الرأي والمقالات

أحلى الحروف إلى وفاء معروف

وفاء معروف: إعلامية سخرت حضورها المهني لخدمة العمل الإنساني والتكافل

عباس الماحى
نقطة سطر جديد
أحلى الحروف إلى وفاء معروف
**************************
هناك شخصيات إعلامية لا تكتفي بأن تكون حاضرة أمام الكاميرا، ولا تختصر رسالتها في تقديم البرامج أو قراءة الأخبار، بل تحمل معها، أينما حلّت، قيمة إنسانية ورسالة سامية، وتترك في الأمكنة التي تمر بها أثراً يتجاوز حدود المهنة… ومن بين هذه الشخصيات تبرز الإعلامية الأستاذة وفاء معروف، التي استطاعت أن تجعل من حضورها الإعلامي مساحة للإبداع، ومن ابتسامتها جسراً يصلها بالناس، ومن مهنتها رسالة للمحبة والعطاء.

فوفاء معروف ليست مجرد مذيعة تمتلك أدوات الحضور أمام الكاميرا، وإنما إعلامية استطاعت، عبر مسيرتها، أن ترسّخ نموذجاً مختلفاً للإعلامية التي تجمع بين المهنية والإنسانية، وبين قوة الحضور وبساطة التعامل، وبين الكلمة التي تصل إلى الجمهور والقلب الذي ينحاز دائماً إلى الإنسان.

طوال مسيرتها الإعلامية، آمنت وفاء معروف بأن الإعلام ليس شهرة وأضواء فحسب، بل مسؤولية تجاه المجتمع والإنسان، ورسالة يمكن أن تسهم في صناعة الوعي، وتعزيز التواصل، وتقريب المسافات بين الناس.

وعُرفت بصوتها المتفرد، وحضورها المميز، وأسلوبها الذي يجمع بين المهنية والعفوية، الأمر الذي جعلها واحدة من الوجوه الإعلامية السودانية التي تركت بصمتها في الفضائيات، وحافظت في الوقت ذاته على قربها من الناس وبساطتها التي تميزها.

ولعل أجمل ما يميز تجربتها أن نجاحها لم يكن رهين مكان أو استوديو أو شاشة بعينها؛ فقد أثبتت أن الموهبة قادرة على صناعة حضورها أينما وجدت، وأن الإنسان المبدع يستطيع أن يتكيف مع المتغيرات والظروف دون أن يفقد روحه أو رسالته.

وحين دفعتها ظروف الحرب اللعينة إلى الوجود في المملكة العربية السعودية، وتحديداً في الرياض، لم تجعل الغربة والظروف القاسية حاجزاً بينها وبين رسالتها، ولم تنكفئ على ذاتها، بل حملت السودان في قلبها، وحملت معه هموم أهله وزملائها وزميلاتها.

وفي الرياض، تحوّل حضورها إلى مساحة أخرى من مساحات العطاء؛ فبادرت إلى دعم زميلاتها وزملائها، والوقوف إلى جانب الأسر المتعففة، والمشاركة في تنظيم الفعاليات والمهرجانات، والمساهمة في الأعمال الخيرية والمجتمعية التي جمعت السودانيين على قيم الود والتآخي والتكافل.

ومن الأشياء التي تُسعد وتبعث على التفاؤل وهي تُرى في تجربتها المستقبلية، ذلك التوسع الجميل في عملها الإنساني، والذي تجسّد بصورة لافتة من خلال تدشين مشروع «ركن الخير» ضمن فعاليات مهرجانها، ليكون مساحة للعطاء ومساندة أهلنا المحتاجين في السودان. وقد حمل المشروع في فكرته معنى التكافل السوداني الأصيل، من خلال جمع وإرسال الملابس والمستلزمات والأشياء العينية التي يمكن أن تخفف عن المحتاجين شيئاً من وطأة الظروف الصعبة التي يعيشونها.

و«ركن الخير» ليس مجرد مبادرة أُضيفت إلى مهرجان التذوق، وإنما هو امتداد طبيعي لشخصية تؤمن بأن العمل الإعلامي يمكن أن يتحول إلى طاقة للخير، وأن المناسبات الاجتماعية والثقافية يمكن أن تكون جسوراً تصل بها أيادي الخير إلى من هم في أمسّ الحاجة إليها. وهي خطوة تجعلنا نتطلع بتفاؤل إلى ما يمكن أن تقدمه وفاء في مستقبل عملها الإنساني، وإلى مبادرات أوسع وأكثر أثراً، تحمل اسمها وروحها وتترجم محبتها لوطنها وأهلها إلى فعل ملموس.

وهنا تحديداً تتجلى قيمة الإنسان قبل المهنية؛ إذ لم تجعل وفاء من مهنتها سوراً يفصلها عن الناس، بل جعلتها نافذة تطل منها على قضاياهم وأفراحهم وأحزانهم، وتشاركهم تفاصيلهم، وتؤمن بأن الكلمة الطيبة قد تصنع أثراً لا تصنعه الأضواء، وأن ابتسامتها الصادقة التي لا تفارق محياها تمنح إنساناً أملاً في وقت يكون فيه أحوج ما يكون إلى الأمل.

وفي «مهرجان التذوق» الأخير، بدا اسم المهرجان وكأنه يحمل دلالة تتجاوز الطعام والمذاقات إلى معنى أكثر جمالاً وعمقاً؛ فقد تذوّق الحضور، إلى جانب ما قُدّم في المهرجان، شيئاً آخر لا يقل جمالاً: تذوّقوا إبداع وفاء، وقدرتها على صناعة الفرح والتواصل.

فقد كان تنظيمها للمهرجان إضافة حقيقية، ليس فقط بحكم خبرتها الإعلامية، وإنما بما تمتلكه من قدرة على إدارة اللحظة، وصناعة الألفة، وإضفاء روح خاصة على المكان. وكأن المهرجان، في معناه الرمزي، أصبح مناسبة لتذوق ألوان متعددة من الإبداع، كان من بينها إبداع وفاء نفسها.

ولذلك يمكن القول إن المهرجان لم يكن عنواناً لما يُقدَّم على الموائد فحسب، بل كان عنواناً لتذوق إبداع إعلامية تعرف كيف تمنح المكان من روحها.

إن الحديث عن وفاء معروف هو، في جوهره، حديث عن شخصية استطاعت أن تجعل من النجاح مساحة للآخرين أيضاً. فهي صاحبة رسالة وابتسامة لا تفارق محياها، وشخصية تجمع بين الرقي المهني والعمل الإنساني.

ورغم التحديات التي فرضتها الظروف، ظلت وفاء واحدة من تلك الوجوه التي تؤكد أن الإعلام ليس مجرد وقوف أمام الكاميرا، وإنما قدرة على الوقوف إلى جانب الإنسان.

لقد استطاعت أن تبدع في أكثر من مكان، وأن تثبت أن الموهبة والإبداع لا تحدهما الجغرافيا ولا تعوقهما الظروف. فمن استوديوهات الفضائيات السودانية إلى ساحات العمل المجتمعي في الرياض، ظلت تحمل صوتها وحضورها ورسالتها، وتؤكد أن الإعلام يمكن أن يكون جسراً للمحبة، ومنبراً للتواصل، ووسيلة لخدمة الناس.

ولذلك فإن الكتابة عن وفاء معروف ليست مجرد إشادة بمذيعة موهوبة، وإنما احتفاء بإنسانة اختارت أن تجعل من نجاحها مساحة للآخرين، ومن حضورها فرصة لصناعة الخير، ومن علاقاتها بالناس جسراً للمحبة والتكافل.

وحين تتحدث عنها، تجد نفسك أمام سيرة امرأة سودانية أصيلة، استطاعت أن تصنع حضورها بالكلمة، وترسّخ مكانتها بالمهنية، وتحيط مسيرتها بالإنسانية والمحبة، إلى جانب نجاحها في بناء أسرتها وتربية أبنائها، في رحلة تؤكد أن النجاح في الحياة ليس بما يحققه الإنسان لنفسه، وإنما بما يتركه من أثر في حياة الآخرين.

يا وفاء معروف، ربما لا تكفيكِ الكلمات، ولا تستطيع الحروف أن تمنحكِ حقكِ كاملاً؛ لأن أجمل ما في بعض الشخصيات أنها أكبر من الوصف، وأعمق من أن تختصرها عبارات الثناء.

أنتِ إنسانة جعلتِ من ابتسامتكِ عنواناً، ومن صوتكِ رسالة، ومن حضوركِ قيمة، ومن نجاحكِ باباً للخير والمحبة.

وفي زمن كثرت فيه الشاشات، وبات الظهور الإعلامي متاحاً لكثيرين، يظل الفرق في الأثر؛ وأنتِ تركتِ أثراً يتجاوز الشاشة إلى قلوب الناس، ويتجاوز المهنة إلى الإنسانية.

فدمتِ وفاءً للاسم، ووفاءً للرسالة، ووفاءً لكل من عرفكِ وأحب حضوركِ، ودام صوتكِ المميز يحمل حكاية إعلامنا السوداني الأصيل أينما كنتِ.

ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال في حقكِ: إن الناس لم يكتفوا بمشاركتكِ في المهرجان، بل تذوّقوا إبداعكِ أيضاً… وكان ذلك، في حد ذاته، أجمل ما حمله «مهرجان التذوق».

أما «ركن الخير»، فكان مذاقاً آخر لا يُتذوّق بالفم، وإنما بالقلب؛ مذاق العطاء، والمحبة، والإحساس بأهلنا المحتاجين في أرض الوطن الحبيب.

 

على بصيرتي ايضا

الدراميون يضعون خارطة طريق للحوار الوطني.. وجابر: مسارح عالمية والدراما في المناهج

المخابرات العامة تقتحم ملف الأورام في كسلا.. وتعلن دعم «تركاي» والقطاع الطبي

في عمليتين نوعيتين.. مباحث كسلا تُسقط مافيا اللبن الفاسد وتُحكم الخناق على مروجي الخمور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى