
عباس الماحى
نقطة سطر جديد
نحن أهل العهد
*************
العهد ليس كلمةً تُقال ثم تمضي، ولا وعدًا يُقطع في ساعة صفاء ثم يُنسى عند أول اختبار؛ بل هو مسؤولية، وميثاق، ووفاء، وشرفٌ يلتزم به الرجال حين تصبح الكلمة موقفًا، وحين يتحول الوفاء بها إلى امتحان… والعهد، في معناه الأصيل، هو أن يظل الإنسان ثابتًا على ما التزم به، صادقًا مع نفسه وأهله ووطنه، لا تغيّره الأهواء، ولا تهزمه العواصف، ولا تجعله تقلبات الأيام يتراجع عن المبادئ التي آمن بها.
والأوطان كذلك تقوم على العهود؛ عهد الإنسان بأرضه، وعهده بأهله، وعهده بتاريخ وطنه، وعهده بالأجيال التي ستأتي من بعده… فالوطن ليس مجرد حدود مرسومة على خريطة، ولا ترابًا نسكن فوقه ثم نرحل عنه، وإنما هو ذاكرة وهوية وكرامة وانتماء… هو المكان الذي تبدأ فيه الحكاية، وتتشكل فيه ملامح الإنسان، وتبقى صورته في القلب مهما ابتعدت المسافات وتبدلت الظروف.
ومن هنا، فإن الوفاء للوطن لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما بالمواقف والسلوك والعمل، وبالقدرة على وضع مصلحة الوطن فوق المصالح الشخصية والحزبية والجهوية، وإدراك أن الأوطان أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأعظم من كل خلاف.
ونحن في السودان أهل عهد ووفاء؛ هكذا عرفنا أنفسنا، وهكذا عرفنا الناس عبر تاريخنا الطويل. ففي وجدان السوداني تجذرت قيم النخوة والمروءة والشهامة والكرم، واحترام الكلمة، والوقوف مع الصديق وقت الشدة، ونصرة المظلوم، وإغاثة المحتاج، وحب الأرض التي نشأ عليها وترعرع فوق ترابها.
فالسوداني حين يقول: «عهد»، فإنه يضع كلمته في موضع الشرف، وحين يقول: «وطن»، فإنه لا يعني قطعةً من الأرض فحسب؛ بل يعني ذاكرة الأجداد، وبيوت الأهل، ورفقة الأحباب، ومرابع الطفولة، ورائحة الأرض بعد المطر، ونيلًا يجري في العروق قبل أن يجري في الأرض، وأغنياتٍ وذكرياتٍ وأحلامًا لا يستطيع الزمن أن يمحوها.
فالسودان وطنٌ يسكن فينا… ولذلك فإن حبه ليس شعارًا نرفعه في المناسبات الوطنية، ولا كلماتٍ جميلة نتبادلها في الخطب والاحتفالات؛ وإنما هو مسؤولية وسلوك وموقف. هو أن نختلف دون أن نتقاتل، وأن نتباين دون أن نتباغض، وأن نتحاور دون أن نلغي بعضنا بعضًا، وأن نضع مصلحة الوطن فوق مصالحنا الخاصة، وأن ندرك أن السودان أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأعظم من كل خلاف.
السودان وطنٌ لا يختصره لون، ولا قبيلة، ولا جهة، ولا حزب، ولا مدينة. هو فسيفساء عظيمة من الشعوب والثقافات واللهجات والعادات والتقاليد، اجتمعت عبر التاريخ تحت سماء واحدة، وعلى أرض واحدة، وبين ضفتي نيلٍ حمل الخير والحياة.
وحين تتعرض الأوطان للمحن، تظهر حقيقة الانتماء، ويُعرف أهل العهد من أهل الشعارات. فليس الوفاء أن نحب الوطن حين يكون آمنًا مزدهرًا فحسب، وإنما أن نحفظه حين تضيق به السبل، وأن نعمل من أجل إنقاذه حين تتكاثر عليه المحن والجراح، وأن نضع أيدينا في أيدي بعضنا حين يكون الوطن في أمسّ الحاجة إلى أبنائه.
وجيشنا العظيم هو أحد عناوين العهد والوفاء، وقد ارتبطت مؤسسته، عبر تاريخها، بمعاني الواجب والتضحية والانضباط وخدمة الوطن. وهي مؤسسة عسكرية ضمت في صفوفها أبناء السودان من مختلف مناطقه وقبائله وولاياته وثقافاته، فكان الجيش، في صورته الوطنية الجامعة، مرآةًلهذا الشعب بكل ألوان طيفه.
فالجيش السوداني ليس ملكًا لفئة أو جهة أو منطقة؛ وإنما هو مؤسسة وطنية، تتمثل رسالتها في حماية الأرض والعرض وصون السيادة والدفاع عن الشعب ومقدرات الوطن.
وفي صفوفه وقف أبناء الشمال والشرق والغرب والوسط، ومن مختلف القبائل والمكونات، يجمعهم قسمٌ واحد، ورايةٌ واحدة خفاقة في أرجاء الوطن، وواجبٌ واحد: السودان، أرض العزة والكرامة.
وعبر تاريخ السودان، سطّر رجال القوات المسلحة مواقف من الشجاعة والتضحية، ووقفوا في ساحات الواجب يقدمون أرواحهم ودماءهم من أجل الوطن… وكل مؤسسة عسكرية تُعرف بمعدن رجالها عند الشدائد، وقد عهدنا في رجال جيشنا الصبر والثبات والإقدام، وعهدنا في كثير من أجياله أن الوطن عندهم أمانة، وأن أداء الواجب شرف، وأن التضحية من أجل الأرض والشعب مسؤولية لا يهرب منها الرجال.
رحم الله كل من مضى شهيدًا في سبيل الوطن، وحفظ كل جندي يقف اليوم في موقعه يؤدي واجبه، ونسأل الله أن يكون دم أبنائنا جميعًا جسرًا إلى السلام والوحدة، لا وقودًا لحرب تستنزف الوطن وتقتل أبناءه.
آن أوان أن نجلس من أجل السودان الوطن الواحد… لقد أتعبتنا الفرقة، وأوجعنا الشتات، وأثقلت كاهله الخصومات، ونالت الحرب من الإنسان والأرض والذاكرة. آن الأوان أن نتوقف قليلًا، وأن نسأل أنفسنا بصدق: ماذا نريد أن نترك لأبنائنا؟
هل نريد أن نترك لهم وطنًا ممزقًا، تتوارث فيه الأجيال المرارة والخصومة؟ أم نريد أن نترك لهم سودانًا موحدًا آمنًا عزيزًا، تتسع أرضه للجميع، وتُصان فيه كرامة الإنسان، ويجد فيه الشباب فرصهم، ويعيش فيه المواطن آمنًا مطمئنًا؟
ومن هنا تأتي دعوة رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، إلى جميع أبناء السودان، من مدنيين وسياسيين ومجتمعيين، للجلوس من أجل السودان.
من أجل شعب أنهكته الحرب، ومن أجل أم ثكلى تنتظر ابنها، ومن أجل أب يبحث عن أمان أسرته، ومن أجل طفل يستحق أن يكبر في وطن لا يعرف فيه صوت الرصاص بدلًا من صوت جرس المدرسة، ومن أجل وطن يستحق أن تُجمع كلمته بدل أن تتبعثر، وأن تُبنى مؤسساته بدل أن تنهار، وأن يعود إليه الأمن والسلام والاستقرار.
إن الجلوس إلى طاولة الحوار ليس ضعفًا، والتسامح ليس هزيمة، والتنازل عن بعض المواقف من أجل إنقاذ الوطن ليس انكسارًا؛ بل إن أعظم الانتصارات أن ينتصر السودان على جراحه، وأن ينتصر أبناؤه على نزعات الفرقة، وأن يجدوا طريقًا يعيد الأمن والطمأنينة إلى ربوعه.
فالوطن لا يحتاج في لحظات المحن إلى مزيد من العناد، وإنما يحتاج إلى الحكمة والشجاعة، وإلى رجال ونساء يملكون القدرة على تقديم المصلحة العامة على الحسابات الخاصة، وعلى النظر إلى المستقبل بدل البقاء أسرى لجراح الماضي.
يكفينا فرقة وشتاتًا
يكفينا فرقةً وشتاتًا.
تعالوا نجلس، ونتسامح، ونتصالح، ونختلف باحترام، ونتفق على ما يجمعنا، ونجعل من تراب السودان نقطة التقاء لا ساحة صراع.
فالكراسي زائلة، والمناصب إلى نهاية، والأسماء مهما علا شأنها تمضي، لكن الوطن باقٍ، والتاريخ لا يرحم. وسيكتب بأحرف لا تمحى من وقف مع وطنه في محنته، ومن اختار مصلحة شعبه، ومن قدّم التنازل حين كان التنازل إنقاذًا للوطن، ومن امتلك شجاعة المصالحة حين كان الوطن أحوج ما يكون إليها.
فلنكن أهل عهد حقًا.
عهدنا مع السودان أن نحفظ وحدته، ونصون كرامته، ونحمي أرضه، ونرفع رايته، ونبني مستقبله.
ولنكن أوفياء لدماء الذين رحلوا، بأن نجعل تضحياتهم طريقًا إلى السلام، لا بدايةً لتضحيات جديدة.
ولنكن أوفياء لأبنائنا الذين ينتظرون منا وطنًا أفضل مما وجدناه، وأرحب مما ورثناه، وأكثر أمنًا وعدلًا واستقرارًا.
السودان أولًا …
يا سودان، يا وطن النيل والخير، يا أرض الطيبين، يا موطن الأجداد، وذاكرة الآباء، وحلم الأبناء؛ يا وطنًا حملتنا أرضه، وأظلّتنا سماؤه، وعاش فينا قبل أن نعيش فيه، دمت عزيزًا، وسلمت من كل محنة، وبقيت شامخًا رغم الجراح.
يا سودان، إننا نعشقك لا لأنك وطننا فحسب، بل لأنك الحكاية التي لا تنتهي، والذاكرة التي لا تشيخ، والبيت الذي مهما ابتعدنا عنه تظل أرواحنا معلقة بأبوابه.
نعشق ترابك الذي حمل خطى آبائنا وأجدادنا، ونحب نخيلك وحقولك ووديانك وأنهارك، ونحب نيلك الذي علّمنا أن الحياة تمضي مهما كثرت العوائق، وتعثرت الخطى، وأن النهر لا يتوقف لأن حجرًا اعترض طريقه.
نعشقك في صباحاتك الهادئة، وفي لياليك المضيئة بالنجوم، وفي رائحة ترابك، وفي أصوات أهلك، وفي بساطة إنسانك، وفي ضحكة أطفالك، وفي أغنياتك التي تختزن ذاكرة أجيال كاملة.
نحبك لأنك وطنٌنا… فإذا ابتعدنا عنه نادانا الحنين، وإذا عدنا إليه شعرنا أننا عدنا إلى أنفسنا.
ومهما اختلفنا في السياسة، ومهما تباينت آراؤنا، ومهما فرّقتنا الظروف والمسافات، يبقى السودان هو المساحة الأوسع التي تجمعنا، والاسم الذي لا ينبغي أن نختلف عليه، والبيت الذي لا يجوز أن نهدمه بأيدينا.
وسيظل عهدنا معك قائمًا ما بقي فينا قلب ينبض:
أن السودان أولًا.
وأن وحدته أمانة.
وأن كرامة شعبه غايتنا.
وأن أمنه وسلامه مسؤوليتنا.
وأن ترابه أغلى من الكراسي والمناصب.
وأن محبته ليست قولًا، بل عملٌ ووفاءٌ وتضحية.
فليضع كل منا يده على قلبه، وليقلها من أعماقه:
“نحن جند الله جند الوطن”
نعم ….
نحن أهل العهد، أهل الجد في مُلِمّات الأمور، ولن نخون عهد السودان.
نحن أهل الوفاء، ولن نخذل وطنًا أعطانا اسمه وأرضه وتاريخه وذكرياته.
نحن أبناء وطن واحد؛ ومهما اختلفت بنا الطرق، فمصيرنا واحد، وترابنا واحد، وسوداننا واحد.
اللهم احفظ سوداننا وأهله، واجمع كلمتهم، وألّف بين قلوبهم، وأطفئ نار الفتنة والحرب، واكتب لوطننا سلامًا دائمًا، وأمنًا راسخًا، واستقرارًا يليق بأهله، ومستقبلًا يليق بأبنائه.
اللهم اجعل السودان وطنًا آمنًا موحدًا عزيزًا، واجعل أهله أهل محبة ورحمة وتعاون، وأعد إلى أرضه السلام، وإلى بيوته الطمأنينة، وإلى أطفاله فرحةً طال انتظارها.
فالسودان ليس لنا وحدنا…
السودان أمانة في أعناقنا، وعهدٌ نحمله للأجيال القادمة.
وسيظل حبه في قلوبنا عهدًا لا ينكسر،
لمتابعة أحدث الأخبار والتقارير الحصرية والتحليلات المعمّقة تابعونا على صفحتنا الرسمية على فيسبوك
تابع آخر المستجدات والأخبار العاجلة عبر قناة بصيرتي برس على واتساب