اقتصاد النفط السوداني.. حين تصبح فوضى الاستيراد أغلى من النفط نفسه
تحليل اقتصادي يفصل التكلفة الحقيقية لبرميل النفط في السودان وأثر سوء الإدارة على المعيشة
اقتصاد النفط السوداني.. حين تصبح فوضى الاستيراد أغلى من النفط نفسه
بقلم: البروفيسور محجوب هجانة
الخبير الاقتصادي والمتخصص في الاقتصاد القياسي والاقتصاد الكلي
أخطر ما في أزمة النفط السوداني ليس ارتفاع سعر البرميل؛ بل أن السودان قد يدفع ثمن البرميل مرتين: مرة لشراء النفط، ومرة بسبب سوء إدارة الطريق الذي يصل به إلى الاقتصاد. وفي اقتصاد يعاني شح النقد الأجنبي، لا يوجد هدر يمكن اعتباره تفصيلًا إداريًا.
وأقول بوضوح: في اقتصاد النفط، لا يكفي أن نعرف سعر البرميل؛ المطلوب معرفة التكلفة الاقتصادية الكاملة للبرميل حتى يصل إلى المستهلك. الشحن والتأمين والتمويل والتخزين والتأخير ليست تفاصيل هامشية؛ بل تكاليف حقيقية. وكل يوم تأخير قد يتحول إلى تكلفة إضافية على النقل والإنتاج والأسعار.
وأرى أن السؤال الأخطر يقع في اقتصاد المخاطر: هل كان الخطر متوقعًا؟ وهل أُدير؟ هل وُجد مورد بديل؟ هل كان المخزون الاستراتيجي كافيًا؟ وهل كانت تكلفة التحوط أقل من تكلفة التعطل؟ وأتعجب: إذا كانت هذه المخاطر قابلة للقياس، فلماذا ندفع ثمنها ثم نبحث عن تبرير؟
ثم تأتي تكلفة الفرصة البديلة. كل دولار يُهدر بلا ضرورة هو دولار أقل للدواء والغذاء ومدخلات الإنتاج. وفي اقتصاد يفتش عن الدولار، لا يختفي الهدر؛ بل ينتقل إلى المواطن في صورة تضخم وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القوة الشرائية.
وأقول هنا: في الاقتصاد الكلي، صدمة الوقود لا تبقى في قطاع النفط. ترتفع تكلفة النقل، ثم الإنتاج، ثم الأسعار، مع ضغط إضافي على النقد الأجنبي وسعر الصرف. إنها صدمة عرض تنتشر عبر الاقتصاد كله.
أما الاقتصاد القياسي فلا يقبل أن تكون «الحرب» نهاية التحليل. الحرب متغير حقيقي، لكنها لا تفسر تلقائيًا كل خسارة. وأرى أن المطلوب هو تفكيك السببية: كم فرضته الحرب؟ وكم صنعه التأخير؟ وكم صنعته العقود والتمويل والشحن وضعف إدارة المخاطر؟ فالارتباط ليس سببية، والتبرير ليس قياسًا.
وأتعجب اقتصاديًا: كيف نطالب المواطن بتحمل تكلفة النفط، بينما لا نملك رقمًا واضحًا يحدد تكلفة سوء إدارته؟
وعودة المؤسسة الوطنية للنفط يجب ألا تكون عودة اسم؛ بل عودة كفاءة: تكلفة أقل، توريد أسرع، مخزون أفضل، مخاطر محسوبة، وتخصيص أكثر كفاءة للنقد الأجنبي.
وهنا أقول للحكومة: إذا كانت تعرف سعر البرميل، فهل تعرف تكلفته الاقتصادية الكاملة؟ وإذا كانت لا تعرف تكلفة التأخير والمخاطر والعقود، فكيف تعرف أنها تدير النفط بكفاءة؟
لأن الخسارة الاقتصادية لا تبدأ عندما ندفع المال؛ بل عندما ندفعه دون أن نعرف لماذا دفعناه، وكم كان يمكن توفيره.
وهنا تصبح الحقيقة أقسى من العنوان نفسه: اقتصاد النفط السوداني.. حين تصبح فوضى الاستيراد أغلى من النفط نفسه.
ونحن في الاقتصاد، إذا اختلف الكلام مع الرقم، فنحن مع الرقم.