Uncategorizedإجتماعيةالأخبار المحلية

ليس كل حضورٍ في مناسبة توثيقًا، وليست كل صورة تُلتقط أمام عدسة الكاميرا شهادةً مكتملة على حدث

عباس الماحي

عباس الماحى

نقطة سطر حديد

ما بين التوثيق والدعاية

********************

ليس كل حضورٍ في مناسبة توثيقًا، وليست كل صورة تُلتقط أمام عدسة الكاميرا شهادةً مكتملة على حدث، كما أن تكرار الظهور الإعلامي وتداول الصور والأسماء لا يعني بالضرورة أننا أمام مادة صحفية مكتملة الأركان.

فبين التوثيق والدعاية مساحة واسعة، لا يفصل بينهما سوى وعي الكاتب والصحفي، وقدرته على إدراك أن مهمته لا تتوقف عند تسجيل اللحظة، وإنما تمتد إلى حفظ الوقائع، وتقديمها للقارئ كما جرت، بسياقها وتفاصيلها ودلالاتها، لا بالصورة التي يرغب البعض في أن يراها بها.

والتوثيق، في جوهره، ليس مجرد تسجيل لما حدث، بل هو حفظ للوقائع من الضياع، وتنظيمها في سياق يتيح فهمها والرجوع إليها لاحقًا… فهو ينقل الواقعة من لحظتها إلى سجل يمكن للأفراد والمؤسسات والمجتمعات والأجيال اللاحقة استعادته وفهمه والاستفادة منه.

ولهذا يقوم التوثيق الجيد على مجموعة من العناصر المتكاملة: المعلومة، والدقة، والسياق، والتسلسل الزمني، والمصدر، والشهادة، والدلالة.

فأن تقول إن مناسبةً ما أُقيمت، وإن فلانًا حضرها، وإن مجموعةً من الشخصيات التُقطت لها الصور، فهذا تسجيل لواقعة الحضور، لكنه لا يكفي بالضرورة لتوثيق المناسبة نفسها.

فالتوثيق أوسع من تسجيل اللحظة، ويمكن النظر إلى التوثيق المهني بوصفه عملية جمع المعلومات والوقائع المتعلقة بحدث أو مناسبة أو فكرة أو ظاهرة، والتحقق منها وتنظيمها وإعادة تقديمها للقارئ أو المشاهد ضمن سياق واضح، بما يحفظ تفاصيلها وأهميتها ونتائجها، ويتيح فهمها والرجوع إليها في المستقبل.

أما الفيلم الوثائقي، فهو عمل سمعي بصري غير روائي يستند إلى وقائع أو أحداث أو قضايا من العالم الواقعي، ويعتمد على البحث وجمع المواد والشهادات والصور والتسجيلات وغيرها من الأدلة، بهدف تقديم موضوعه بصورة تفسيرية أو توعوية أو معرفية، وقد يجمع بين التوثيق والسرد والمعالجة الفنية.

وهنا يظهر الفرق بين مجرد تسجيل ما تراه العين، وبين بناء مادة تساعد المتلقي على فهم ما وراء المشهد.

فالتوثيق لا يسأل فقط: ماذا حدث؟

بل يسأل أيضًا: ما تفاصيل الحدث؟ من شارك فيه؟ ما نتائجه ومخرجاته؟ وقبل كل ذلك، ما قيمته التي تجعله جديرًا بأن يُحفظ في الذاكرة؟

وهذه التفاصيل هي التي تنقل المادة من مجرد تسجيل للحضور إلى توثيق للحدث.

حين يكتب الصحفي عن تاريخ منشأة أو منظمة، فإنه لا يكتفي بذكر اسمها أو تاريخ تأسيسها، بل يتحرى الدقة في سرد بداياتها، وفكرة إنشائها، ومراحل تطورها، وتغير مسمياتها أو هياكلها، وأبرز المحطات التي مرت بها، وما قدمته في المجال الذي تنتمي إليه.

وحين يوثق مناسبة أو فعالية، فإنه لا يكتفي بإثبات وجود الأشخاص فيها، بل يسجل موضوعها وأهدافها ومحاورها والمشاركين فيها، وأبرز ما دار خلالها، ونتائجها ومخرجاتها، وما يمكن أن تضيفه إلى المجتمع أو إلى المجال الذي تنتمي إليه.

التوثيق لا يحفظ صورة الحدث فقط؛ بل يحفظ معناه.

فالصورة ليست توثيقًا مكتملًا، لأن التوثيق أوسع من تسجيل اللحظة، ويمكن النظر إليه بوصفه عملية جمع المعلومات والوقائع المتعلقة بحدث أو مناسبة أو ظاهرة، والتحقق من تفاصيلها من مصادرها.

وهذه النقطة كثيرًا ما تغيب عندما تختلط الصحافة بالدعاية.

فالصورة، مهما كانت جميلة أو لافتة، لا تكفي وحدها لصناعة توثيق متكامل. قد تحفظ هيئة المكان، ووجوه الحاضرين، ولحظة التكريم أو الاجتماع أو المصافحة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تجيب عن الأسئلة التي يبحث عنها القارئ: ما موضوع المناسبة؟ ماذا جرى خلالها؟ ما أهميتها؟ من شارك فيها؟ وما أبرز نتائجها؟ وما الذي يجعلها جديرة بالنشر أصلًا؟

هنا تبدأ مسؤولية الكلمة.

الصورة تحفظ المشهد، لكن الكلمة تحفظ السياق.

الصورة تقول: «هذا الشخص كان هنا».

أما الصحافة المهنية فتسأل: لماذا كان هنا؟ ماذا فعل؟ ماذا أضاف؟ وما الذي يستحق أن يعرفه القارئ عن حضوره؟

ومن هنا يمكن فهم الفارق بين أن تكون الكاميرا حاضرة، وأن يكون التوثيق حاضرًا.

فالتوثيق الصحفي ليس أرشيفًا للصور، ولا قائمةً بالأسماء، وإنما تقديم صورة متكاملة عن الحدث، تستند إلى المعلومات وتضعها في سياقها.

فالخبر الذي يقول إن فلانًا حضر مناسبة، أو إن مجموعة من الشخصيات اجتمعت والتقطت الصور، قد يثبت الحضور، لكنه لا يقدم بالضرورة توثيقًا مهنيًا للمناسبة.

والتغطية الجادة لا تحتاج إلى المبالغة، ولا إلى العبارات المنمقة التي تصف كل مناسبة بأنها استثنائية، ولا إلى تحويل كل حضور إلى إنجاز، وكل صورة إلى بطولة، وكل مشاركة إلى حدث إعلامي كبير.

الإشادة المهنية تستند إلى الوقائع والإنجازات، لا إلى المجاملة.

وهنا يختلف التقدير المهني عن الدعاية.

فالقلم المهني لا يعادي الأشخاص، لكنه في الوقت نفسه لا يجامل على حساب الحدث ومضمونه. والمهنية لا تعني أن يتحول الصحفي إلى خصم للأشخاص أو أن يتجاهل حضورهم وجهودهم، وإنما تعني أن يضع كل عنصر في موضعه المناسب.

فالصحفي الذي يحترم قلمه يدرك أن أجمل صورة ليست بالضرورة أهم خبر، وأن أكثر الأشخاص ظهورًا ليس بالضرورة هو محور الحدث.

ومن حق من يستحق الإشادة أن ينالها، ومن حق الفعالية الناجحة أن تحصل على تغطية تليق بها، لكن قيمة التغطية لا تكمن أهميتها بعدد الصور ولا بكثرة الأسماء، وإنما في قدرتها على منح القارئ معلومة مفيدة، وفهمًا أوضح، وإضافة معرفية.

أما حين يصبح الهدف إرضاء الأشخاص ومجاملتهم، فإننا نبتعد عن التوثيق الصحفي ونقترب من الدعاية التي ترتدي ثوب الصحافة، فتتحول التغطية من سجل للحدث إلى منصة للترويج للأشخاص.

وهنا يجب ألا نسمح للمجاملة بأن تضعف مهنتنا.

القلم أمانة، والصورة شهادة، والكلمة مسؤولية.

والعلاقات تبقى علاقات، أما الصحافة فلها قواعدها.

الأخطر من الدعاية الصريحة أن تتسلل إلى الصحافة من بوابة التوثيق؛ لأن الترويج حينها لا يظهر في صورته المباشرة، بل يرتدي مظهرًا مهنيًا قد يمنحه شرعية لا يستحقها.

وقد تبدأ القصة بتنازل صغير: صورة لا تحمل قيمة خبرية كافية، أو اسم يُذكر بلا صلة بموضوع المادة، أو حضور يُضخّم، أو عبارة مجاملة تُضاف إلى نص صحفي.

ثم يتحول الاستثناء إلى عادة، والعادة إلى منهج وأسلوب عمل.

في كل مناسبة، هناك من يأتي لأنه صاحب دور، وهناك من يحضر لأنه جزء من الحدث، وهناك من يشارك بوصفه ضيفًا أو مهتمًا أو مساهمًا.

لكن هناك، في المقابل، من ينظر إلى المناسبة باعتبارها فرصة للظهور أكثر من كونها مساحة للمشاركة.

هذا النوع من الحضور لا يبحث عن مضمون الحدث بقدر ما يبحث عن موقعه في الصورة، ولا يهتم كثيرًا بما قيل بقدر اهتمامه بمن يقف إلى جواره، ولا يسأل عن القيمة التي يمكن أن يضيفها بقدر ما يسأل:

كيف أظهر؟

ومع من أظهر؟

وأين يمكن أن تُلتقط لي الصورة؟

وهنا تظهر إحدى الظواهر اللافتة في المشهد الإعلامي والاجتماعي المعاصر: السعي إلى الظهور من خلال الآخرين، ومحاولة الاستفادة من نجاحهم أو شهرتهم لصناعة حضور شخصي.

المتسلق لا يصنع المشهد، بل يبحث عن زاوية فيه

قد تصل الكرة إلى المرمى من خارج منطقة الجزاء، فتتعالى صيحات الجماهير، ويتسابق الزملاء إلى صاحب التسديدة لتهنئته.

لم يكن الطريق أقصر، ولم تكن المسافة أسهل، لكن قيمة الهدف تكمن في قدرة اللاعب على إحرازه من موقع لم يتوقعه الآخرون.

وكذلك الحياة؛ فليست قيمة الوصول دائمًا في المكان الذي وصلت إليه، بل في الطريق الذي سلكته حتى وصلت.

فالذي يبحث عن أقصر الطرق إلى الواجهة لا يبني مكانته بالضرورة بخطواته، وإنما قد يتسلل إلى المشهد من خلال أصحاب الحضور، ويستعير من وهج الآخرين ما يضيء به صورته.

قد لا يكون له دور واضح في الحدث، ولا مشاركة مؤثرة فيه، ولا إضافة تبرر حضوره الإعلامي، لكنه يحرص على أن يكون حاضرًا في الصورة، قريبًا من المسؤولين أو المشاهير، ثم يعيد نشر تلك اللحظة وكأنها شهادة على مكانته.

وهنا يصبح السؤال مشروعًا:

هل نحن أمام شخص شارك في صناعة الحدث، أم أمام شخص حاول أن يصنع لنفسه حضورًا من خلال الحدث؟

الفرق كبير.

فمن يتخذ الظهور وسيلة لصناعة المكانة لا يحتاج بالضرورة إلى إنجاز يُذكر؛ يكفيه أن يجد شخصًا ناجحًا يستند إلى حضوره، أو مناسبة لامعة يستفيد من بريقها، أو صورة جماعية تمنحه مساحة لم يكن ليحصل عليها منفردًا.

إنه يريد النتيجة دون مقدماتها، والظهور دون استحقاقه، والمكانة دون أن يدفع ثمنها من جهد أو تجربة أو إنجاز.

