عباس الماحى في نقطة سطر جديد :البكاء على الأطلال


عباس الماحى
نقطة سطر جديد
كان الحب دينًا من الوفاء، لا نزوةً من الهوى، وعهدًا لا موعدًا.
ليس الوقوف على الأطلال مجرد عادةٍ أدبية، أو صورةٍ شعريةٍ رسمها شعراء الجاهلية في مطالع قصائدهم، وليس دمعةً أراقها عاشقٌ على دارٍ خلت من أهلها ثم مضى؛ بل هو فلسفةُ حبٍّ كاملة وميثاق، ومدرسةٌ في الوفاء، ودرسٌ خالدٌ يؤكد أن القلوب العظيمة لا تنسى من أحبت، وإن غابت الوجوه، وتهدمت البيوت، وعبرت فوقها مئات السنين، ولا يزال صداها يتردد في صفحات الزمن.
كانوا يشدون الرحال عبر الفيافي، ويقاسون حر الصحراء، ويواجهون مشقة السفر، لا طمعًا في لقاءٍ قريب، وإنما ليقفوا حيث كانت محبوباتهم، وليجلسوا بين بقايا الديار، يستنطقون الحجارة، ويحادثون الرمال، وكأنها تحفظ أنفاس الأحبة وخطواتهم.
كان العربي إذا مر بديار محبوبته، خلع عن قلبه قسوة الصحراء، وألبسه رقة الحنين. يقف طويلًا، لا ينتظر جوابًا من جدار، ولا يسمع ردًّا من نافذة، ولكنه كان يعلم أن للمكان ذاكرةً لا تموت، وأن الرمال تحفظ وقع الأقدام كما تحفظ القلوب نبض العشاق.
ولذلك بدأ كبار الشعراء قصائدهم بالوقوف على الأطلال؛ لأن الحب عندهم لم يكن حديثًا يبدأ باللقاء، بل كان يبدأ بالوفاء.
وما زالت معلقة امرئ القيس تتردد في آذان الأدب العربي وهو يقول:
قِفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ
بسقط اللوى بين الدخول فحوملِ
لم يقل: «قفا ننسَ»، بل قال: «قفا نبكِ»؛ لأن البكاء عند الصادقين ليس ضعفًا، وإنما شهادةٌ بأن القلب ما زال حيًّا.
ولم يكن قيس بن الملوح عاشقًا لليلى لأنها أجمل النساء، بل لأنه رأى فيها وطنًا لا يغادره، حتى بعدما فرقت بينهما الأيام. عاش بقية عمره يناجي اسمها، ويأنس بذكرها، ويحادث الرياح لعلها مرت بديارها.
ولم يكن جميل بن معمر يذكر بثينة في شعره طلبًا لشهرة، وإنما لأنه وجد أن الحياة بلا وفاء لا تستحق أن تُعاش، فقال:
وإني لأرضى من بثينة بالذي
لو أبصره الواشي لقرت بلابله
أما كثير عزة، فقد جعل اسم محبوبته يسافر مع قصائده حتى صار خالدًا بخلود شعره، وأما عنترة بن شداد فقد خاض الحروب، لا ليقال إنه فارس العرب، وإنما ليكون أهلًا لأن يقول لعبلة إن الحب لا يكتمل إلا بالعزة والشرف.
هؤلاء لم يكونوا يملكون وسائل التواصل، ولا صورًا تحفظ الذكريات، ولا رسائل تصل في ثوانٍ، ولكنهم امتلكوا ما هو أعظم من ذلك كله… قلوبًا لا تعرف الخيانة، ولا تجيد النسيان.
ليس الحب أن تبقى مع من تحب، بل أن يبقى الوفاء في قلبك، وإن حالت بينكما الدنيا.
كان العاشق منهم يقطع مئات الأميال تحت شمسٍ محرقة، يمتطي ناقته أيامًا وليالي، لا ليطرق باب محبوبته، بل ليقف عند باب دارها بعد رحيلها.
يجلس فوق الرمال، يلامس الأحجار التي لامست أقدامها، وينظر إلى جدارٍ تهدم نصفه، وكأنه يرى بين شقوقه ضحكتها، ويسمع بين أنقاضه همسها.
أي وفاءٍ هذا، الذي يرى في ديارٍ خربةٍ قصرًا عامرًا، لأن ساكنها مر من هنا يومًا؟ فقد كانت الديار عندهم وطنًا للمشاعر.
وأي حبٍّ يجعل الإنسان يعانق الذكرى أكثر مما يعانق الواقع؟
لقد كانوا يعلمون أن الأماكن تكتسب قيمتها بمن سكنها، وأن التراب الذي وطئته أقدام الأحبة ليس كغيره من التراب.
كانت الأطلال كتابًا مفتوحًا تقرأ فيه القلوب ما عجزت العيون عن رؤيته. كان أحدهم يجلس وسط الحطام، فلا يرى الخراب، بل يرى ابتسامةً كانت تشرق من نافذة، وصوتًا كان ينساب مع نسيم المساء، وخطواتٍ حفظتها الأيام في ذاكرته قبل أن تحفظها الرمال.
إذا مات الحب عند أول غياب، فما كان حبًّا، بل كان إعجابًا؛ فقد كانت دمعته شهادةً بأن الحب لا ينتهي بالغياب، وأن الوفاء لا يعرف التقادم.
أما اليوم…
فقد أصبح الحب عند كثير من شبابنا رهين إشعارٍ في هاتف، أو رسالةٍ تُقرأ ثم تُنسى، أو صورةٍ تُستبدل بأخرى.
