مؤسسة د. أبوذر الكودة التعليمية.. حين أخطأ التكريم توقيت السودان
قراءة نقدية في توقيت احتفالات مؤسسة أبوذر الكودة الثقافية بالقاهرة وسط مآسي الحرب السودانية
كتب محمد عثمان الرضي
ليس كل ما يُسمّى ثقافةً يصبح بالضرورة موقفاً وطنياً، وليس كل احتفالٍ يمكن تبريره بحجة تكريم المبدعين. أحياناً يكون التوقيت وحده كافياً لإفساد أجمل النوايا، وهذا تحديداً ما حدث في المنتدى الثقافي الأول الذي دشّنته مؤسسة د. أبوذر الكودة التعليمية بالقاهرة في الثاني والعشرين من أغسطس 2026.
المؤسسة كرّمت القامة الفنية الأستاذ الفنان النور الجيلاني، كما كرّمت الإعلامي الكبير الأستاذ بابكر صديق حنين، وهما اسمان لهما حضورهما وتاريخهما، ولا علاقة لهذا النقد بأحقيتهما في التكريم، وإنما علاقته الكاملة بالطريقة والتوقيت والرسالة التي خرج بها الاحتفال.
ولأقولها دون مواربة: المشهد كان مستفزاً لمشاعر السودانيين الذين يعيشون الحرب والفقد والنزوح.
شاهدت مظاهر الغناء والطرب، ورأيت الوجوه تتمايل مع الموسيقى، وفي اللحظة نفسها كانت صور السودان المكلوم تقفز إلى ذهني؛ سودان فقد أبناءه، وتشرد أهله، وامتلأت بيوته بالعزاء، وما زالت جراحه مفتوحة.
كيف يمكن لمؤسسة تعليمية سودانية أن تقيم احتفالاً بهذه الصورة في الوقت الذي لا تزال فيه أسر سودانية تبحث عن مفقوديها، وأمهات يدفنّ أبناءهن، وأطفال يكبرون بعيداً عن مدارسهم وبيوتهم؟
المشكلة ليست أن السودانيين غنّوا؛ المشكلة أن المشهد بدا وكأن السودان ليس في حرب.
نعم، نحن لا نريد لشعبنا أن يموت مرتين؛ مرة بالحرب ومرة بالحزن، ولا نريد أن نحرّم على الناس الفرح، ولكن الفرح نفسه له أخلاق، وله توقيت، وله مسؤولية.
أما أن تتحول مناسبة تكريم إلى مشهد صاخب لا يكاد يرى فيه المتابع شيئاً من وجع الوطن، فهنا يصبح النقد واجباً، والصمت نوعاً من المجاملة التي لا تليق بحجم المأساة.
السودان اليوم ليس بلداً طبيعياً. هناك دماء أُريقت، وأسر تهدمت، ومدن دُمرت، وملايين نزحوا، وطلاب حُرموا من التعليم، وأمهات وآباء يعيشون على أخبار لا تصل.
وفي مثل هذا الظرف، كان ينبغي لمؤسسة تحمل اسم «التعليمية» أن تسأل نفسها قبل أن تنفق على فعالية احتفالية: هل نحن أمام أولويات طبيعية؟ وهل هذه هي الرسالة التي ينبغي أن نرسلها إلى شعبنا؟
كان يمكن للمؤسسة أن تكرّم النور الجيلاني وبابكر صديق حنين، لكن أن تجعل من المناسبة مشروعاً وطنياً حقيقياً؛ أن تخصص عائداتها لأسر الشهداء، أو للطلاب المتأثرين بالحرب، أو للأرامل والأيتام، أو لمبادرة تعليمية تحمل أسماء المكرّمين.
عندها كان التصفيق سيصبح ذا معنى، وكانت الموسيقى ستصبح رسالة، وكان التكريم سيتحول من لحظة عابرة إلى عمل وطني يُكتب في الذاكرة.
لكن أن يُصرف المال على احتفال في الوقت الذي يبحث فيه سودانيون عن ثمن الدواء والطعام والمأوى والتعليم، فهذا سؤال مشروع ينبغي أن يُطرح، من دون تجريم أو اتهام للنوايا.
المؤسسة نفسها ليست غريبة عن المسؤولية الاجتماعية؛ فهي مؤسسة تعليمية لها حضور وتجربة، وأسهمت في تخريج طلاب حققوا نجاحات ونتائج مشرفة، ولذلك فإن ما حدث يستحق النقد تحديداً لأننا ننتظر منها مستوى أعلى من الوعي والمسؤولية.
من يملك رصيداً محترماً لا ينبغي أن يغامر به في مناسبة واحدة.
مهندس الفكرة لم يكن موفقاً في تقدير حساسية اللحظة السودانية. وربما كانت النية حسنة، لكن إدارة المناسبات العامة لا تُقاس بالنوايا وحدها؛ تُقاس بما تتركه من أثر، وبما تقوله الصورة، وبما يشعر به الناس وهم يشاهدونها.
وكان عليه أن يسأل سؤالاً واحداً قبل أن يدفع بهذه الفكرة إلى التنفيذ: ماذا سيقول أهل السودان وهم يرون هذا المشهد؟
هل سيشعرون أن أبناءهم في القاهرة يعيشون معهم وجع الوطن، أم سيشعرون أن هناك عالماً آخر منفصلاً تماماً عن الدم والدموع؟
نحن لا نطالب بإلغاء الفن، ولا نريد تحويل الفنان إلى خطيب سياسي، ولا نريد أن يصبح كل نشاط ثقافي مجلس عزاء، ولكننا نطالب بشيء واحد: أن يشعر الفن بألم شعبه، وأن تشعر المؤسسات التعليمية بمسؤوليتها تجاه وطنها.
كان يمكن أن يكون المنتدى صرخة ثقافية في وجه الحرب، وأن يرفع صوت المبدعين دعماً للضحايا، وأن يجعل من تكريم النور الجيلاني مناسبة لتكريم السودان نفسه.
وكان يمكن أن يقف الفنان أمام جمهوره ليقول إن الأغنية السودانية لا تنفصل عن شعبها، وأن الإعلامي المكرّم يضع تجربته في خدمة وطنه، وأن المؤسسة التعليمية تجعل من المناسبة باباً لمساعدة طالب فقد مدرسته أو أسرة فقدت عائلها.
ذلك كان سيجعلنا نرفع القبعة للمؤسسة، بدلاً من أن نكتب عنها بهذا القدر من الغضب والمرارة.
إن أسوأ ما يمكن أن تفعله مؤسسة في زمن الحرب هو أن تعيش داخل فقاعة منفصلة عن مجتمعها، وكأن ما يحدث خلف الأبواب لا يعنيها.
المؤسسات التعليمية تحديداً لا يجوز أن تكون محايدة أمام الألم الاجتماعي؛ فهي تُربي العقول قبل أن تمنح الشهادات، وتزرع القيم قبل أن تصنع المتفوقين.
لذلك فإن الرسالة التي خرجت من المنتدى ـ مهما كانت نية القائمين عليه ـ لم تكن بالمستوى الذي نتوقعه من مؤسسة تعليمية لها اسمها وتاريخها.
نعم، نكرّم الفنانين، ونحتفي بالإعلاميين، ونحترم الثقافة، لكن هناك فارقاً بين الاحتفاء بالثقافة وبين الانفصال عن الواقع الوطني.
وما يزيد مرارة المشهد أن السودانيين في الخارج يحملون على عاتقهم اليوم مسؤولية أخلاقية مضاعفة؛ لأنهم بعيدون عن صوت المدافع، لكنهم ليسوا بعيدين عن وجع الوطن.
من السهل أن نعيش في القاهرة أو غيرها ونغلق أبواب القاعات على أنفسنا، لكن السودان لا يستطيع أن يغلق أبواب الحرب على أهله.
ولذلك كان المطلوب من المنتدى أن يحمل السودان إلى داخل القاعة، لا أن يغلق القاعة على نفسها ويترك السودان خارج الباب.
لا نريد جلد المؤسسة، ولا نريد الإساءة إلى القائمين عليها، ولكننا نريد نقداً صريحاً يضع النقاط فوق الحروف: هذه المناسبة لم تكن موفقة في توقيتها، وكان يمكن أن تُدار بصورة أكثر مسؤولية وارتباطاً بالواقع السوداني.
وإذا كانت المؤسسة قد أخطأت التقدير، فإن أفضل ما يمكن أن تفعله هو أن تتعامل مع النقد باعتباره فرصة للمراجعة، لا معركة للدفاع عن قرار ثبت أنه أثار استياءً مشروعاً لدى كثيرين.
فالمؤسسة التي صنعت أجيالاً من الطلاب ينبغي أن تعرف أن التربية ليست كتباً وامتحانات وشهادات فقط؛ التربية أيضاً إحساس بالآخر، ووعي بالوطن، وقدرة على التمييز بين لحظة الفرح ولحظة الانحناء أمام الألم.
وفي زمن الحرب، ليست كل مناسبة تستحق الزغاريد، وليست كل لحظة تحتمل الموسيقى العالية، وليست كل أموال يمكن إنفاقها على الاحتفال دون أن نسأل: أليس هناك سوداني أولى بهذا المال؟
كان الأولى أن تكون هذه المناسبة جسراً بين المبدعين وأسر الشهداء، وبين الثقافة والتعليم والطلاب المتضررين، وبين الفن والوطن؛ عندها فقط كان التكريم سيصبح موقفاً لا حفلاً.
وأقولها لمؤسسة د. أبوذر الكودة التعليمية بكل احترام، ولكن بصرامة: لا تسمحوا لمنتدى واحد أن يخصم من تاريخكم، ولا تجعلوا سوء تقدير التوقيت يطغى على سنوات من العمل التعليمي.
راجعوا الفكرة، راجعوا التوقيت، راجعوا الرسالة، واستمعوا إلى الشارع السوداني؛ فالمؤسسات المحترمة لا تكبر بالتصفيق وحده، وإنما تكبر عندما تملك شجاعة الاعتراف بمواطن الخلل.
أما السودان، فهو أكبر من حفل، وأكبر من تكريم، وأكبر من أي مؤسسة أو شخص؛ السودان اليوم يحتاج إلى من يقرأ جراحه قبل أن يرفع صوته بالغناء.
فليس المطلوب أن ندفن الفرح، وإنما المطلوب ألا ندفن الإحساس بالوطن تحت أقدام المحتفلين.
وفي وطنٍ ما زالت فيه سرادق العزاء مفتوحة، وأسر الشهداء تنتظر الإنصاف، والنازحون ينتظرون العودة، والطلاب ينتظرون مدارسهم، فإن أعظم تكريم للفنان والإعلامي والمؤسسة معاً هو أن يتحول التصفيق إلى عمل، والاحتفال إلى مبادرة، والمال إلى عون، والثقافة إلى موقف.
ذلك هو التكريم الذي يليق بالسودان… أما غير ذلك، فيبقى مجرد أضواء تنطفئ بانتهاء الحفل، بينما جراح الوطن لا تزال مضاءة بدموع أهله.