عباس الماحي في نفطة سطر جديد… كلام الكِبَر

عباس الماحي
نقطة سطر جديد
كلام الكِبَر

كان أبي يقول قديمًا: “عندما تكبرون ستعرفون لماذا كنت أقول لكم لا.”كنا نظن أن كلمة “لا” هي الوظيفة الرسمية للآباء، وأنهم خُلقوا ليعترضوا على كل شيء: على طريقة اللبس، ووقت النوم، وطريقة الإنفاق، وحتى على طريقة الجلوس!
كنا نرى الأب وكأنه جهاز إنذار منزلي لا يتوقف عن إصدار التنبيهات:لا تسهروا كثيرًا…لا تهملوا دراستكم…لا تصرفوا أموالكم بلا حساب…لا تثقوا بكل الناس…
وكنا في داخلنا نقول: لماذا يظن الآباء أنهم يعرفون كل شيء؟
ثم تدور الأيام، ويكبر الأبناء، ويكتشف الأب أن مهمته لم تعد كما كانت. فالأب الذي كان صوته يهز أركان البيت، أصبح يحتاج إلى إذن غير معلن قبل أن يقدم نصيحة. فكل ملاحظة أصبحت “تدخلًا”، وكل توجيه أصبح “سيطرة”، وكل سؤال عن التأخر خارج المنزل تحول إلى استجواب رسمي!
إذا قال:”خففوا من استخدام الهاتف.”
جاءه الرد:”يا أبوي، الزمن تغير.”
وإذا قال:”وفروا شيئًا من المال للمستقبل.”
قيل له:”أنت تفكر بعقلية قديمة.”
وإذا نصح بالنوم مبكرًا، اكتشف أن أبناءه أصبحوا خبراء في الدراسات الحديثة، وأن السهر أصبح عندهم طريقًا إلى النجاح والإبداع!
وبعد سنوات من النصح والتوجيه والتذكير، وجد الأب نفسه أمام خيارين: إما أن يستمر في المعارك اليومية، أو يبحث عن طريقة جديدة للتعامل مع الوضع.
فاخترع الحل العبقري…
قرر أن يعلن رسميًا دخوله مرحلة:
“كلام الكِبَر.”
فكلما وجه ملاحظة ولم يجد استجابة، ابتسم وقال:
“لا تؤاخذوني…
كلام الكِبَر.”
إذا قال:”لا تتركوا الأنوار مضاءة في الغرف الفارغة.”
جاءه الرد:”أنت تهتم بأشياء صغيرة.”
فيقول:”صحيح…
كلام الكِبَر.”
وإذا قال:”لا تنفقوا كل ما لديكم في أول الشهر.”
ردوا عليه:”الأمور تغيرت يا أبي.”
فيهز رأسه ويقول:”معكم حق…
كلام الكِبَر.”
لقد أصبح هذا المصطلح درعًا واقيًا يحمي الأب من كثرة الجدال، ويحفظ له شيئًا من هيبته. فهو يقول ما يريد، ثم يترك للأيام مهمة الشرح.
لكن حكاية الأب مع الأبناء لا تكتمل دون ظهور شخصية مهمة في المشهد: الأم.
فما إن يبدأ الأب في توجيه ملاحظة لأحد الأبناء، حتى يأتي الصوت المعروف من الطرف الآخر:
“خلاص… سيبه،
الولد ما عمل حاجة!”
وفجأة تتحول القضية من خطأ ارتكبه الابن إلى معركة أسرية، وقسوة مارسها الأب!
الأب كان يتحدث عن تأخر الابن، فإذا به يجد نفسه متهمًا بأنه شديد التدقيق. كان يريد تعليم ابنه المسؤولية، فإذا به يسمع:
“أنت مكبر الموضوع.”
وبينما يحاول الأب الدفاع عن وجهة نظره، يكون الابن قد جلس في الزاوية يراقب المشهد مبتسمًا؛ فقد اكتشف أن المحكمة انعقدت، وأن محامي الدفاع وصل في الوقت المناسب!
والحقيقة أن كثيرًا من الأمهات لا يقصدن إضعاف الأب، وإنما يتحركن بدافع الحنان والخوف على الأبناء، لكن المشكلة تظهر عندما يشعر الأبناء أن هناك بابًا آخر للهروب من التوجيه. فالتربية تحتاج إلى رسالة واحدة من الأب والأم، لأن اختلاف المواقف أمام الأبناء يجعل أحدهما يبدو شديد القسوة والآخر يبدو دائمًا في صفهم.
وهنا يجد الأب نفسه مرة أخرى يختصر الحوار كله في عبارته المفضلة:
“خلاص… كلام الكِبَر.”
الحقيقة التي لا يسمعها الأبناء إلا متأخرين
ما يسميه الأبناء
“كلام الكِبَر”
ليس دائمًا كلام رجل أنهكه العمر، بل هو كلام إنسان جمعته الأيام مع التجارب.
هو أخطاء دفع ثمنها.وطرق مشى فيها وعرف نهايتها.ومواقف تعلم منها ما لم تستطع كتب المدارس أن تعلمه.
فبعض الآباء لا يملكون دائمًا الأسلوب المثالي في النصح، وقد يكررون الكلام كثيرًا، وربما يبالغون أحيانًا، لكن خلف هذا التكرار قلب يخاف، وعين تراقب، وذاكرة تحمل سنوات من القلق على الأبناء.
المشكلة أن الأبناء غالبًا لا يسمعون حكمة الآباء إلا بعد أن يصبحوا هم آباء، وعندها يكتشفون أنهم كانوا يرددون نفس العبارات التي كانوا يضحكون منها!
وسيأتي اليوم الذي يقف فيه الابن مكان أبيه، ويقول لابنه:
“زمان كان آباؤنا يفهمون أكثر منا.”
لكن ابنه الصغير سيرد عليه بنفس الثقة التي كان يملكها هو قديمًا:
“يا أبي… أنت من جيل آخر!”
عندها فقط سيبتسم، ويتذكر والده، ويعرف أن التاريخ يعيد نفسه، وأن دورة الحياة لا تتوقف.
فالأب في شبابه يهرب من نصائح أبيه، ثم في شيخوخته يطارد أبناءه بالنصائح نفسها.
ويبقى الأب هو الموظف الوحيد الذي يعمل طوال حياته بلا راتب، وبلا إجازات، وبلا مكافأة نهاية خدمة!
ومن دفتر “كلام الكِبَر”
حكم يقولها الآباء …
همسات من أب انهكه الحب…
الأب لا يكرر النصيحة لأنه نسي أنه قالها، بل لأنه خاف أن تنسوا أنتم العمل بها.
عندما كان الأب يقول: “اسمع كلامي”، كنا نسمع صوتًا عاليًا… وعندما كبرنا اكتشفنا أنه كان صوت خبرة.
الأب الذي يزعجك اليوم بكثرة الملاحظات، قد تفتقد صوته غدًا عندما يصبح الصمت هو الموجود الوحيد.
بعض الآباء لا يعرفون كيف يقولون “أحبكم”، فيقولون بدلًا منها: “انتبهوا لأنفسكم.”
الأبناء يرون نصائح الآباء قيودًا، حتى يكتشفوا يومًا أنها كانت حواجز حماية.
أغرب ما في الإنسان أنه يهرب من نصائح أبيه عشرين عامًا، ثم يقضي بقية عمره يعطي النصائح نفسها لأبنائه.
عندما يقول الأب: “هذا كلام الكِبَر”، فربما يكون قد تعب من الشرح، لا من المحبة.
العمر يجعل الأب أقل كلامًا… لكنه يجعل كل كلمة يقولها أثقل وزنًا.
يكبر الأبناء في العمر لمنهم لا يكبرون في عين الأب، فالأب وحده يرى إبنه الكبير، ويبحث داخله عن الطفل الذي كان يمسك بيده.