Uncategorizedإجتماعيةالأخبار المحلية

رسائل سلام مع الحمام الزاجل

عباس الماحي

عباس الماحى

نقطة سطر جديد

رسائل سلام مع الحمام الزاجل

**************************

«حين تحمل الأجنحة رسالةً من قلب الإنسان إلى قلب العالم»

***************

منذ أن عرف الإنسان معنى الشوق، وهو يبحث عن طريقٍ يصل به إلى من يحب، وعن وسيلةٍ تعبر المسافات حين تعجز الخطوات، وعن شيءٍ صغير يستطيع أن يحمل مشاعره من مكانٍ إلى آخر.

ولعل أجمل ما في الإنسان أنه، مهما تطورت وسائله وتبدلت أزمنته، ظلّ يحمل الحاجة نفسها: أن يقول لمن غاب عنه: أنا أتذكرك، وأنا أنتظرك، وما زال لك في قلبي مكان.

قبل أن تصبح المسافات أرقامًا على شاشات الهواتف، وقبل أن تصل الرسائل في لحظات، كانت المسافات بعيدة، وكانت الطرق أطول، والبحار أوسع، والأخبار تسافر ببطء شديد. وكان الإنسان يضع جزءًا من قلبه في رسالة، ثم يبحث عن وسيلةٍ تحملها إلى الطرف الآخر.

في ذلك الزمن، لم يكن الحمام الزاجل مجرد طائرٍ يحلق في السماء، بل كان واحدًا من أقدم رفاق الإنسان في عبور المسافات. عاش قريبًا منه، وسكن أسطح البيوت وأبراج المدن، وأصبح جزءًا من ذاكرته اليومية، حتى ارتبط اسمه بالرسائل والانتظار والعودة.

كان الإنسان ينظر إلى الحمامة وهي تستعد للطيران، فيشعر بشيء من الأمل. يكتب رسالته بعناية، يطوي الورقة الصغيرة، ويربطها في موضعها، ثم يحمل الطائر بين يديه للحظات، وكأنه يسلّمه شيئًا أكبر من ورقة كان يسلّمه صوت قلبه.

ثم يفتح يديه، فتفرد الحمامة جناحيها، وتصعد إلى السماء.

وفي تلك اللحظة، كان الإنسان يترك جزءًا من مشاعره معلّقًا بين الأرض والسماء؛ لا يعرف متى ستصل الرسالة، ولا كيف سيكون وقعها، ولا متى سيأتي الرد. لكنه كان يملك شيئًا واحدًا: الأمل.

كان الحمام الزاجل يربط بين الإنسان ومَن يحب، بين البعيد والقريب، وبين مكانٍ وآخر. وربما لهذا السبب لم يكن الناس يرون فيه طائرًا فحسب؛ كانوا يرون فيه رسولًا صغيرًا يحمل ما تعجز المسافات عن حمله.

كان العاشق يكتب رسالته بقلبه قبل قلمه، ويطويها بعناية، ثم يربطها بالحمامة، ويطلقها إلى السماء، وكأنه يطلق معها أمنية.

تطير الحمامة، ولا تعرف شيئًا عن الحدود التي رسمها البشر، ولا تسأل عن لونٍ أو لغة، ولا تتوقف عند خلافٍ بين حبيبٍ وحبيب، وإنما تعرف طريقًا واحدًا: أن تصل.

ولعل في هذه الصورة البسيطة درسًا عميقًا للإنسان.

فبعض الرسائل لا تحتاج إلى كثير من الشرح؛ يكفي أن تكون صادقة، وأن تجد طريقها إلى القلب.

وكثيرًا ما كانت كلمة حب تقطع مسافات طويلة على جناح حمامة، وكثيرًا ما ظل قلبٌ معلّقًا في السماء، ينتظر عودة رسول الشوق محمّلًا بخبرٍ ممن يحب.

لقد كان الإنسان، في علاقته بالحمام الزاجل، يتعلم شيئًا من الصبر والثقة والانتظار. كان يرسل رسالته ثم يترك لها السماء، مؤمنًا بأن هناك طريقًا ستسلكه، وأن هناك قلبًا ينتظر وصولها.

