Uncategorized

تجار الأزمات…وبائعو الهواء…عباس الماحي ….نقطة سطر جديد

عباس الماحي

عباس الماحي

نقطة سطر جديد

تجار الأزمات…وبائعو الهواء

في الأزمات تتكشف معادن البشر، وتُختبر القلوب قبل الجيوب…ففي أوقات الرخاء قد يختلط الكريم بالبخيل، ويختفي صاحب المروءة بين الجموع…فمنهم من يفتح بابه قبل أن يُطرق، ومنهم من يقتسم آخر رغيف مع جاره. هكذا كانت الإنسانية دائمًا في أشد الظروف؛ تتعاظم قيم التكافل، وتتقارب القلوب، وتصبح يد العون أغلى من كنوز الأرض.


أما حين تضيق الأحوال، وتشتد المحن، فإن الأقنعة تسقط، وتظهر حقيقة الإنسان كما هي.
واليوم، ونحن نعيش ظروفًا استثنائية، وحربًا لم تضع أوزارها بعد، حيث فقد كثيرون بيوتهم وأرزاقهم، وأصبح الدواء حلمًا، والكساء أمنية، والطعام هاجسًا ومعركةً يومية، كان من المنتظر والطبيعي أن تتجسد أجمل صور التكافل والتراحم، وأن يلتف الناس حول بعضهم بعضًا، ويتنافس القادرون في تخفيف آلام الناس، ويواسوا المنكوبين، ويخففوا عنهم الأوجاع.


ولأن الشدائد لا تُنبت الشر وحده، فقد رأينا وجوهًا مضيئة أعادت إلينا الثقة بالإنسان… رأينا من اقتسم آخر لقمة يملكها مع جاره، ومن فتح أبواب منزله للمحتاجين، ومن بادر بما يستطيع دون انتظار شكر أو جزاء. وانتشرت التكايا؛ تلك المنازل التي تحولت إلى مطابخ للخير، يُطهى فيها الطعام كل يوم ليُقدَّم للمارة، وللأسر المحتاجة، ولكل من ضاقت به السبل، في مشهد يختصر أسمى معاني الرحمة والتكافل…هؤلاء فهموا أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك، بل بما يمنح، وأن أعظم تجارة وقت الأزمات هي تجارة الرحمة.
هناك من رأى في الأزمة نداءً للرحمة… وهناك من رآها موسمًا للثراء.
لكن… يبدو أن هناك من يعيش على كوكب آخر.


كوكب لا يعرف الرحمة، ولا يسمع أنين الجائعين، ولا يرى في دموع الناس إلا فرصة استثمارية جديدة.
إنهم… تجار الأزمات.
أولئك الذين لا يبيعون السلع فحسب، بل يبيعون الخوف، ويشترون القلق بالجملة، ثم يعيدون بيعه بالتقسيط مع هامش ربح خيالي يفوق كل منطق.


يعرفون جيدًا متى يندر السكر، ومتى يقل الدقيق، ومتى يصبح الدواء عملة نادرة، ومتى يصبح الزيت أغلى من الذهب، وكأن لديهم نشرةً سريةً للأزمات قبل وقوعها، فيسارعون إلى تخزين كل ما تقع عليه أيديهم، حتى تختنق به المخازن، ثم يطرحونه في الأسواق وكأنهم يمنّون به على الناس، بعد أن تتضاعف الأسعار أضعافًا مضاعفة.
لا يعنيهم أن أمًا ستعجز عن شراء دواء طفلها، أو أن أبًا سيقف حائرًا أمام رفوف المتاجر بعدما تجاوزت الأسعار قدرته…المهم أن ترتفع الأرباح؛ فكلما ازداد وجع الناس ازدادت أرباحهم، وازداد رصيدهم في البنوك.
ولا يفرق معهم إن كان المال حلالًا أم شبهة، ربحًا مشروعًا أم استغلالًا لحاجة الملهوف؛ فشعارهم المختصر هو:
المال… ثم المال… ثم المال.


أما الضمير، فقد باعوه منذ أول أزمة.
ولأن الطمع لا يعرف حدودًا، أخشى عليهم من نفاد الأفكار!
فبعد أن احتكروا الطعام، ورفعوا أسعار الدواء، وتحكموا في أبسط احتياجات الناس، لم يبقَ أمامهم سوى بيع الهواء.
نعم… الهواء!


ولِمَ لا؟
قد يستيقظ أحدهم غدًا ليعلن عن افتتاح أول مصنع لتعبئة الهواء في أسطوانات فاخرة وأنيقة، بأحجام تناسب جميع الفئات.
أسطوانة صغيرة للمشاوير القصيرة.
وأخرى عائلية للاستخدام المنزلي.
وثالثة اقتصادية بنظام التعبئة الأسبوعية.


وربما يبتكرون اشتراكًا شهريًا للتنفس، ومن يتأخر عن السداد يُقطع عنه الهواء حتى إشعار آخر!
وسنقرأ على العبوات بكل فخر:


“هواء نقي بنسبة 99%… صناعة محلية، وهواء فاخر مستورد من جزر المالديف!”
وقد يوصوننا بترشيد استهلاك الأنفاس حفاظًا على المخزون الاستراتيجي!
ولو استطاعوا احتكار ضوء الشمس لفعلوا، ولجعلوا الشروق ضمن الباقة الذهبية، والغروب خدمة مجانية لفترة تجريبية!
لكن ما يعجز هؤلاء عن فهمه، أن الأزمات ليست موسمًا للصيد، بل امتحانًا للأخلاق، وأن المال الذي يُجمع فوق أنقاض المحتاجين قد يبدو كثيرًا في دفاتر الحسابات، لكنه قليل جدًا في ميزان القيم.


إن أكثر ما يثير الدهشة أن هؤلاء يجمعون المال وكأنهم سيخلدون في الدنيا، متناسين أن المال وسيلة لا غاية. لقد نسوا أن هناك يومًا لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وأن دعوة مظلوم قد تهدم ما جمعوه في سنوات، وتهز قصورًا شُيدت بالمال، وأن دمعة طفل حُرم من دوائه أثقل من كل خزائن الدنيا، وأن لقمة انتُزعت من فم جائع قد تكون أثقل في الميزان من جبال الذهب.
الأزمات لا تصنع التجار العظماء، بل تصنع الرجال العظماء…والتاريخ لا يخلد من احتكر الطعام، ولا من أخفى الغذاء والدواء، ولا من استغل حاجة الناس، وإنما يخلد من أطعم جائعًا، وكسا محتاجًا، وداوى مريضًا، وفتح بيته قبل أن يفتح خزائنه.
وفي زمن الحروب لا يحتاج الناس إلى من يتاجر بدموعهم، بل إلى إنسان يرى في المحتاج أخًا، وفي الملهوف أمانة، وفي الرحمة تجارةً مع الله لا تبور.


أما تجار الأزمات، فليتذكروا أن لكل سوق نهاية، ولكل أزمة زوالًا، وأن ما يُجمع من أموال على حساب آلام الناس قد يملأ الخزائن، لكنه لا يملأ القلوب، ولا يشتري راحة الضمير.
ويبقى السؤال الذي لا يستطيع أغنى تجار الأزمات شراء إجابته:
إذا كان لكل شيء ثمن… فكم يساوي الضمير؟

بصيرتي برس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى