كلمات واجبة مي علي آدم تكتب:الإعدام شنقاً… هل يكون حكم محكمة دنقلا نهاية التعذيب في الحراسات؟

كمات واجبة
مي علي آدم
عندما تُغلق أبواب الحراسة على متهم فالقانون لا يسلّمه للعقوبة، بل يسلّمه للحماية. هو في ذمة الدولة، ووديعة في عنق القانون، إلى أن تقول المحكمة كلمتها إما بالإدانة أو البراءة. فبأي منطق، وبأي حق، تتحول بعض الزنازين إلى غرف تعذيب؟ وإلى معامل لانتزاع الاعترافات بالسوط والكسر؟ وإلى مقابر مؤقتة تُسلم منها الجثث إلى أهلها ملفوفة بالصمت؟
في بورتسودان، في مدني، في بحري، وفي دنقلا.. الرواية واحدة لا تتبدل. متهم يُساق فيُحرم من محامٍ، ويُجبر على التكلم رغماً عنه، ويُسلب حقه في أن يُعامل كإنسان. يبقى وحده مع أربعة حيطان، ومع قناعة راسخة عند بعض أفراد الشرطة وأجهزة الأمن: “أن التعذيب وحده هو طريق الاعتراف”. فيُضرب حتى يعترف بجريمة يُشتبه بارتكابها أو لم يرتكبها أصلاً. ويُضرب حتى يسقط قبل أن يراه قاضٍ. ويُضرب حتى تصبح الحراسة التي أُنشئت لحفظه، هي سبب نهايته. والأخطر أننا لم نعد نتحدث عن “أفراد شاذين”. صرنا نتحدث عن نمط.
وفي الثاني من أغسطس 2026، أصدرت محكمة جنايات دنقلا العامة بالولاية الشمالية برئاسة مولانا نزار أحمد عبد الله حكماً بالإعدام شنقاً حتى الموت قصاصاً. وذلك في مواجهة المقدم نزار أحمد الحسن مدير مباحث الولاية الشمالية وخمسة منسوبيه في الدعوى 3066 لسنة 2024، المدانين بقتل محتجز تحت التعذيب داخل حراسة المباحث لانتزاع اعتراف منه عنوة.
مدير المباحث. رتبة، وسلطة، ومسؤولية. الذي أُؤتمن على القانون، صار أول من كسره. هنا لم يعد الأمر تجاوزاً. هنا رسالة تقول إن لا أحد فوق الحساب.
وقبل سبع سنوات، في فبراير 2019، لم يخرج من حراسات خشم القربة متهم، بل خرج جثمان. كان المعلم أحمد الخير. وكانت صدمته هي التي كسرت حاجز الصمت. وفي ديسمبر من العام ذاته، حكمت المحكمة بإعدام 29 منسوبي جهاز الأمن. كانت سابقة، وكان يفترض أن تكون خاتمة. لكن بين خشم القربة ودنقلا سمعنا عن بابكر عبد الحميد في الشمالي بأم درمان، وعن أسماء لم تصلنا. الدم واحد، والوجع واحد، والسؤال الذي يرفض الموت: متى نتوقف؟
القانون موجود، فأين الإرادة؟ المادة 115 من قانون الإجراءات الجنائية السوداني لسنة 1991 تجرّم صراحة “الإكراه على الاعتراف”. والمادة 130 من القانون الجنائي تجعل القتل العمد قصاصاً. والمادة 33 من الوثيقة الدستورية تحرم التعذيب والمعاملة القاسية والمهينة. حتى اتفاقية مناهضة التعذيب التي صادق عليها السودان تقول كلمتها. إذن العلة ليست في النصوص. العلة في عقلية ترى الحراسة “منطقة محرمة” لا تصلها يد القانون. وينسون أن الاعتراف المنتزع بالإكراه باطل. وأن أي قضية تُبنى على كسر عظم، تسقط في أول جلسة.. وتسقط معها هيبة الدولة كلها. المحقق الحقي لا يحتاج سوطاً. يحتاج أوراقاً، وأدلة، وعقلاً، واحتراماً لمن أمامه. غير ذلك اسمه ليس تحقيقاً. اسمه جريمة.
إلى وزارة الداخلية وهيئة الشرطة: الكاميرات ليست رفاهية. والتفتيش المفاجئ ليس ترفاً. ضعوها في كل حراسة، واجعلوا أي وفاة داخلها قضية رأي عام تُحقق تلقائياً. حاسبوا قبل الدم، لا بعده.
وإلى النيابة العامة: لا تنتظروا شكوى الأهل المكسورين. أي موت داخل الحراسة يجب أن يُعامل كجريمة قتل مع سبق الإصرار حتى يثبت العكس. هذا هو المعيار الوحيد للردع.
وإلى القضاء: أحكام دنقلا وخشم القربة ليست نهاية المطاف. هي البداية. أكملوا الطريق. ذكّروا كل من يرتدي الزي أن البدلة لا تصنع حصانة، وأن القانون فوق الجميع.
يا سادة.. الحراسة أمانة. والمحتجز أمانة. والكرامة التي تُنتهك داخلها هي كرامة الدولة كلها. يكفي أن نستيقظ على عبارة “توفي داخل الحراسة”. يكفي دماً في مكان وُجد ليحفظ الدماء. الزلزال بدأ في دنقلا. فليكمل طريقه.. حتى تصبح كل حراسة في السودان مكاناً آمناً، لا مكاناً يُخشى.