تمخض الجمل فولد فأرًا.. ماذا قدمت زيارة موسى علي الطيب للخرطوم؟
بين التغطيات الإعلامية والواقع الميداني: تحليل زيارة موسى علي الطيب وتحديات العودة الطوعية للخرطوم
تمخض الجمل فولد فأرًا.. ماذا قدمت زيارة موسى علي الطيب للخرطوم؟
منظور جديد
عامر حسون
طالعنا الكاتب أسامة عوض الله، عبر منصة (الساموراي نيوز) ، بتقرير مطوّل عن جولة رجل الأعمال موسى علي الطيب في ولاية الخرطوم، في محاولة واضحة لتقديم الزيارة باعتبارها حدثًا يستحق الاحتفاء. لكن بعيدًا عن العناوين البراقة والتغطيات الاحتفالية، لا نجد أمامنا في النهاية سوى الحقيقة التي تختصرها العبارة: نسمع جعجعة ولا نرى طحينًا!
ماذا قدمت للخرطوم؟
قضى رجل الأعمال أسبوعًا يتنقل بين أحياء وشوارع الخرطوم، ليعود إلينا بقائمة طويلة من أسماء المناطق وانطباعات عن الأمن وعودة الحياة، وكأن المواطن كان ينتظر من خلف زجاج السيارة من يخبره بأسماء أحياء مدينته!
لكن المواطن الذي عاش الحرب والنزوح وفقد منزله أو مصدر رزقه لا يعنيه كم شارعًا زاره رجل الأعمال، ولا كم حيًا مرّ به. السؤال أبسط من كل ذلك: ماذا قدمت؟ وماذا تركت وراءك بعد أن غادرت؟
فالخرطوم لا تحتاج إلى جولات لإثبات أنها موجودة، وإنما تحتاج إلى أفعال: مصانع تعود إلى الإنتاج، ومشروعات توفر فرص العمل، ودعم للمستشفيات، وقوافل غذاء ودواء، ومساندة حقيقية للأسر العائدة. أما الحديث عن مقترحات لإنشاء مراكز بيع مخفض، أو إبداء استعداد شفهي للمساعدة، فلا يشتري للمواطن رغيفًا ولا يوفر لطفل مريض دواءً.
الأكثر إثارة للدهشة هو الإشادة بـ(لجنة الأمل للعودة الطوعية) والثناء على جهودها، بينما لا نرى في المقابل دعمًا عمليًا يترجم هذا الكلام إلى واقع.
إذا كانت العودة الطوعية تستحق كل هذا الثناء، فلماذا لم تُسيّر حافلة واحدة لمساندة الأسر والعائدين؟ لماذا لا يتحول الشكر إلى دعم لوجستي حقيقي يخفف عن الناس مشقة الطريق وتكاليف العودة؟
حتى الباص كان يمكن أن يكون أكثر فائدة من كل هذا الكلام!
فالناس لا تحتاج إلى من يقول لها (نحن مستعدون للمساعدة) ، بل إلى من يأتي بالمساعدة فعلًا.
حين تصبح الجولة إنجازًا!
المشكلة لا تتعلق بالزيارة وحدها، وإنما بالطريقة التي يجري بها تقديم مثل هذه الزيارات إعلاميًا. شخص يزور منطقة متضررة، يلتقط الصور، يدلي ببعض التصريحات، ثم تخرج المادة الصحفية وكأن مصنعًا قد عاد للعمل، أو مستشفى قد أُعيد تشغيله، أو آلاف الأسر قد عادت إلى منازلها.
متى أصبح المرور في الشوارع إنجازًا؟ ومتى أصبح وصف الواقع مشروعًا؟
الصحافة المهنية لا ينبغي أن تكون دفتر حضور وانصراف للزيارات، ولا منصة علاقات عامة مجانية، بل عليها أن تسأل عن النتائج وتقيس الكلام بالفعل. فالخبر ليس أن فلانًا زار الخرطوم، وإنما: ماذا فعل فلان في الخرطوم؟
في زمن الحرب، أصبح المواطن أكثر قدرة على التمييز بين الكلام والفعل. لا تعنيه الصور التذكارية ولا عبارات الإشادة بقدر ما يعنيه أثر حقيقي يلمسه في حياته.
من يريد دعم العودة فليدعمها، ومن يملك المال فليضعه في إعادة تشغيل مشروع أو مساعدة أسرة أو دعم مستشفى. ومن يريد الحديث عن الإنجاز، فليحدثنا بالأرقام: كم أسرة ساعد؟ كم حافلة سيّر؟ كم طنًا من الغذاء قدم؟ وكم مشروعًا ساهم في إعادته إلى العمل؟
هذه هي الأسئلة التي تستحقها الخرطوم، لا تعداد الأحياء والشوارع التي مررنا بها.
فالخرطوم لن تُبنى بالكاميرات والتصريحات، وإنما بأموال القادرين وجهود الصامدين ومبادرات الذين يريدون أن يتركوا أثرًا حقيقيًا على الأرض.
أما أن نقضي أسبوعًا في الخرطوم، ثم نعود بقائمة أحياء وانطباعات وتصريحات، ونطلب من الإعلام أن يقدمها لنا في ثوب الإنجاز، فهنا لا يسعنا إلا أن نقول:
نسمع جعجعة ولا نرى طحينًا!
فالخرطوم لا تحتاج إلى من يخبرها بأنها ما زالت حية؛ تحتاج إلى من يساعدها على أن تعيش.