الرأي والمقالات

عباس الماحى نقطة سطر جديد __رحلة في مملكة الحب

عباس الماحى نقطة سطر جديد

عباس الماحى

نقطة سطر جديد


ما الحب؟…


سؤالٌ تاهت في جوابه قوافل الشعراء، وأرهق الفلاسفة، ووقفت أمامه الحروف حائرة؛ لأن الحب لا يُعرَّف، بل يُعاش. لا تُحيط به الكلمات ولا تحتويه مهما ازدانت، ولا تصفه القصائد مهما بلغت من البلاغة، فهو أوسع من أن ترسمه الحروف، وأرحب من اللغة نفسها، وأعمق من البيان، وأصدق من كل وصف.


الحب سيمفونيةٌ إلهية لم تكتمل ألحانها بعد، تتجدد نغماتها مع كل قلبٍ صادق، ويصعب على الكلمات والموسيقى أن تضع نوتاتها أو تجمع أوتارها؛ لأنها تُعزَف في أعماق الروح، ويُسمع صداها في نبض القلوب قبل أن تصل إلى مسامع البشر.


الحب ليس له طعمٌ تتذوقه الشفاه، ولا لونٌ تميزه العيون، ولا عطرٌ يُختزل في زجاجة. الحب هو الشهيق والزفير اللذان نتنفس بهما دون أن نشعر، وهو الحياة حين تنبض في القلب، وسكينة الروح حين تجد مأواها. هو إحساسٌ تعجز عن حمله كلمات الشعراء، لأن بعض المشاعر خُلقت لتُحس، لا لتُقال، ولتُعاش، لا لتُروى.
هو اللغة الوحيدة التي يفهمها القلب قبل أن ينطق بها اللسان، والسر الذي يجعل للحياة طعمًا آخر، وللصباح لونًا أكثر إشراقًا، وللمساء سكينةً تشبه حضنًا دافئًا، يحتضن الروح كلما أثقلتها الأيام.


الحب ليس انجذابًا عاطفيًا ، ولا افتتانًا يذبل مع مرور الزمن، بل هو حالةٌ وجدانية عميقة ومعقدة، تمتزج فيها المشاعر بالوعي، والشغف بالسكينة، والتعلق بالاختيار، والكيمياء العاطفية بالتكامل النفسي، حتى يصبح قلبان، رغم اختلافهما، روحًا واحدة تنبض في جسدين.


هو أن تجد في إنسانٍ آخر امتدادًا لروحك، وأن ترى في ابتسامته صباحك، وفي صمته حديثًا، وفي حضوره وطنًا لا تحده الخرائط، وفي غيابه اشتياقًا لا يعرفه إلا القلب.
الحب هو الأمان الذي لا يُطلب، والاحترام الذي لا يُفرض، والثقة التي لا تهتز، والرغبة الصادقة في إسعاد الآخر دون انتظار مقابل. هو ارتباطٌ مبني على القبول؛ أن ترى الإنسان كما هو، بكل تفاصيله، بضعفه قبل قوته، وبأخطائه قبل فضائله، ثم تختار البقاء، لأن الحب لا يبحث عن الكمال، بل يصنع من النقص جمالًا، ومن الاختلاف انسجامًا.


والحب… ليس أخذًا، بل عطاء، وليس انتظارًا، بل مبادرة. ليس أن تبحث عمَّن يُسعدك، بل أن تكون سببًا في سعادة من تحب.


هو تضحياتٌ تُقدَّم بابتسامة، ومسحٌ للدموع قبل أن تنحدر على الخدود، واحتواءٌ للقلب حين يخذله العالم، ويدٌ تمتد في لحظة الانكسار، وصوتٌ يهمس: “أنا معك… لن أتركك وحدك، مهما أثقلتك الحياة.” هو أن يتقاسم قلبان الأوجاع قبل الأفراح، وأن يحمل كلٌّ منهما عن الآخر بعض أعباء الطريق، حتى تصبح الحياة أخف، والرحلة أجمل.


هو وردةٌ تُهدى دون مناسبة، وزهرةُ فُلٍّ تفوح بعطر الوفاء، وغصنُ ياسمين يهمس بأن الجمال الحقيقي هو أن تزرع حدائق الفرح في قلب من تحب، ولو كان قلبك مثقلًا بالتعب.


هو رحلةٌ تمتد في أعماق الإنسان، تكبر مع الأيام، وتثبت جذورها كلما عصفت بها الرياح. هو الضوء الذي يتسلل إلى أكثر الزوايا عتمةً في أرواحنا، فيمنحها القدرة على الحياة من جديد، ويعيد إلى القلب نبضه، وإلى الروح إشراقها.


وحين يكتمل الحب، لا يعود القلبان يمشيان فوق الأرض، بل يحلقان في الفضاء على بساط الريح، كأنهما طائران تحررا من جاذبية العالم، يجوبان الكون بحثًا عن الجمال، فيجدانه في كل شيء، لأن الحب يجعل العيون ترى ما لا يراه الآخرون.


وتبدأ رحلتهما من النيل…


فكيف لا يكون أول الأنهار، وقد شربنا من مائه، وكبرنا على ضفافه، وحملت أمواجه أول أحلامنا؟ وكيف لا يكون البداية، وهو النهر الذي علَّم الأرض معنى العطاء، وعلَّم الإنسان أن الحياة تستمر ما دام الماء يجري؟
يجلس الحبيبان على ضفافه، يراقبان انعكاس الشمس على صفحته، فيشعران أن الحب يشبه النيل؛ كريمٌ في عطائه، هادئٌ في حضوره، عظيمٌ في أثره، لا يمنح الحياة مرةً واحدة، بل يمنحها كل يوم، دون أن ينتظر شكرًا أو جزاء.


ثم يحملهما النسيم إلى أنهار العالم؛ إلى الأمازون، حيث الغابات تعانق السماء، وإلى الدانوب الذي تغني على ضفافه المدن، وإلى السين الذي يهمس للعاشقين بأسرار الجمال، وإلى الراين الذي يحرس القلاع القديمة، وإلى الفولغا، وإلى المسيسيبي، وإلى كل نهرٍ كتبته الطبيعة قصيدةً من الماء.


لكن القلبين، مهما أبعدتهما الرحلة، يعودان إلى النيل، لأن للنهر الذي سقانا في طفولتنا مذاقًا لا يشبهه ماء، وللوطن الذي يسكن القلب حنينًا لا يشيخ.
ويمران بالجبال التي تلبس الثلوج، وبالغابات التي تتعانق فيها الأشجار، وبالسهول التي افترشتها الأزهار، وبالشلالات التي تنثر الماء كاللؤلؤ، فتبتسم الورود لموكبهما، وتتمايل الأغصان مرحبةً، وتغني الطيور أعذب ألحانها، ويصبح القمر مصباحًا لطريقهما، والنجوم عقودًا من نورٍ تزين سماء الحب.


وهناك… يبنيان عشهما.


ليس من حجارةٍ ولا خشب، بل من الأحلام الصادقة.
عشًّا تتخاذل أمام دفئه الشمس بإشراقها البهي، ويخجل القمر من ضيائه، لأن نور المحبة الصادقة أبهى من كل نور، ويملأ الأرواح إشراقًا لا يعرف الأفول.


يبنيان أساسه من عبير خشب الصندل، ويغرسان أعمدته في أرضٍ من الوفاء، ثم يجمعان عرشه قشةً قشة؛ من زهور الربيع، والورد الجوري، والفُل، والياسمين، والنرجس، والأقحوان، ومن كل زهرةٍ نبتت في حدائق الأرض.

ينسجان سقفه بخيوط الأمل، ويعطرانه بالإخلاص، ويسقيانه كل صباح بماء الصدق، حتى يصبح جنةً صغيرة تأوي إليها الأرواح قبل الأجساد.
هناك، بين جدران ذلك العش، لا تُحسب الأيام بالساعات، بل بعدد الضحكات، ولا تُعد السنوات بالأرقام، بل بعدد الذكريات الجميلة. يصبح للعناق لغة، وللصمت قصيدة، وللنظرة وعد، وللابتسامة دعاء، وتغدو الأرواح كفراشتين تحلقان فوق بساتين الورود، ترتشفان رحيقها، لا تخشيان ريحًا، ولا تخافان زمنًا؛ لأن الحب، إذا كان صادقًا، منح القلب جناحين، وجعل السماء أقرب إلى الأرض.


الحب هو الألفة التي ترفع الكلفة، حتى يصبح الصمت حديثًا، والنظرة رسالة، والابتسامة اعتذارًا، والحضور طمأنينة، والغياب شوقًا جميلًا لا ألمًا.
ولو سألني أحدهم بعد كل هذا: ما الحب؟


لقلت:
الحب هو السر الذي يجعل للحياة طعمًا آخر. هو روحٌ تسكن الأرواح، ونورٌ يُهتدى به التائهون، ولغةٌ لا تحتاج إلى ترجمان. هو النبض الذي يمنح العلاقات الحياة كلما أوشكت على الذبول، وهو أن ترى روحك تمشي أمامك في هيئة إنسان، فتطمئن إليها كما يطمئن الطائر إلى عشه، وكما يطمئن النهر إلى مصبه، وكما تطمئن الأرض إلى أول قطرة مطر.


هو أن تعطي دون حساب، وتسامح دون منّة، وتضحي دون شكوى، وتبقى وفيًّا حين يتغير كل شيء.
الحب ليس كلمةً تُقال، ولا وعدًا يُكتب، ولا حلمًا يُرى في ليلةٍ تعبر، بل رسالةٌ إلهية تُهذّب الإنسان، وتزرع الرحمة في قلبه، وتجعله أكثر نقاءً، وأكثر جمالًا، وأكثر قدرةً على أن يرى العالم بعينٍ لا تعرف إلا الخير.
فإذا استطاع الحب أن يمسح دمعةً، ويزرع ابتسامةً، ويمنح قلبًا خائفًا أمانًا، فقد بلغ أسمى معانيه.


وفي نهاية الرحلة، يبقى الحب أعظم سرٍّ أودعه الله في القلوب؛ فلا يُرى بالعيون، ولا يُوزن بالموازين، ولا تُقاس عظمته بكثرة الكلمات، بل بما يتركه من نورٍ في الأرواح، وسلامٍ في النفوس، ورحمةٍ في القلوب. فإذا مرَّ الحب بقلبٍ صادقٍ أزهَره، وإذا سكن روحًا طهَّرها، وإذا جمع بين قلبين، جعلهما كغصنين من شجرةٍ واحدة، تمتد جذورهما في أرض الوفاء، وتتسامق أغصانهما في سماء الرحمة، وتثمر أيامهما سكينةً لا تعرف الذبول.
وحينها فقط… ندرك أن الحب ليس جزءًا من الحياة، بل هو الحياة كلها.


ويبقى الحب، مهما تعددت صوره وتنوعت معانيه، هبةً من الله أودعها في القلوب؛ يزكو بالصدق، ويثمر بالوفاء، ويزدان بالرحمة.


غير أن للحب ميزانًا لا يختل، وترتيبًا لا يتبدل؛ فأسمى الحب وأطهره هو حبُّ الله تعالى، فهو النور الذي تهتدي به الأرواح، واليقين الذي تستقر به القلوب، والرحمة التي تفيض على حياة الإنسان كلها. ثم يأتي حبُّ رسول الله محمد ﷺ، الذي علَّم الدنيا أن الحب خُلُق، ورحمة، وعطاء، وإيثار، وحسن معاملة.


فإذا امتلأ القلب بحب الله ورسوله، استقامت كل ألوان المحبة بعدهما؛ فأصبح حب الوالدين برًّا، وحب الأبناء رحمة، وحب الوطن وفاءً، وحب شريك الحياة مودةً وسكنًا، لا تملُّكًا ولا هوى زائلًا، بل مودةً وسكنًا ورحمةً تمتد جذورها في القلب.


أما المحبة التي تُلهي عن الخالق، أو تجعل القلب أسيرًا لمغريات الدنيا الفانية، فليست حبًا يرفع الإنسان، بل تعلقٌ يثقله ويُبعده عن حقيقة السعادة.
فالحب الحقيقي هو ما قرَّبك إلى الله، وزادك إنسانيةً ورحمةً ونقاءً، وجعل قلبك عامرًا بالإيمان قبل أن يعمره البشر.


وحينها فقط… ندرك أن الحب ليس مجرد شعور، بل رسالةٌ سماوية، تبدأ بحب الخالق، وتزدان بحب رسوله ﷺ، ثم تفيض رحمةً على كل من حولنا، فتغدو الحياة كلها حبًّا في الله، وبالله، وإلى الله.

عباس الماحى نقطة سطر جديد

لمتابعة أحدث الأخبار والتقارير الحصرية والتحليلات المعمّقة تابعونا على صفحتنا الرسمية على فيسبوك https://www.facebook.com/share/1GASKuGafY/

بصيرتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى