عباس الماحي نقطة سطر جديد.. الصبر نورٌ يبدّد ظلمات الابتلاء

عباس الماحي نقطة سطر جديد
عباس الماحي
نقطة سطر جديد

ما أعظم الصبر، وما أسمى منزلته عند الله تعالى؛ فهو زاد المؤمن في رحلة الحياة، وعدّته في مواجهة الشدائد، وسرُّ ثباته حين تتقلب الأحوال.
وليس ما ينزل بالإنسان من مكروه، أو تضيق به السبل، أو تتوالى عليه المحن، مجرد بلاءٍ يُراد به الألم، بل هو قبل ذلك امتحانٌ رباني يختبر الله به صدق الإيمان، وقوة اليقين، وحقيقة التوكل، ومدى رضا العبد بقضاء مولاه. ففي ساعات العسر تتجلى معادن الناس، وتنكشف حقائق القلوب، ويظهر من يعبد الله على بصيرة، ممن تزلزلهم النوائب وتطفئ فيهم جذوة الرجاء.
الاحتساب والرضا من أعظم مفاتيح الفرج؛ فالاحتساب ليس مجرد تحمُّلٍ للألم، وإنما هو استحضارٌ لوعد الله، وثقةٌ راسخة بأن كل لحظة صبر، وكل دمعة كفَّها صاحبها ابتغاء وجه الله، محفوظة عنده سبحانه، لا يضيع منها شيء. أما الرضا، فهو سكون القلب إلى حكمة الله، والإيمان بأن تدبيره أرحم وأحكم من تدبير العبد لنفسه، وأن ما اختاره الله لعباده هو الخير، وإن خفيت حكمته في بدايات الطريق.
ومن أيقن أن الله أرحم به من كل راحم، وأعلم بما يصلحه، أدرك أن البلاء ليس نهاية المطاف، بل قد يكون بداية المنحة، وأن المحنة قد تخبئ في طياتها من الخيرات ما تعجز العقول عن إدراكه عند أول وهلة. فكم من كربٍ قاد صاحبه إلى باب الطاعة، وكم من دمعةٍ أورثت القلب سكينة، وكم من ضيقٍ فتح الله بعده أبوابًا من الرحمة والبركة لم تكن تخطر على بال.
إن الامتحان لا يُقاس بشدة البلاء، وإنما يُقاس بعظمة الصبر، والفرج لا يُنال بكثرة الشكوى، وإنما يُفتح بصدق الاحتساب، وحسن الظن بالله، والرضا بما اختاره لعباده.
ولذلك جعل الله تعالى الصبر من أجلِّ الأخلاق، وأرفع مقامات الإيمان، وأعظم العبادات، ووعد أهله بجزاءٍ لا يحده وصف،
فقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
وليس ذلك إلا لعظم ما يحملونه في صدورهم من رضا، وتسليم، وثقة بالله، مع دوام الأخذ بالأسباب، وحسن التوكل على رب العالمين.
ولقد بيَّن رسول الله ﷺ حقيقة هذا المقام العظيم، فقال:
«عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ».
رواه مسلم
فهذا الحديث يرسم للمؤمن منهج الحياة كلها، فيجعل الشكر في الرخاء، والصبر عند الشدة، سبيلين متلازمين إلى الخير، حتى يظل القلب مطمئنًا، راضيًا، مستسلمًا لحكمة الله في جميع أحواله.
ومن عرف الله حق المعرفة، علم أن تأخر الفرج ليس حرمانًا، وإنما إعدادٌ لعطاءٍ أعظم، وأن حكمة الله تسبق أقداره، ورحمته تحيط بعباده في كل أحوالهم.
والصبر نعمة جليلة يمنّ الله بها على من يشاء من عباده، فيخفف بها وطأة البلاء، ويجعل الأرواح أكثر قربًا من خالقها… فإذا ضاقت الدنيا بما رحبت، وتزاحمت الهموم، وأثقلت المصائب الكواهل، لم يجد المؤمن ملاذًا أوسع من الصبر واليقين؛ فهما جناحان يسموان به فوق الألم، حتى يبصر بعين البصيرة أن ما قدّره الله كله خير، وإن خفي وجه الحكمة عن الأبصار.
وليس البلاء دليل سخط، كما يظن بعض الناس، بل قد يكون رفعةً في الدرجات، وتكفيرًا للسيئات، وسببًا في صفاء القلب، وقرب العبد من ربه. فما من مؤمن يصبر محتسبًا، إلا أبدل الله حزنه سكينة، وألمه رفعة، وضيقه سعة، وعسره يسرًا، في الوقت الذي تقتضيه حكمته البالغة ورحمته الواسعة.
وربَّ بلاءٍ ساق إلى صاحبه من النعم ما لم يكن ليبلغه في أوقات الرخاء، وربَّ ألمٍ فتح للروح أبواب القرب من الله، فكانت المحنة بداية حياةٍ جديدة، وسببًا في يقظة القلب بعد غفلته.
وعندما ينزل بالمرء ما يكره، فلا يليق به أن يستسلم لليأس، أو يقيم في ظلال القنوط، بل يجدد ثقته بربه، ويتمسك بحبل الرجاء، ويوقن أن الله لا يقدر لعبده إلا ما فيه خيره، وأن رحمته سبقت غضبه، ولطفه يحيط بعباده من حيث لا يشعرون. فكم من دمعةٍ أعقبها سرور، وكم من كربٍ أورث انشراحًا، وكم من بابٍ أُغلق ليُفتح بعده ما هو أوسع وأبقى.
إن اليقين بالله هو سر السكينة، فمن عرف أسماء ربه وصفاته، أيقن أن تدبير الله خير من تدبيره، وأن اختيار الله لعبده أكمل من اختياره لنفسه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه. فإذا استقر هذا اليقين في القلب، تحول الصبر من مجرد تحملٍ للمشقة إلى عبادةٍ تفيض طمأنينة، وأصبح الرجاء بابًا لا يُغلق، مهما اشتدت الخطوب، وتعاظمت المحن.
واعلم أن الله إذا أحب عبدًا، لم يتركه لنفسه، بل ربّاه بالسراء والضراء، ليزكي قلبه، ويطهر روحه، ويرفع منزلته، حتى يلقاه وهو في أحسن حال.
فلنجعل الصبر منهجًا نسير عليه، والرضا شعارًا يملأ القلوب، واليقين نورًا نهتدي به في دروب الحياة. ولنثق بأن الله لا يضيع دمعة صابر، ولا دعاء مخلص، ولا قلبًا رضي بقضائه، وسلم لحكمته. ومن صبر، نال معية الله، ومحبته، وعظيم فضله، وكان من الفائزين في الدنيا والآخرة.
ويبقى الصبر تاج المؤمن، وعنوان قوة إيمانه، وأصدق دليل على ثقته بربه. فلا تجعل الشدائد تطفئ نور الأمل في قلبك، ولا تدع المحن تحجب عنك جمال حكمة الله؛ فربُّك سبحانه إذا أغلق بابًا بحكمته، فتح أبوابًا أخرى برحمته، وإذا أبطأ الفرج، فإنما يؤخره ليأتي في أجمل صورة، وفي أنسب وقت، ولخيرٍ أعظم مما كنت ترجو.
وتذكر دائمًا أن وعد الله حق، وأن الليل مهما طال فلابد أن يعقبه فجر، وأن بعد كل عسر يسرًا، وبعد كل ضيق سعة، وبعد كل دمعة فرحة يكتبها الله لعباده الصابرين.
فازرع في قلبك صبرًا، واسقه يقينًا، وأحسن الظن بربك في كل حين، فإن أجمل الأقدار قد تأتي بعد أطول انتظار، وأعظم العطايا قد تُولد من رحم الابتلاء، ومن رضي بقضاء الله أرضاه بعظيم فضله، وجعل في قلبه من السكينة ما يفوق نعيم الدنيا بأسرها.
وختامًا، يكفي الصابرين شرفًا أن الله سبحانه خصهم بالبشارة،
فقال سبحانه وتعالى:
﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.
فهنيئًا لمن صبر واحتسب، ورضي بقضاء ربه، وأحسن الظن بمولاه، وجعل ثقته بالله أكبر من ألمه، ورجاءه في رحمته أعظم من شدته؛ فهؤلاء هم الذين يخرجون من ميادين الابتلاء بقلوبٍ أطهر، وإيمانٍ أرسخ، ونفوسٍ أقرب إلى الله، حتى يلقوه وقد فازوا ببشارة الدنيا، ووعد الآخرة…
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.