وقد يتحول الأمر إلى سلوك متكرر: حضور المناسبات، والاقتراب من الشخصيات المعروفة، والتقاط الصور، ونشرها بكثافة، والإيحاء بعلاقات أو مكانة، ثم تحويل تلك الصور إلى مادة لبناء صورة ذهنية عن الذات.

وهكذا يصبح الظهور بديلًا عن الإنجاز، والصورة بديلًا عن المشاركة، والقرب من الناجحين بديلًا عن النجاح.

ولا تكمن المشكلة في الصورة ذاتها، ولا في حضور المناسبات، وإنما في أن تتحول الصورة إلى وسيلة لصناعة مكانة غير مستندة إلى إنجاز، أو أن تُستخدم التغطية الإعلامية لمنح هذا الحضور شرعية لا يستند إليها.

فمن يبني مكانته على أكتاف الآخرين قد يجد نفسه مضطرًا في كل مرة إلى البحث عن شخص جديد يحمله إلى المحطة التالية، وحينها تتحول المكاسب السريعة إلى خسارة مؤجلة.

سرعة الانتشار ليست دليلًا على القيمة، وقد ينتهي بريق العلاقات، بينما يبقى ما صنعه الإنسان بجهده وعمله.

هناك من يسعى إلى الانتشار، وهذا أمر مفهوم؛ فالصورة والمنصات الرقمية أصبحتا من أدوات الحضور العام.

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح غاية، ويتحول السعي إليه إلى محاولة لاستخدام الصحافة بوصفها رافعة شخصية.

عندها يصبح الصحفي مطالبًا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بمنح مساحة إعلامية لشخص أو جهة لا تملك بالضرورة قيمة خبرية تستحق التغطية.

وهنا يجب أن يمتلك الكاتب والصحفي وعيًا مهنيًا يكفي للفصل بين العلاقة الاجتماعية والواجب الصحفي.

فليس كل من نعرفه يستحق مادة صحفية، وليس كل من حضر مناسبة يستحق أن يكون عنوانها، وليس كل صورة جماعية تحتاج إلى قصة تُكتب حولها.

فالصحافة ليست دفتر مجاملات، وليست سجلًا للعلاقات الاجتماعية.

كما أن أدوات نجاحها ليست بعدد الصور المنشورة، ولا بكثرة الأسماء الواردة في المادة، وإنما بقدرتها على تقديم معلومات موثوقة ومفيدة ومرتبطة بما يهم القارئ.

قد يقول البعض: ما المشكلة في أن نجامل شخصًا نعرفه؟ صورة هنا، وذكر اسم هناك، وتغطية بسيطة لمناسبة حضرها صديق أو قريب أو شخصية تربطنا بها علاقة اجتماعية.

لكن المشكلة ليست في الصورة الواحدة، وإنما في المعيار الذي قد تكرسه تلك الصورة.

فكل تنازل صغير عن المعايير المهنية يمكن أن يمهد لتنازل أكبر، حتى يجد الكاتب نفسه بعد وقت يكتب ما يريده الآخرون، لا ما يقتضيه الحدث، ويمنح المساحة لمن يطلبها، لا لمن يستحقها، ويبحث عن إرضاء الأشخاص بدلًا من نقل الوقائع بمهنية.

وعندها يمكن للمجاملة أن تبتلع المهنة، إن صح التعبير.

وحينها يفقد القارئ قدرته على التمييز بين الخبر والإعلان، وبين التغطية الصحفية والمادة الدعائية، وبين الكاتب الذي ينقل الوقائع والكاتب الذي يبحث عن رضا الأشخاص.

وهذا تحديدًا ما يجب أن يحذر منه الصحفي.

ففي كل مناسبة هناك حاضرون، ومنظمون، وشخصيات قد يكون لها حضور بارز، لكن هناك طرفًا لا يظهر في الصورة: القارئ.

القارئ الذي يفتح المادة الصحفية لا يعرف ما دار خلف الكواليس، ولا يعرف الأشخاص كما يعرفهم الكاتب، ولا يعنيه بالضرورة من تربطه به علاقة اجتماعية.

إنه يريد المعلومة.

يريد أن يعرف ماذا حدث.

ويريد أن يفهم أهمية المناسبة.

ويريد أن يعرف من تحدث، وماذا قيل، وما النتائج التي خرجت بها الفعالية.

إنه يريد مادة تمنحه شيئًا جديدًا، لا مجرد مجموعة من الصور والأسماء.

ولهذا فإن احترام القارئ يبدأ من احترام الوقائع.

ومهنية الصحافة تبدأ من التفاصيل؛ فهي التي تنقل المادة من مستوى الاستعراض إلى مستوى التوثيق.

فالصحفي المهني لا يكتفي بأن يقول للقارئ: كانوا هناك، وإنما يخبره: ماذا حدث، ولماذا حدث، وماذا نتج عنه.

وهنا تحديدًا تتكشف الفجوة بين من يصنع حضورًا من خلال العمل، ومن يصنع صورة للحضور.

أما الفيلم الوثائقي، فإنه يقدم نموذجًا واضحًا لمعنى التوثيق؛ فهو لا يقوم على مجرد تصوير الأشخاص أو تسجيل المشاهد، بل يبحث في القصة والسياق والشهادات والوقائع، ويمنح المشاهد فرصة لفهم الحدث أو القضية من خلال مادة متكاملة جرى إعدادها وبناؤها استنادًا إلى البحث والمصادر والمواد المتاحة.

ومن هنا يمكن فهم الفارق بين أن تسجل الكاميرا ما تراه العين، وبين أن يسعى العمل التوثيقي إلى تفسير ما وراء المشهد.

الكاميرا تسجل، والتوثيق يفسر.

الكاميرا تحفظ اللحظة، والتوثيق يحفظ دلالتها.

الكاميرا تقول: «هذا حدث»، أما التوثيق فيسأل: كيف حدث؟ ولماذا؟ وما أثره؟

وهذه هي المسافة التي تفصل العمل الصحفي والتوثيقي الجاد عن مجرد تجميع الصور.

فلا تجعلوا القلم جزءًا من حملة الانتشار

لقد أصبحت الشهرة غاية في حد ذاتها عند البعض، ولا بأس أن يعرف الناس الإنسان، ولا عيب في أن تنتشر أعماله وصوره، ما دام ذلك نتيجة لجهده وعمله، ومن دون انتقاص من جهود الآخرين أو نسب إنجازاتهم إلى غير أصحابها.

فقد تكون الصورة أسرع من الكلمة، والمنشور أسرع من الخبر، والانتشار أسهل من التحقق.

صورة واحدة قد تصل إلى آلاف الأشخاص خلال دقائق، لكن سرعة وصولها لا تمنحها صفة التوثيق تلقائيًا.

والذين يصعدون على أكتاف الآخرين قد يصلون أسرع، لكنهم قد يكتشفون متأخرين أن المكان الذي ظنوه قمة لم يكن سوى محطة مؤقتة.

والأخطر أن بعض الساعين إلى الظهور أصبحوا يدركون قوة الصورة، فيحاولون تحويل كل مناسبة إلى فرصة، وكل لقاء إلى مادة، وكل مصافحة إلى دليل قرب، وكل ظهور في مناسبة إلى قصة عن المكانة والحضور.

وهنا لا بد أن ينتبه الصحفي إلى دوره.

فليس من وظيفة الصحافة أن تصنع للأشخاص مكانة لا تصنعها أفعالهم، ولا أن تمنح الباحثين عن الواجهة شرعية إعلامية لمجرد أنهم أتقنوا الوقوف في المكان المناسب أمام العدسة.

فالتهافت خلف الشهرة قد يدفع بعض الناس إلى اختصار الطريق بأي وسيلة.

لكن الظهور شيء، والقيمة شيء آخر.

ومن يريد أن يكون حاضرًا في المشهد، عليه أن يدفع ثمن هذا الحضور عملًا، وإنجازًا، ومشاركة، وصبرًا، وتجربة.

