هل غادر الكُتّاب من متردَّم؟
عباس الماحي يتأمل زمن تكرار الأفكار والخبراء الافتراضيين، ويبحث عن زاوية جديدة وسط زحام الكلام

عباس الماحى
نقطة سطر جديد
هل غادر الكُتّاب من متردَّم؟
***********************
يبدو أن عنترة بن شداد لم يكن يتحدث عن الشعراء وحدهم حين قال:
هل غادر الشعراء من متردمِ
أم هل عرفتَ الدارَ بعد توهّمِ؟
فلو عاد عنترة اليوم، وفتح هاتفه، وتصفّح المواقع الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي، ثم تنقّل بين المقالات والمنشورات، لربما أعاد السؤال نفسه، ولكن بصيغة عصرية: هل غادر الكُتّاب موضوعًا لم يكتبوا فيه بعد؟
فكل شيء تقريبًا قيل، وكل موضوع وجد طريقه إلى مقال، وتغريدة، ومنشور، وتعليق، وتحليل، وتعقيب على التحليل، وتعليق على التعقيب. وإذا وقع حدث صغير في مكان ما، فما هي إلا دقائق حتى يصبح له عشرات الخبراء والمحللين والمفسرين، وكل واحد منهم يملك الرواية التي لم تخطر على بال أحد!
والأطرف من ذلك أننا أصبحنا نعيش زمنًا يبدو فيه أن بعض الناس قد قرروا أن يعرفوا كل شيء: في السياسة خبير، وفي الأدب ناقد، وفي الثقافة مفكر، وفي الفن فنان، وفي الرياضة محلل، وفي الاقتصاد مستشار، وفي التاريخ مؤرخ، وفي الطب أحيانًا طبيب، وفي القانون رجل قانون… ولا أدري متى يجد هؤلاء وقتًا للنوم!
أما أصحاب المهن وأهل الاختصاص الحقيقيون، فكثير منهم يكتفي بالصمت، وهو يرى ما يراه من المهازل، وربما يتساءل في نفسه: هل يستحق الأمر أن أدخل في نقاش مع شخص قرأ عنوانًا في موقع ما فأصبح خبيرًا في مجالي؟
والمشكلة ليست في أن يتحدث الإنسان أو يبدي رأيه؛ فالرأي حق للجميع، والاختلاف سنة الحياة. وإنما المشكلة حين يتحول الرأي إلى حقيقة، والانطباع إلى معلومة، والتخمين إلى تحليل، ثم تُبنى عليه قصة كاملة لا أصل لها.
وأحيانًا يقترح أحدهم كذبة من عنده، ثم يصدقها هو أولًا، وبعد دقائق ينشرها، فيأتي آخر فينقلها باعتبارها معلومة، وثالث يضيف إليها تفصيلًا من خياله، ورابع يقول: «هناك مصادر تؤكد ذلك»، من غير أن نعرف من أين جاءت المصادر، ولا أين اختفت الحقيقة!
وهكذا تصبح الأكذوبة، بعد عدة عمليات من التداول والتزيين والتعليق، أكثر حضورًا من الحقيقة نفسها.
حتى الموضوعات التي ظننا أنها لا تحتمل الكتابة، وجدنا من يكتب فيها. وإن لم يجد الكاتب جديدًا يقوله، أعاد القديم في ثوب جديد، وغيّر العنوان، وأضاف صورة مناسبة، ووضع في النهاية سؤالًا مفتوحًا من قبيل: «ما رأيكم؟» وكأن البشرية كانت تنتظر رأيه حتى يكتمل لديها فهم الموضوع.
لقد أصبحنا أمام حالة طريفة: الكاتب يبحث عن موضوع، والموضوع يبحث عن معنى، والقارئ يبحث عن شيء لم يقرأه من قبل، والخبراء الافتراضيون يبحثون عن أي شيء يتحدثون عنه!
نفتح موقعًا فنجد مقالًا عن الموضوع نفسه الذي قرأناه قبل قليل في موقع آخر، ثم ننتقل إلى منصة اجتماعية فنجد منشورًا يلخص المقال، ثم يأتي آخر ليختلف مع الملخص، ثم ثالث ليشرح لماذا اختلف الثاني مع الأول، وفي النهاية نكتشف أننا أمضينا ساعة كاملة في متابعة موضوع لم يضف لنا معلومة واحدة!
ولعل المعضلة الحقيقية ليست في كثرة الكتابة، فالكلام الجميل لا يضيق به العالم، وإنما في أن كثرة الكلام أحيانًا تجعل العثور على الفكرة أصعب من العثور على إبرة في كومة من المقالات.
لقد صار من الصعب أن تكتب عن قضية من غير أن تجد أنك سبقت إليها، وأن تقول رأيًا من غير أن تكتشف أن أحدهم قاله قبل سنوات، وأن تأتي بفكرة فتجدها قد ظهرت في مكان ما، ثم أعيد تدويرها، ثم أعيد تدوير تدويرها، حتى لم يعد أحد يعرف أين كانت البداية!
ومع ذلك، لا أظن أن المشكلة في أن الموضوعات قد انتهت تمامًا؛ فالإنسان نفسه لم ينتهِ، والحياة لم تتوقف، والأسئلة الجديدة تولد كل يوم… لكن يبدو أن الطريقة التي نكتب بها هي التي بدأت تتشابه.
نحن لا نفتقر بالضرورة إلى الموضوع، بقدر ما نفتقر إلى الزاوية الجديدة التي ننظر منها إليه.
وربما نحتاج أيضًا إلى شيء آخر: أن نتعلم فضيلة الاعتراف بحدود معرفتنا. ليس عيبًا أن يقول الإنسان: «لا أعرف». بل لعلها واحدة من أكثر الجمل احترامًا للعقل.
فليس مطلوبًا من الكاتب أن يكون سياسيًا وأديبًا ومثقفًا وفنانًا ورياضيًا واقتصاديًا ومؤرخًا وخبيرًا في كل شيء. وليس مطلوبًا من كل من حمل هاتفًا أن يصبح مرجعًا في كل ما يحدث حوله.
هناك فرق كبير بين أن يكون للإنسان رأي، وأن يتحدث باسم المعرفة. وبين أن يسأل، وأن يفتي. وبين أن يشارك في النقاش، وأن يتقمص دور الخبير.
ولعل صمت أهل الاختصاص أحيانًا
لمتابعة أحدث الأخبار والتقارير الحصرية والتحليلات المعمّقة تابعونا على صفحتنا الرسمية على فيسبوك
تابع آخر المستجدات والأخبار العاجلة عبر قناة بصيرتي برس على واتساب