وربما لهذا بقي الحمام الزاجل في الذاكرة الإنسانية رمزًا يتجاوز وظيفته القديمة؛ رمزًا للوصل بعد الفراق، وللخبر بعد الانتظار، وللأمل الذي يعبر المسافات.

واليوم، ونحن نعيش في عالمٍ أسرع من كل الأزمنة السابقة، نستطيع أن نرسل كلماتنا في لحظة، وأن نرى من نحب عبر شاشةٍ صغيرة، وأن نعبر آلاف الكيلومترات دون أن نغادر أماكننا، قد يبدو غريبًا أن نشتاق إلى ذلك الطائر القديم.

لكن ربما نحن لا نشتاق إلى الحمام نفسه بقدر ما نشتاق إلى المعنى الذي كان يحمله.

إلى زمنٍ كانت فيه الرسالة تُكتب بتأنٍّ، وتُرسل بحب، ويُنتظر وصولها بقلبٍ يعرف قيمة الانتظار.

وربما، وسط كل هذه السرعة، نحن في حاجةٍ إلى أن نتعلم من الحمامة شيئًا بسيطًا: أن نحمل إلى الآخرين ما يستحق أن يصل، وأن نختار بعناية ما نرسله إلى هذا العالم.

ولهذا، فإن رسالتنا اليوم ليست رسالة عشقٍ بين قلبين، ولا رسالة من عاشقٍ إلى معشوقته.

إنها رسالة من إنسان إلى إنسان.

رسالة حب إلى العالم.

رسالة اسمها:

السلام

من قلب كل إنسان أنهكته الخصومات، وأتعبته الحروب، وأوجعته مشاهد الفراق والدمار.

إلى كل عاشقٍ للسلام…

دعونا نرسل مع الحمام الزاجل رسائل جديدة.

رسائل لا تحمل أسماء العشاق فقط، وإنما تحمل اسم الإنسان.

رسائل تقول إننا تعبنا من الخصام والكراهية، وإن الحروب لم تترك خلفها إلا البيوت المهدمة، والقلوب المكسورة، والأطفال الذين كبروا قبل أوانهم، والأمهات اللواتي ينتظرن أبناءً قد لا يعودون.

رسائل تقول إن العالم لا يحتاج إلى مزيدٍ من الكراهية، بل يحتاج إلى يدٍ تمتد بالمحبة، وقلبٍ يتسع للاختلاف، وعقلٍ يدرك أن الإنسان يستطيع أن يختلف مع أخيه دون أن يتحول الاختلاف إلى عداوة، ودون أن تصبح الكلمة رصاصة، والرأي خندقًا، والخلاف حربًا.

يكفينا خصامًا…

يكفينا حروبًا…

يكفينا صوت الرصاص والقصف.

يكفينا ألمًا وفرقةً وشتاتًا.

لقد آن الأوان أن نترفع عن صغائر الأمور، وأن ندرك أن كثيرًا مما نتقاتل من أجله اليوم، قد لا يبقى له معنى غدًا.

فالعمر أقصر من أن نهدره في الكراهية، والقلوب أرقّ من أن نثقلها بالأحقاد، والأوطان أجمل من أن نحول طرقاتها إلى ساحاتٍ للخصام.

لنختلف دون أن نتعادى، ولنختلف دون أن نكسر جسور المحبة.

فنحن جميعًا عابرون على هذه الأرض، فلماذا نجعل عبورنا مثقلًا بالعداء؟

لماذا لا نترك خلفنا أثرًا من الرحمة بدلًا من جرحٍ جديد؟

ولماذا لا يكون ما نورثه لأبنائنا أشجارًا مثمرة، وذكرياتٍ جميلة، وقلوبًا متصالحة، بدلًا من حكاياتٍ عن خصوماتٍ قديمة لا يعرفون كيف بدأت؟

دعونا نزرع الورود في كل المساحات التي تربط بيننا.

نزرع وردةً في الطريق بين الجار وجاره، وأخرى بين الصديق وصديقه، وثالثةً بين الشعوب والأمم.

دعونا نجعل من مدارسنا مصانع للسلام، ومن بيوتنا أولى مدارس المحبة، ومن كلماتنا جسورًا لا جدرانًا.

علّموا أبناءنا أن القوة ليست في القدرة على إيذاء الآخرين، وإنما في القدرة على العفو.

علّموهم أن النبل ليس أن تنتصر على خصمك، بل أن تستطيع أن تكسب قلبه.

علّموهم أن الإنسان أكبر من خلافه، وأن الوطن أكبر من نزاع أبنائه، وأن الحياة أجمل حين نتشاركها، بدلًا من أن يتمنى بعضنا زوال بعض.

علّموا أبناءكم أن اليد التي تصافح أقوى من اليد التي تضرب، وأن الكلمة الطيبة أبقى من صرخة الغضب، وأن التسامح لا يعني الضعف، بل يعني أن الإنسان امتلك من القوة ما يكفي ليضع حدًا لدائرة الألم.

دعونا نعيد للسلام معناه الحقيقي.

فالسلام ليس مجرد غياب الحرب، وليس هدنةً مؤقتة بين خصمين، وليس صمتًا تفرضه الخشية.

السلام حياة.

أن يشعر الإنسان بالأمان في بيته.

أن يذهب الطفل إلى مدرسته دون خوف.

أن تنام الأم مطمئنةً على أبنائها.

أن يستطيع الإنسان أن يعمل ويحلم ويخطط لمستقبله دون أن تخنقه أصوات الرصاص.

السلام أن نحترم الإنسان لأنه إنسان.

أن نحترم اختلافه، وثقافته، ولونه، ولغته، ومعتقده، وأفكاره، ما دام لا يعتدي على حق غيره في الحياة والكرامة.

السلام ليس ضعفًا…

السلام شجاعة، ولغة من نوع آخر.

إنه شجاعة أن تمد يدك حين تستطيع أن تدير ظهرك.

وشجاعة أن تقول: «لننتصر معًا» بدلًا من أن تقول: «سأنتصر عليك».

وشجاعة أن تطفئ نارًا تستطيع إشعالها، وأن تختار الحوار حين يكون الصراخ أسهل، وأن تختار التسامح حين يكون الانتقام متاحًا.

فالاختلاف يمكن أن يصنع معرفة، والحوار يمكن أن يبني جسرًا، والتنوع يمكن أن يجعل العالم أكثر جمالًا.

ولكن حين يتحول الاختلاف إلى احتقار، والغضب إلى عنف، والكلمات إلى أسلحة، تبدأ أولى خطوات الحرب.

فالكلمة يمكن أن تكون رصاصة، وقد تكون حمامة سلام.

فاختاروا ما ترسلونه إلى العالم.

فماذا لو أرسلنا اليوم رسائل مختلفة؟

رسالة من أم إلى أم تقول:

«أريد لأطفالك ما أريده لأطفالي.»

ورسالة من شعب إلى شعب تقول:

«لسنا أعداء، حتى وإن اختلفنا.»

ورسالة من إنسان إلى إنسان تقول:

«قد لا أشبهك، لكنني أحترم حقك في أن تكون مختلفًا.»

ورسالة من قلب إلى قلب تقول ببساطة:

«دعنا نترك خلفنا ما يؤلمنا، ونبدأ من جديد.»

لعلنا لا نستطيع أن نوقف كل الحروب دفعةً واحدة، لكننا نستطيع أن نوقف الحرب الصغيرة التي تبدأ في قلوبنا.

نستطيع أن نمتنع عن نشر الكراهية.

نستطيع أن نختار كلماتنا.

نستطيع أن نسامح.

نستطيع أن نعتذر.

نستطيع أن نربي أبناءنا على المحبة بدل الانتقام، وعلى التعاون بدل الإقصاء، وعلى الرحمة بدل القسوة.

ومن يدري؟

ربما تبدأ أعظم حكايات السلام من موقفٍ صغير لا يراه أحد.

من كلمة طيبة.

من اعتذار صادق.

من يدٍ تمتد للمصافحة.

من قلبٍ يقرر، للمرة الأولى، أن يتخلى عن ضغينته.

فكل سلامٍ عظيم بدأ يومًا من قلبٍ واحد قرر ألا يكره.

فلنرسل الحمام الزاجل من جديد…

ولكن هذه المرة، لنجعل في ساق كل حمامة رسالةً واحدة:

«سلام من قلب يحب الحياة.»

ولتطر الرسائل فوق الحدود، فوق الجبال، فوق المدن التي أنهكتها الخصومات، وفوق البيوت التي أرهقتها الانتظارات.

ولتقل لكل من تصل إليه:

لسنا خُلقنا لنكون أعداء.

لسنا خُلقنا لنحمل الكراهية من جيلٍ إلى جيل.

لسنا خُلقنا لنورث أطفالنا خصوماتٍ لم يصنعوها، وحروبًا لم يختاروها، وأحقادًا لا يعرفون أسبابها.

لقد خلقنا الله شعوبًا وقبائل لنتعارف، لا لنتناحر.

فدعونا نختار الطريق الذي يعيد للإنسان إنسانيته.

دعونا نزرع بدل القنابل وردًا، وبدل الخنادق جسورًا، وبدل الصراخ حوارًا، وبدل الكراهية محبة.

دعونا نترك للعالم إرثًا يليق بأبنائنا، لا مقابر تذكّرهم بخلافاتنا.

فالأطفال لا يولدون وهم يعرفون الكراهية؛ نحن الذين نعلّمهم إياها.

فإذا كنا قادرين على أن نعلّمهم كيف يكرهون، فنحن قادرون أيضًا على أن نعلّمهم كيف يحبون.

وإذا كنا قادرين على توريثهم الخوف، فنحن قادرون على أن نورثهم الأمان.

وإذا كنا قادرين على أن نروي لهم قصص الحروب، فنحن قادرون على أن نكتب لهم قصةً أخرى؛ قصةً يكون فيها الإنسان أخًا للإنسان، ويكون الاختلاف مساحةً للتعارف، لا ذريعةً للعداء.

وحين يعود الحمام الزاجل من رحلته، لا نريده أن يعود محمّلًا برسالة حب من عاشقٍ إلى معشوقته فقط، بل نريده أن يعود محمّلًا برسالة من الإنسانية إلى الإنسانية.

رسالة تقول:

كفى ألمًا…

كفى فراقًا…

كفى حروبًا…

آن للسلام أن يحلّق بأجنحته فوق هذا العالم.

فلنكتب رسائلنا الآن، ولنربطها بأجنحة الحمام، ولنتركها تعبر السماء.

ربما تصل رسالة واحدة إلى قلبٍ غاضب، فتطفئ فيه نارًا.

وربما تصل إلى طفل، فتمنحه أملًا.

وربما تصل إلى أم، فتمنحها لحظة طمأنينة.

وربما تصل إلى قائد، فتذكّره بأن وراء القرارات بشرًا، وأمهاتٍ وأطفالًا وأحلامًا، وأن كل حرب تبدأ بقرار، لكنها لا تنتهي بسهولة في قلوب من عاشوا آثارها.

وربما تصل إلينا نحن…

فتذكّرنا بأن أجمل انتصار يمكن أن يحققه الإنسان في هذه الحياة ليس أن يهزم إنسانًا آخر…

بل أن ينتصر على الكراهية في داخله.

فالعالم لا يحتاج إلى مزيدٍ من الأعداء.

إنه يحتاج إلى إنسانٍ يتذكر كل يوم أن الحياة أجمل حين نتشاركها بسلام، وأن الاختلاف لا يلغي إنسانيتنا، وأن اختلاف الطرق لا يعني بالضرورة اختلاف الغاية.

نحن لا نملك أن نغيّر العالم كله في يومٍ واحد، لكننا نملك أن نغيّر شيئًا في أنفسنا اليوم.

وقد يكون هذا الشيء الصغير هو بداية التغيير الكبير.

فلنرسل رسائل السلام…

ولنجعل العالم كله ينتظر حمامةً بيضاء تحمل في جناحيها أجمل رسالة يمكن أن يكتبها الإنسان:

«من قلبٍ إلى قلب… سلام.»

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بصيرتي برس.. بصيرة الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى