
رحمة عبدالمنعم يكتب:
«زادنا» .. أو مشروع «إعاشة السياسيين»!
حين أصدر رئيس مجلس إدارة شركة زادنا العالمية للاستثمار، الفريق أول ميرغني إدريس قراره بتعيين علي عسكوري عضواً منتدباً للشركة، سخر الأستاذ الصحفي الطاهر ساتي من القرار، وكتب في إحدى مجموعات الواتساب أن التعيين غير مناسب، ووصفه بأنه جعل من زادنا «مشروع إعاشة للسياسيين العطالى».
يومها ربما ظن البعض أن الطاهر ساتي قد تسرع في حكمه على الرجل، لكن لاحقاً بدت مبررات حكم الصحفي الكبير أكثر وضوحاً من خلال طريقة إدارة عسكوري للشركة، حيث فتح أبوابها أمام عدد من أصدقائه وحلفائه السياسيين، وأسند إليهم مناصب برواتب مغرية وامتيازات تشمل السكن الفاخر وسيارات آخر موديل، في وقت تحتاج فيه المؤسسة إلى توجيه مواردها نحو الإنتاج والمشروعات الاستثمارية.
وهنا يصبح السؤال: هل جاء عسكوري لتطوير زادنا وزيادة إنتاجها واستثماراتها، أم لتحويلها إلى مساحة للتمكين السياسي وتوزيع المناصب والامتيازات؟.. تحولت زادنا إلى “جمعية خيرية”، ومشروع لإعاشة سياسيين عاطلين ينتظرون عطاء الدولة مقابل إسنادهم لها وللجيش.
فشركة زادنا مؤسسة استثمارية وليست ضيعة خاصة بـ”علي عسكوري“، ومن الخطأ أن تتحول إلى غنيمة سياسية يقتسمها الأصدقاء والحلفاء وأصحاب الحظوة السياسية من الخاملين الذين لم ينتسبوا إلى مهنة في يوم من الأيام.. تراجع معيار الكفاءة مقابل المكافأة على المواقف السياسية، وانتسب للشركة عدد من الذين لا صلة لهم بالزراعة ولا الاستثمار، وفي مقابل ذلك أقال عسكوري كوادر مؤهلة من أصحاب الخبرات العلمية والفنية، بينهم أساتذة جامعات وحملة درجات علمية عليا، واستعاض عنهم بعناصر عديمة التأهيل والخبرة.
أخطر ما يمكن أن يصيب شركة بحجم زادنا أن تتحول المناصب فيها إلى مكافآت سياسية بدلاً من مسؤوليات مهنية يتولاها أصحاب الكفاءة والخبرة، في شركة يُعوَّل عليها في تأمين غذاء السودان.
منذ تعيين عسكوري، تكاد الأخبار المنشورة عن أنشطة الشركة تدور في فلك عبارة واحدة: «بحث عسكوري»؛ بحث التعاون مع هذه الجهة، وفرص الاستثمار مع تلك المؤسسة، والتمويل مع أحد البنوك، وتطوير المشروعات مع مسؤول حكومي، والشراكات مع مستثمرين. بحث ثم بحث، حتى أصبح السؤال الذي يفرض نفسه: متى ينتهي عسكوري من البحث ويبدأ الإنتاج؟.. فالبحث لا يزرع سنبلة، والاجتماعات لا تشغّل طلمبة، والصور مع المسؤولين لا ترفع الإنتاج الزراعي، والرحلات الخارجية لا تصنع استثماراً ما لم تتحول إلى مشروعات واتفاقيات ذات نتائج ملموسة.
لقد سافر الرجل إلى إسبانيا، وهناك حديث عن سفره إلى الصين، والتقى مسؤولين ومديري بنوك ومؤسسات مالية، لكن أين الحصيلة الاقتصادية لهذه التحركات؟ كم مشروعاً جديداً دخل مرحلة الإنتاج؟ وكم فداناً أُضيف إلى المساحات المزروعة؟ وكم استثماراً استقطبته الشركة؟ وما حجم العائد المالي الذي تحقق من هذه الزيارات واللقاءات؟ ما نريد معرفته هو ما أنجزه عسكوري، وليس أسماء الذين اجتمع بهم.. وإلى متى ستكون الجعجعة بلا طحين؟ ولماذا غابت أخبار الاستثمارات العظيمة والأرباح المتنامية التي كانت تميز أخبار زادنا، وتحولت إلى “أخبار مراسمية وبروتوكولية” لا تغني ولا تسمن من جوع؟
ومن المفارقات التي تستحق التوقف عندها ما جرى في ملف الطلمبات الخاصة بالمشروعات الزراعية، حيث احتفت إدارة إعلام الشركة باستجلابها، وقدمت الأمر باعتباره إنجازاً للإدارة الحالية، رغم أن إجراءات استجلاب هذه الطلمبات كانت قد أُنجزت بواسطة الإدارة السابقة، وتسلمت إدارة عسكوري ما تم التعاقد عليه وتجهيزه من قبل ،فبأي حق يُقدَّم استلام عمل أنجزته إدارة سابقة باعتباره إنجازاً جديداً لعسكوري؟
وقد دخل عسكوري في صراعات مع حكومة ولاية نهر النيل والمجتمعات المحلية، وأثارت تصريحاته بشأن سوق دار مالي للذهب غضب أهلنا الميرفاب، وهو في تقديري «هرف بما لا يعرف»، وأراد إدخال عنتريات بعض الساسة إلى إدارة الشركة، وهذا من الأخطاء الكبيرة؛ لأن إدارة الاستثمار لا تحتمل عقلية الصراعات السياسية والعنتريات والتصريحات المستفزة، فالمجتمعات المحلية وحكومة الولاية شريكان أساسيان في نجاح المشروعات واستقرارها، ومن الخطأ التعامل معهما بمنطق الخصومة والعداء.
عسكوري مطالب بإدراك أن زادنا شركة استثمارية وليست تنظيماً سياسياً، وأن منصب العضو المنتدب مسؤولية إدارية لا تحتمل إطلاق التصريحات وتصفية الخلافات،أما الملف الذي ينبغي أن يشغل عسكوري وإدارته قبل أي شيء آخر، فهو ملف المشروعات الزراعية التي لم نعد نسمع عنها شيئاً.. والسؤال الموجه لعسكوري: أين وصلت مشروعات زادنا الزراعية التي كانت تعمل قبل تعيينه؟ وهل شهدت توسعاً في المساحات والإنتاج؟ وهل تمكنت الإدارة الحالية من معالجة المشكلات التي تواجه هذه المشروعات؟ وما حجم التمويل الذي وفرته للمواسم الزراعية؟ ثم أين وصل العمل في مشروع «زادي ون» الضخم؟
هل ما زال المشروع يعمل وفق الخطط الموضوعة، أم تعرض للتعثر أو التوقف؟ وما نسبة الإنجاز الفعلية فيه؟ وما الذي قدمته إدارة عسكوري لدفع العمل إلى الأمام؟ ولماذا لا تنشر إدارة الشركة تقريراً واضحاً عن موقف المشروع، بدلاً من ترك هذه الأسئلة معلقة؟..إن ما يحدث في مشروع بهذا الحجم يستوجب المساءلة، ويستحق إحاطة توضيحية كافية للرأي العام بشأن مصيره ومستوى سير العمل فيه، بعيداً عن الاكتفاء بأخبار الاجتماعات والزيارات التي لا تقدم إجابات عن واقع المشروعات الاستراتيجية.
قد يخرج علينا المدافعون عن عسكوري ليقولوا إن الفترة التي قضاها في المنصب غير كافية للحكم على أدائه، وإن المشروعات الاستثمارية تحتاج إلى سنوات حتى تظهر نتائجها، ونحن نتفق معهم في أن الاستثمار يحتاج إلى وقت، لكننا نسألهم: أين الأفكار التي جاء بها عسكوري؟ وأين خطته الاقتصادية؟ وما المشروعات التي بدأ تنفيذها؟ وما الذي أضافه إلى المشروعات التي وجدها قائمة؟..
قد لا تكون الفترة كافية لإكمال المشروعات، لكنها تكفي لتقديم خطة عمل واضحة، وإعلان مؤشرات الأداء، وتحديد المشروعات ذات الأولوية، والكشف عن نسب التنفيذ. كما أن هناك أسئلة لا تحتمل التأجيل تتعلق بالأسباب التي جعلت عسكوري يحول الشركة إلى مشروع لإعاشة بعض السياسيين. أما أن تمضي الفترة في الاجتماعات والزيارات والتصريحات، ثم يُطلب من الناس الانتظار دون تقديم كشف حساب، فهذا دفاع يفتقر إلى الإقناع.
الأغرب من كل ذلك ما يُتداول عن اتجاه شركة زادنا لرعاية الدوري السوداني الممتاز لكرة القدم، وإجراء مفاوضات بشأن هذه الرعاية، وهنا ينبغي أن نسأل عسكوري مباشرة: ما الذي يدفع شركة استثمارية يُفترض أن تكون الزراعة والإنتاج والتنمية في مقدمة أولوياتها إلى التفكير في رعاية الدوري الممتاز؟ هل أكملت زادنا جميع مشروعاتها الزراعية؟ وهل وفرت التمويل اللازم لمشروعاتها القائمة؟ هل عالجت أوجه القصور والتعثر؟ وهل أصبحت لديها فوائض مالية تسمح بالإنفاق على الرعاية الرياضية؟
نحن مع كرة القدم ودعم الدوري الممتاز، لكن هناك فرقاً كبيراً بين شركة تدعم الرياضة من فائض أرباحها وفق خطة تسويقية مدروسة، وشركة تتجه إلى هذا النوع من الإنفاق بينما تظل التساؤلات قائمة بشأن أولوياتها ومشروعاتها الإنتاجية، الأولى بعسكوري أن يرعى المشروعات الزراعية قبل أن يفكر في رعاية الدوري الممتاز، وأن ينشغل بزيادة الإنتاج قبل البحث عن الظهور في الملاعب والمنصات الإعلامية.
فإذا كانت لدى زادنا أموال متاحة، فإن توجيهها إلى تأهيل المشروعات الزراعية، وتوفير الآليات ومدخلات الإنتاج، وزيادة المساحات المزروعة، ومعالجة التعثر، ينبغي أن يتقدم على أي إنفاق لا يرتبط مباشرة بأهدافها الاستثمارية، ما لم تثبت جدواه الاقتصادية، فالأزمة الحقيقية في إدارة زادنا تتعلق بغياب كشف حساب اقتصادي واضح يستطيع الناس من خلاله تقييم ما تحقق خلال فترة الإدارة الحالية، أكثر من تعلقها بكثرة الاجتماعات أو السفر إلى الخارج.
ولذلك فإن عسكوري مطالب بالإجابة عن أسئلة محددة لا تحتمل المراوغة: ما عدد الذين جرى تعيينهم منذ توليه المنصب، وما مؤهلاتهم ورواتبهم وامتيازاتهم؟ وكم عدد الكفاءات التي غادرت الشركة، وما أسباب مغادرتها؟ وما حجم الإنتاج والاستثمارات الجديدة؟ وما موقف المشروعات الزراعية؟ وأين وصل مشروع زادي ون؟ وما العائد الفعلي من الزيارات الخارجية والاجتماعات؟ وما الجدوى الاقتصادية من رعاية الدوري الممتاز؟.. إن زادنا تحتاج إلى مدير يعرف كيف يحول الأرض إلى إنتاج، والمشروعات إلى أرباح، والاستثمارات إلى فرص عمل، بدلاً من إدارة تستهلك وقتها في صناعة الأخبار والاحتفاء باللقاءات.
لقد كانت زادنا اسماً يرتبط بمشروعات واستثمارات كبيرة، ومن المؤسف أن يصبح السؤال الأبرز بشأنها اليوم متعلقاً بطريقة إدارتها وتعييناتها وامتيازاتها وخلافاتها وأولوياتها، عوضاً عن توسعها وإنتاجها. وعلى عسكوري أن يدرك أن إدارة شركة بهذا الحجم مسؤولية وطنية وإدارية ثقيلة تتطلب الكفاءة والانضباط والشفافية، وليست فرصة للوجاهة السياسية أو ساحة لاستعراض العضلات السياسية والإعلامية.. ويبقى السؤال: هل كان الطاهر ساتي محقاً حين وصف القرار بأنه «مشروع إعاشة للسياسيين العطالى»؟
بصيرتي برس.. بصيرة الوطن