أين داليا إلياس؟ وأين أحلام يوسف.. وسلمى الطاهر؟

أين داليا إلياس؟ وأين أحلام يوسف.. وسلمى الطاهر؟
في العمل العام والمسؤولية الوطنية، تبقى الذاكرة هي الحكم العادل الذي لا يجامل أحدًا؛ فالتاريخ لا يكتب فقط أسماء من جلسوا على المقاعد الأمامية بعد اكتمال المشهد واستوائه، وإنما يحفظ بكثير من الإجلال أسماء الذين حملوا الطوب الأول، ووضعوا اللبنات الأولى عندما كان الطريق وعرًا، والظروف بالغة التعقيد، والملفات شائكة لا يقترب منها إلا جسور.

وعندما نتحدث عن “لجنة الأمل”، تلك المبادرة التي ارتبط اسمها بخدمة العائدين إلى حضن الوطن الجريح، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نتجاوز الدور الاستثنائي والمحوري الذي قامت به الإعلامية القامة الأستاذة داليا إلياس، ومساندتها الأستاذة أحلام يوسف، والأستاذة سلمى الطاهر في مراحل التأسيس والبدايات الأولى. فقد كان هذا الثلاثي النسائي الحاضر الأقوى في الميدان، قبل أن تصبح اللجنة حديث المجالس ومنصات التواصل، وقبل أن تتدفق عليها الموارد، وتجد الدعم والإسناد الرسمي والشعبي الذي تتمتع به اليوم.
من قسم إلى قسم، ومن سجن إلى سجن، ومن حالة إنسانية معقدة إلى أخرى، ظللن يتابعن أوضاع أهلنا الموقوفين، ويواصلن الليل بالنهار لتوفير المأكل والملبس والعون الإنساني والقانوني الممكن. كان ذلك العطاء يتدفق بصمت كامل، وبعيدًا عن الأضواء والكاميرات وعدسات التصوير؛ فلم يكن الهدف صناعة بطولة شخصية أو البحث عن وجاهة إعلامية، وإنما كانت دوافعهن محض إنسانية ووطنية خالص لتخفيف المعاناة عن كاهل البسطاء.
ولا يمكن للذاكرة المنصفة أن تنسى تلك الملحمة الوطنية الكبرى التي قادتها الأستاذة داليا إلياس، ومعها رفيقات الدرب الأستاذة أحلام والأستاذة سلمى، في ملف الطلاب السودانيين؛ حيث بذلت جهوداً خارقة تكللت بالنجاح في ترحيل الطلاب الممتحنين للشهادة السودانية، وتذليل كافة العقبات اللوجستية والأمنية لضمان وصولهم في الوقت المناسب تماماً للحاق بامتحاناتهم في السودان. كان ذلك الموقف وحده بمثابة إنقاذ لمستقبل جيل كامل، وصناعة للأمل من وسط ركام الأزمة.
واليوم، وبعد أن اشتدت شوكة لجنة الأمل، وأصبحت مؤسسة فاعلة لها حضورها، وصلاحياتها، وتأثيرها، يبرز سؤال مشروع يردده الكثير من المراقبين والمتابعين عن كثب:
أين الأستاذة داليا إلياس؟ أين الأستاذة أحلام يوسف؟ وأين الأستاذة سلمى الطاهر؟
هذا السؤال لا ينتقص من أحد، ولا يقلل من جهود القائمين حاليًا على اللجنة، بل يأتي من باب الإنصاف، وحفظ الحقوق الأدبية والتاريخية لأصحاب العطاء الأول. فمن حق من حفروا الصخر بأظافرهم في البدايات أن يُذكروا، ومن حق الرأي العام أن يرى الوفاء متجسداً في المؤسسات، وأن يفهم كيف تدار مراحل الانتقال من التأسيس والتضحيات إلى مرحلة الجلوس على المقاعد المريحة واستلام الملفات الجاهزة.
وفي ذات الوقت، فإن الأمانة تقتضي الإشادة بالدور الكبير الذي ظل يقوم به المكتب التنفيذي للجنة الأمل، وما يبذله من جهود مقدرة في متابعة ملفات العائدين وتسهيل إجراءاتهم. كما لا يفوتنا أن نحيي إدارة بصات العزيزية التي قدمت مساهمات ملموسة ومواقف وطنية تستحق التقدير، وأسهمت في تخفيف أعباء العودة. كذلك فإن لديوان الزكاة دورًا مقدراً في الإسناد الإنساني والداعم لبرامج العودة.
غير أن الإشادة بالجهود الحالية لا تعني غياب الأسئلة، والثناء على ما يتحقق الآن لا يمنع أبداً من المراجعة والتقويم والوقوف خلف الكواليس لتفكيك بعض المشاهد الضبابية. فهنالك بعض التحفظات الجوهرية، والملاحظات الساخنة، والتساؤلات الحائرة التي تدور ، والتي يهمنا طرحها للرأي العام بكل شفافية ومسؤولية، بعيدًا عن المكايدات أو تصفية الحسابات الشخصية.
ولأن هذه التساؤلات والتحفظات تحمل أبعاداً هامة تخص مسار العمل الإنساني العام، وكيفية التعامل مع الرموز التي أسست، سنفرد لها مساحة مستقلة وتفصيلية في مقالنا القادم؛ نضع فيه الوقائع والحقائق العارية أمام الجميع، انطلاقًا من قناعتنا الراسخة بأن النقد الموضوعي هو شريك النجاح وليس خصمه.
ويبقى السؤال قائمًا حتى إشعار آخر، وبقوة أكبر:
أين داليا إلياس؟ وأين أحلام يوسف؟ وأين سلمى الطاهر؟
سؤال لا يبحث عن إثارة الجدل أو افتعال الأزمات، بقدر ما يبحث عن إنصاف الذين تعبوا ونزفوا في البدايات؛ لأن الأمم والمؤسسات التي تنسى أصحاب الفضل في أول الطريق، كثيراً ما تفقد بوصلتها وأخلاقها في آخره.
وللحديث بقية وتفاصيل.. فانتظرونا.