مدارات للناس بقلم: هاشم عمرجلد الذات.. بين ألم السوط والترويح عن الروح

مدارات للناس
هاشم عمر
جلد الذات

جلد الذات.. بين ألم السوط والترويح عن الروح
في التراث الشعبي الشفاهي، وتحديداً على شواطئ ساحل البحر الأحمر حيث تتمازج الحضارات وتتلاقى الإيقاعات الأفريقية الساخنة بالنغمات العربية، يقف طقس “الزار” شاهداً على رحلة الإنسان القديمة في البحث عن التعافي والسكينة. ليس الزار مجرد ممارسة فولكلورية أو استحضار غيبي عابر، بل هو منظومة طقسية صارمة تُدار وفق قوانين دقيقة، وارتبطت عبر التاريخ بأصحاب الذوق الرفيع والمزاج العالي، ممن يبحثون عن مخرج من وعثاء الحياة وصخبها المتواصل.
ولعل أكثر ما يثير الدهشة والتأمل في هذا الطقس التطهيري، هو ذلك المشهد الدرامي الذي يخضع فيه المريض لـ “جلد الذات” بالسوط، دون أن تبدو عليه علامات الألم أو الجزع. وهي ظاهرة استوقفت مفكرين وأدباء، وفي مقدمتهم الأديب الكبير عباس محمود العقاد، الذي قدم لها تحليلاً نفسياً عميقاً؛ إذ يرى أن المريض حين يجلد جسده أثناء الجذبة الإيقاعية، لا يكون في حقيقته يجلد نفسه، بل يكون في حالة تلبس تام بالشخص أو الكائن الذي تسبب في أذيته أو قهر وجدانه مسبقاً. إن السوط هنا يقع رمزياً وحسياً على “الآخر” القابع في الداخل، ليتحول الفعل من مجالدة بدنية مؤلمة إلى تفريغ نفسي وانتقام شعوري يحرر الروح من قيد السيطرة والوجع.
إن الزار في كنهه—كما تروي أدبيات الساحل وتداخلاته الثقافية بين المالد والسامري والزار الحبشي والمغربي الخواجه .وازرق بنده هو محاولة للاستشفاء عن طريق الفن. يمتزج فيه عبق البخور والعطور الفاخرة بالنغمات الساحرة التي تلامس الأغنية الخاصة بكل مريض؛ تلك الأغنية التي تبحر به في عوالم قصية، وتدغدغ مشاعره ليجد في نهايتها استراحة من عناء الوجود. وما الصوت والضرب على الأجساد إلا وسيلة لتطهير الروح من الأرواح الشريرة أو الترسبات النفسية الكئيبة، تماماً كما تُطهَّر الجراح.
إن القراءة المتأنية لمثل هذه الممارسات الشعبية تشير إلى أن المجتمعات قد ابتكرت عبر تاريخها آليات معقدة للتعافي النفسي والعصبي قبل ظهور المدارس التحليلية الحديثة. فبين لغة “الأجو” الحبشية القديمة التي استمدت منها الكلمة أصلها، وبين إيقاعات بورتسودان والسواحل الممتدة، يظل الزار بكل تفاصيله حكاية إنسانية عن البحث عن التوازن وفي شرق السودان تحديدا ولايه البحر الأحمر ينتشر الزار .ويتميز عدد من مطربي الولاية بغناء الزار منهم صالح آدم اوهاج عمر ومحمد البدري واخرون وفي فتره الثمانيات وبدايه التسعينات .كان لدي شيوخ الزار في بورسودان دار مثل اتحاد الفنانين في امدرمان يفتح أبوابه علي مدار ساعات اليوم .اختفى الان
إن “جلد الذات” في طقس الزار ليس ممارسة للتعذيب بقدر ما هو صرخة للتحرر، واسترجاع للسيطرة على الذات المغتصبة، ليعود المرء بعد صخب الطبل وعبق البخور إلى هدوئه، وقد أفرغ شحنات الألم في فضاء الموسيقى والتاريخ.