أصبح الوصال سهلًا، ولكن الوفاء أصعب من أي وقتٍ مضى.
صرنا نعرف كيف نبدأ العلاقات، لكننا لا نعرف كيف نحفظها.
وصار البعض يظن أن كثرة الخيارات دليل سعادة، بينما الحقيقة أن كثرة البدائل تُفقر القلب إذا غاب عنه الإخلاص.
القلوب التي تتبدل سريعًا لا تعرف معنى الوطن، ولا تعرف معنى الحب.
لسنا ندعو شبابنا إلى أن يعيشوا حياة قيس، ولا أن يهيموا في الصحارى كما هام جميل، ولكننا ندعوهم إلى أن يتعلموا منهم قيمةً أصبحت نادرة.
أن يتعلموا أن الوعد مسؤولية، وأن الكلمة عهد، وأن من أحب بصدق، لا يطعن من أحب إذا افترقا، ولا يمحو الجميل لأن النهاية لم تكن كما اشتهى.
لقد كان أسلافنا يختلفون، ويفترقون، وربما حالت القبائل بينهم وبين من أحبوا، لكنهم لم يحولوا الحب إلى كراهية، ولم يجعلوا الخلاف سببًا لهدم الذكريات.
ليس الرجل من كثرت قصصه، بل من بقي وفيًّا لقصةٍ واحدة.
إن الأمة التي تفقد معنى الوفاء، تفقد شيئًا من روحها.
فالوفاء لا يكون للحبيب وحده، بل للوالدين، وللأصدقاء، وللوطن، وللمعلم، ولكل يدٍ امتدت إلينا بالخير.
ومن اعتاد الوفاء في الحب، كان وفيًّا في حياته كلها.
ولهذا بقيت أسماء قيس، وجميل، وكثير، وعنترة، لا لأنهم أحبوا فقط، بل لأنهم علّموا الدنيا كيف يكون الحب حين يمتزج بالكرامة، وكيف يكون العشق إذا تزين بالإخلاص.
إنهم لم يورثونا قصائد فحسب، بل ورثونا ضميرًا أدبيًّا يقول لنا إن القلب الذي ينسى الجميل سريعًا، لا يستطيع أن يبني مستقبلًا كريمًا.
فيا شباب هذا الزمان…
إن الحضارة لا تُقاس بسرعة التقنية، ولا بعدد المتابعين، ولا بكثرة العلاقات، وإنما تُقاس بقدرة الإنسان على أن يكون وفيًّا.
إن أجمل ما ورثناه من أولئك الشعراء ليس أبياتهم الخالدة، بل القيم التي حملتها تلك الأبيات؛ فقد تركوا لنا درسًا لا تبليه القرون.
تعلموا من قيس أن الحب ليس امتلاكًا، بل إخلاص.
وتعلموا من جميل أن العهد لا يسقط بتقادم السنين.
وتعلموا من عنترة أن الحب يرفع صاحبه إلى مكارم الأخلاق، ولا يجره إلى صغائر النفوس، وأن الحب موقف، وأن الوفاء عبادةٌ للقلب، وأن الإخلاص لا يحتاج إلى شاهدٍ إلا الضمير، وأن العاشق لا يخجل من الحنين، ولا يستحي من دمعةٍ سالت عند أطلالٍ خلت من أهلها.
فإذا مررتم يومًا بمكانٍ جمعكم بمن تحبون، فلا تنظروا إليه على أنه حجارةٌ وتراب، بل انظروا إليه كما نظر إليه شعراؤنا الأوائل؛ شاهدًا على زمنٍ جميل، ومعلمًا يذكرنا بأن أعظم ما في الحب ليس اللقاء… بل الوفاء.
فالديار قد تهدمها السنون، والأشجار قد تيبس، والوجوه قد تغيب، لكن القلوب التي سكنها الإخلاص لا تعرف الخراب أبدًا.
فلا تجعلوا الحب سلعةً يغيرها المزاج، ولا تجعلوا الوفاء خلقًا منسيًّا في زحام الحياة، ولا يكن حبكم سريع الاشتعال، سريع الانطفاء، تحكمه نزوات اللحظة، وتبدده مغريات الطريق؛ فإذا تبدلت الظروف تبدلت المشاعر، وإذا غاب الحبيب حضرت البدائل.
واعلموا أن الأمم لا تُبنى بقوة السواعد وحدها، ولا بعظمة العمران فحسب، وإنما تُبنى أولًا بصدق القلوب، وثبات المبادئ، وحفظ العهود… وإذا مات الوفاء في النفوس، فلن تحييها كثرة الإنجازات، وإن بقي حيًّا، استطاع أن يرمم ما هدمته الأيام. فكونوا أوفياء في الحب، أوفياء في الصداقة، أوفياء في الأسرة، أوفياء للوطن، فإن الإنسان لا يُخلَّد بما جمع، بل بما حفظ، ولا يُذكر بما قال، بل بما وفى. وستبقى الأمم بخير ما بقي فيها رجالٌ ونساءٌ إذا أحبوا صدقوا، وإذا وعدوا وفوا، وإذا رحل الأحبة حفظوا لهم الود؛ لأن الوفاء ليس ذكرى من الماضي، بل هو أعظم ما يحتاجه المستقبل، وأبقى ما يتركه الإنسان بعد رحيله.
لمتابعة أحدث الأخبار والتقارير الحصرية والتحليلات المعمّقة تابعونا على صفحتنا الرسمية على فيسبوك بصيرتي https://www.facebook.com/share/1GASKuGafY/