فالوقوف إلى جوار الناجحين لا يجعل الإنسان ناجحًا، والجلوس إلى جوار أصحاب الإنجاز لا يمنحه إنجازهم، والظهور في الصور لا يصنع تاريخًا.

قد تمنح الصور صاحبها دقائق من الضوء، لكن الإنجاز هو الذي يمنحه مكانًا في الذاكرة.

والصحافة ليست معنية بأن تمنح الجميع الضوء بالتساوي، وإنما بأن تسلطه على ما يستحق أن يُرى ويُعرف.

لذلك يستطيع الصحفي أن يحافظ على علاقاته الاجتماعية، وأن يحترم أصدقاءه ومعارفه، وأن يقدر جهود الآخرين، وفي الوقت نفسه يحافظ على استقلال قلمه.

فالمهنية لا تعني الجفاء، كما أن الاستقلال لا يعني العداء.

إنها ببساطة أن يعرف الصحفي أين تنتهي المجاملة، وأين تبدأ المسؤولية.

وأن يدرك أن هناك أشخاصًا يصنعون المشهد، وهناك آخرين لا يفعلون سوى البحث عن مكان لهم داخله.

وبين الاثنين مسافة لا تختصرها صورة، ولا تغطيها عبارة منمقة، ولا تصنعها دعاية.

ليست المشكلة في أن نلتقط الصور، ولا في أن نحتفي بالناجحين، ولا في أن نسلط الضوء على أصحاب الإنجاز.

المشكلة تبدأ عندما تصبح الصورة بديلًا عن الإنجاز، والحضور بديلًا عن المشاركة، والانتشار بديلًا عن القيمة، والدعاية بديلًا عن التوثيق.

فالتوثيق يحفظ الوقائع ويضعها في سياقها، أما الدعاية فتصنع صورتها وتسعى إلى تشكيلها بما يخدم غرضًا أو جهة أو شخصًا.

والصحفي الذي يحترم مهنته لا يسمح لقلمه بأن يتحول إلى سلّم يصعد عليه المتسلقون الباحثون عن الواجهة، ولا إلى مرآة تتضخم فيها صور الساعين إلى الظهور، فيتوارى خلفها جهد أصحاب الإنجاز.

القلم أمانة، والصورة شهادة، والكلمة مسؤولية، والانتشار ليس إنجازًا في حد ذاته.

أن تصل بجهدك، وأن تصنع مكانتك بعلمك وعملك وموهبتك ونزاهتك، وأن تجعل إنجازك هو الذي يسبق اسمك؛ ذلك هو الحضور الذي لا يحتاج إلى صورة مصطنعة كي تثبته.

ففي زمن أصبحت فيه الصور كثيرة، والأسماء أكثر، والانتشار أسرع من التحقق، تبقى القيمة فيما يصعب اصطناعه: إنجاز راسخ، وموقف مسؤول، وأثر يبقى بعد أن ينطفئ الضوء.

فلا تجعل صورتك تسبق إنجازك؛ اصنع إنجازًا يجعل صورتك تأتي بعده، ويجعل اسمك يُذكر لأنك فعلت، لا لأنك ظهرت.

ولا يبقى من الضوضاء إلا ما يستحق أن يُروى، ولا تبقى من الصور إلا ما كان وراءها فعل، ولا تبقى من الأسماء إلا ما صنعت لنفسها مكانًا بعملها وأثرها.

فالزمن قد يحفظ صورةً لثوانٍ، لكنه لا يحتفظ في ذاكرته إلا بأثرٍ صُنع بصدق وعملٍ يستحق البقاء.

أما المتسلقون، فقد ينجحون في الصعود على أكتاف الآخرين إلى الصورة، لكنهم لن يجدوا في الصورة وحدها ما يجعلهم أصحاب إنجاز؛ فالعدسة قد تمنحهم مكانًا في المشهد، لكنها لا تستطيع أن تمنحهم مكانًا في التاريخ.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بصيرتي برس.. بصيرة الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى