنى العطاء، ويا أرض الممالك العريقة التي كتبت تاريخها بحروف من نور… ستبقى أكبر من المحن، وأقوى من الجراح، وأجمل من كل ما أصابك.

سيعود أبناؤك من كل فج، يحملون حقائبهم المزدانة بذكريات الغربة وآمال العودة، وعقولًا امتلأت بالخبرة، وقلوبًا امتلأت بالوفاء، وأرواحًا لم تنس يومًا أن لها وطنًا اسمه السودان. سيعودون ليكتبوا معًا فصلًا جديدًا من تاريخك، لا بالحبر، بل بالعمل، ولا بالشعارات، بل بالإخلاص، ولا بالكلمات، بل بسواعد تبني، وقلوب تؤمن بأن السودان يستحق أجمل الأحلام.

وسيظل وعدنا لك ما بقي فينا نفس: لن تكون الغربة نهاية الحكاية، بل ستكون بداية العودة. سنعود إليك يا سودان، لأنك لست وطنًا على خارطة العالم، بل أنت العالم الذي يسكن قلوبنا. أنت أول الحكاية، وآخر الدعاء، وأجمل الأمنيات، وأغلى الأمانات.

وإن سألنا الناس يومًا: أين وطنكم؟ فلن نشير إلى مكان على الخريطة، بل سنضع أيدينا على قلوبنا ونقول بكل فخر:

هنا… هنا يسكن السودان.

وأعزُّ مكانٍ… وطني السودان.

العودة إليك يا وطني

بصيرتي برس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى