ما لم يقله السودانيون لنا… م. بدر أبو رقبة العتيبي


م. بدر أبو رقبة العتيبي
أديب وإعلامي كويتي
ربما تكون الحرب الشعواء في الداخل السوداني اليوم جرحاً غائراً، خلف وراءه الكثير والكثير من المآسي المؤلمة والفظاعات الوحشية هناك، فمن مجازر بشرية دامية إلى تطهير عرقي ممنهج، ومن حرب أهلية طاحنة إلى تمرد ميليشياوي، وسيطرة عصابات مسلحة تسعى لخلق حالة فوضى عارمة وموجات تهجير قسري واحتلال مساحات شاسعة من البلاد وتهديد مصالح واسعة للعباد، وما يمثله من أبعاد مريعة في تعدٍ سافر للسلم الأهلي ومصادرة ممتلكات هذا الشعب الأعزل كغنائم، وفيما يجسد بحرقة داكنة اتتهاكاً صارخاً لأبسط أبجديات مبادئ حقوق الإنسان.
إنها الحرب يا سادة، وكلنا نعرف ويلاتها الملعونة باختصار، وهي نفق الطريق المظلم إلى هاوية المجهول، وما تحمله في جعبتها المثقوبة من معانٍ قاسية كاللجوء والنزوح والتشريد والهجرة والغربة ناهيك عن فقدان المأوى المرتبط بالعوز والفاقة والفقر والإفقار والجوع والتجويع والحرمان، فرغم سوداوية المشهد السياسي الساخن في السودان اليوم إلا أن ثمة مؤشرات وشواهد آنية حافلة بالإيجابية تبرز كبلاسم ناجعة على فوهة السطح الميداني الجريح، قبل أن تكون آمالاً شافية وطموحات بالغة تدعو إلى التفاؤل.
لطالما استطاعت الدبلوماسية الشعبية السودانية أن تحتل الصدارة والريادة عالمياً بتأثيرها المبهر في جمع كل السودانيين المغتربين في الخارج حول بعضعهم عبر أصقاع الأرض وبلدان المهجر والاغتراب التي اضطرتهم ظروفهم البائسة إلى الارتحال لها قبل نشوب الحرب الظالمة الأخيرة وبعدها.
وتعتبر الجاليات السودانية من أكثر الجاليات اندماجاً فيما بينها في هذا العالم الذي أصبحت تسيطر عليه سطوة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بين الأفراد، ولتنامي دور النخب ومكانة الكفاءات في القيام بواجباتها الوطنية وتحمل مسؤولياتها المجتمعية على أكمل وجه دور ملحوظ في هذا الخصوص، فإن كنت من رواد الأعمال السودانيين المحظوظين أو حتى من أصحاب المهن التجارية فلا بد من وجود نادي محلي قريب من محل إقامتك يجمع رجال الأعمال من أبناء جلدتك السودانية السمراء كجمعية أو ملتقى أو حتى رابطة في البلد الذي تعيش فيه مرغماً لظرفٍ طارئ ما أو طواعية باختيارك، وكذلك الحال بالنسبة لعشاق الثقافة، فبإمكانهم ممارسة أنشطتهم الأدبية وإقامة معارض فنية وإحياء ندوات وجلسات نقاشية فكرية حول موضوع ما تحت سقف مظلة واحدة تجمع أفراد الجالية السودانية في الشتات، ومثلها تماماً في الجانب الاجتماعي الأكثر غنى من حيث الاحتفاء بالمناسبات على طريقة اللمة السودانية المتأصلة جذورها بعمق في المجتمع هناك، وما تجسده من مناسبات احتفال وحفلات تكريم وأعمال تطوعية وخيرية تسهم بتعزيز أواصر وحدة الصف بين أبناء وبنات الجالية، وتكريس مفهوم التكافل فيما بينهم وغيرها من فضائل أخرى عديدة.
فلقد أثبتت التغريبة السودانية الأخيرة بأبعادها الأخلاقية القيمة ومفاهيمها الإنسانية الشاملة حقيقة أن الزول السوداني يتمتع بطبيعة هويته البشرية بتركيبة اجتماعية متفردة، وهو الثروة القومية الوحيدة التي تبنى عليها ركائز المجتمع المعاصر في الدولة الحديثة خاصة بعد الحرب الدموية الطاحنة التي أنهكت البلاد وأهلكت العباد.
فالشباب السوداني قادر على بناء مستقبل بلاده بجدارة، وما يسطره الكثيرون من نجاحات في الخارج وحده كفيل بإبراز هذه الصور الزاهية الجميلة كشهادات تفوق محفزة للإبداع في سجلات أرصدة أجيال من السودانيين تحركهم ضمائرهم الحية وغيرتهم الوطنية بجعل بلادهم في مصاف الدول المتقدمة، فكل ما يحتاجه السودانيون اليوم بلا شك هو توفير البيئة المناسبة أكثر، والملائمة لشحذ هممهم الوطنية ودفعهم نحو البذل والعطاء والإخلاص من أجل تسخير إمكانياتهم الهائلة كقوى بشرية فاعلة لتحقيق الإبداع والتميز والنجاح، فهم قادرون لا محالة بفضل الله في خلق عالمهم الإبداعي الخاص والمميز في بلدان المهجر والغربة رغم التحديات الكبيرة والصعبة التي قد تواجههم أحياناً، ولن يعجزوا أبداً عن رسم ملامح مستقبل بلادهم المشرق السودان الشقيق، والنهوض بسواعدهم المحلية الباسلة لتنميته برخاء، وجعله في مصاف الأمم المتقدمة مثلما أفلحوا بحسن تمثيله ورفعة اسمه وسمعته بأحلك الظروف وفي الخارج البعيد.