نطارد الدولار ونترك الجريمة الاقتصادية.. من أسقط الجنيه السوداني؟
من أسقط الجنيه السوداني؟ تحليل اقتصادي للبروفيسور محجوب هجّانة
نطارد الدولار ونترك الجريمة الاقتصادية.. من أسقط الجنيه السوداني؟
سعر الصرف ليس المرض.. إنه الجرس الذي يعلن أن الاقتصاد مريض
البروفيسور. محجوب هجّانة
الخبير الاقتصادي والمتخصص في الاقتصاد القياسي والاقتصاد الكلي
يقول البروفيسور محجوب هجّانة: كل صباح نفتح شاشات الأسعار لنعرف كم بلغ الدولار، ثم نغضب من الرقم ونبحث عن مسؤول نلومه. لكن السؤال الأخطر ليس: كم أصبح الدولار؟ بل: لماذا أصبح الجنيه بهذه الهشاشة؟
ويرى البروفيسور محجوب هجّانة أن الدولار ليس بالضرورة قاتل الجنيه؛ قد يكون مجرد شاهد على الجريمة. فسعر الصرف ليس متغيرًا معزولًا، بل متغير داخلي Endogenous Variable يتأثر بالتضخم، والعجز المالي، ونمو الكتلة النقدية، والتمويل النقدي، والإنتاج الحقيقي، والصادرات، والاحتياطيات الأجنبية، وتوقعات السوق.
ويضيف: إذا زادت النقود أسرع بكثير من الإنتاج، فمن أين سيأتي الاستقرار؟
ولنفترض، للتوضيح، أن السيولة زادت بنسبة 100%، بينما نما الإنتاج بنسبة 10% فقط. هل تختفي الفجوة بين النقود والسلع؟ بالطبع لا؛ إنها تبحث عن مخرج، فتظهر في ارتفاع الأسعار، أو المضاربة على الذهب والعقارات، أو زيادة الطلب على العملات الأجنبية.
ويرى البروفيسور محجوب هجّانة أن هنا تبدأ حلقة التغذية الراجعة Feedback Loop:
عجز مالي → تمويل نقدي → زيادة السيولة → تضخم → تآكل القوة الشرائية → طلب على الدولار → انخفاض الجنيه → تضخم جديد.
فهل المشكلة فعلًا في الدولار؟
أم أننا نطارد شاشة القياس ونترك الآلة التي تنتج الأزمة تعمل؟
ويؤكد البروفيسور محجوب هجّانة أن محاولة تثبيت سعر الصرف بقرار إداري، دون إصلاح الأساسيات الاقتصادية Fundamentals، تشبه كسر ميزان الحرارة لأن الرقم مرتفع؛ قد تختفي القراءة، لكن الحمى ستظل موجودة.
ويرى أن السودان لا يفتقر إلى الموارد، وإنما يعاني من ضعف تحويلها إلى إنتاج وقيمة مضافة وصادرات ونقد أجنبي مستدام. فالذهب والقطن والثروة الحيوانية يمكن أن تكون محركات للنمو إذا انتقلت من تصدير المواد الخام إلى سلاسل قيمة متكاملة وتصنيع وأسواق منظمة.
ويقول إن إعادة الإعمار ستكون الاختبار الحقيقي: هل سنعيد بناء اقتصاد ينتج، أم اقتصادًا يستورد؟ فالإعمار الذي يتحول إلى استيراد واسع دون خلق طاقة إنتاجية جديدة قد يعيد الضغط نفسه على النقد الأجنبي والجنيه.
لكن السؤال الأكثر حساسية: من يدير الاقتصاد؟
ويرى البروفيسور محجوب هجّانة أن السودان يحتاج إلى كفاءات اقتصادية واعية بالاقتصاد القياسي والاقتصاد الكلي؛ كفاءات تقرأ البيانات قبل اتخاذ القرار، وتقيس أثر السياسات قبل تنفيذها، وتفهم العلاقات بين المتغيرات، وتفرق بين علاج الأزمة وإدارة أعراضها.
ويؤكد أن أي حوار سوداني يتجاهل الاقتصاد سيظل ناقصًا. المطلوب ميثاق اقتصادي وطني ينسق السياسة المالية والنقدية، ويضبط العجز والتمويل النقدي، ويعيد الثقة للجهاز المصرفي، ويحفز الإنتاج والصادرات والاستثمار، ويضع الاقتصاد فوق التجاذبات السياسية.
وهنا تعود القضية إلى سؤالها الأول: من أسقط الجنيه السوداني؟
ويختم البروفيسور محجوب هجّانة:
«ربما لم يكن الدولار هو الفاعل، بل كانت اختلالات اقتصادية تراكمت حتى أصبح سعر الصرف شاهدًا عليها. لذلك، لا تطاردوا الدولار كل صباح؛ طاردوا أسباب انهيار الجنيه. فالجنيه لا ينهار وحده، والاقتصاد لا ينهض بالشعارات».
لمتابعة أحدث الأخبار والتقارير الحصرية والتحليلات المعمّقة تابعونا على صفحتنا الرسمية على فيسبوك
تابع آخر المستجدات والأخبار العاجلة عبر قناة بصيرتي برس على واتساب