الرأي والمقالات

عباس الماحى نقطة سطر جديدالعيال كبرت

العيال كبرت

العيال كبرت

“العيال كبرت”… عبارة نسمعها كثيرًا عندما نلتقي بأبناء الأصدقاء أو الأقارب بعد سنوات من الغياب. نرددها بإعجاب ونحن نرى الأطفال الذين عرفناهم صغارًا وقد أصبحوا شبابًا وفتياتٍ يتحملون المسؤولية ويشقون طريقهم في الحياة.


لكن خلف هذه العبارة حقيقةً لا ينتبه إليها الكثيرون؛ فالأبناء يكبرون في العمر، أما في قلوب آبائهم وأمهاتهم فيبقون دائمًا ذلك الجزء العزيز الذي لا يتغير…فالأم لا تتوقف عن القلق على ابنها مهما بلغ من العمر، والأب لا يتخلى عن شعوره بالمسؤولية تجاه أبنائه مهما أصبحوا أصحاب أسرٍ وأعمالٍ ومكانة.


فالأم تنتظر عودة ابنها أو ابنتها، وتبقى يقظةً حتى تطمئن عليهم، والأب ينشغل قلبه إذا تأخر أحد أبنائه أو ألمَّ به أمرٌ ما…هذه المشاعر أصدق صور الحب الذي لا يطلب مقابلًا.


لكن من المهم أن يدرك الأبناء ويفهموا أن ما يُبديه الآباء والأمهات من اهتمامٍ وسؤالٍ وحرصٍ ليس تدخلًا في حياتهم، بل هو تعبير عن محبةٍ تراكمت عبر سنواتٍ طويلةٍ من العطاء والتضحية والسهر والخوف والدعاء.


والأجمل أن يعرف الأبناء ذلك، ويبادلوا آباءهم وأمهاتهم الشعور نفسه، خاصةً عندما يتقدم بهم العمر…فكما كان الوالدان يسألان عن أبنائهما في الصغر، يأتي يوم يحتاجان فيه إلى من يسأل عنهما ويطمئن عليهما، وكما سهرا الليالي من أجل راحتنا، يصبح من الوفاء أن نجعلهما محل اهتمامٍ ورعاية.


إن بر الوالدين لا يقتصر على المناسبات أو الكلمات الجميلة، بل يظهر في التفاصيل الصغيرة؛ مكالمة هاتف للاطمئنان، وزيارة لا ينتظرانها، وصبر على تكرار الحديث، وتقدير لضعفٍ بدأ يتسلل إلى الجسد بعد سنواتٍ من القوة والعطاء.


وحين يكبر الأب والأم، فإن أكثر ما يسعدهما ليس المال ولا الهدايا الثمينة، بل شعورهما بأن أبناءهما ما زالوا قريبين منهما، يستمعون إليهما، ويقدرون تضحياتهما، ويشعرونهما بأن سنوات العمر التي بذلاها لم تذهب سدى.


الحياة تدور دورتها العادلة؛ بالأمس كان الأب يمسك بيد طفله خوفًا عليه، واليوم قد يحتاج هو نفسه إلى من يمسك بيده عند التعب… بالأمس كانت الأم تنتظر عودة أبنائها بقلق، واليوم تنتظر منهم زيارةً أو اتصالًا يبدد وحدتها ويملأ قلبها طمأنينة.


لذلك فإن أعظم صور الوفاء أن يدرك الأبناء أن الحب الذي غمرهم في صغرهم كان عطاءً صادقًا يستحق الاحترام والتقدير ورد الجميل، وليس رد الجميل بالمثل، ففضل الوالدين أكبر من أن يُوفَّى، وإنما يكون بالبر والإحسان والرحمة وحسن المعاملة.


فالعيال كبرت… نعم، ولكن أجمل ما في النضج أن يكبر الإنسان وهو أكثر فهمًا لقيمة والديه، وأكثر امتنانًا لهما، وأكثر حرصًا على أن يرد إليهما شيئًا من ذلك الحب الكبير الذي منحاه إياه دون حدود.
ومن أوجه البر التي يغفل عنها بعض الأبناء الاستفادة من خبرات الوالدين وتجاربهما الحياتية. فالأب والأم ليسا مجرد شخصين تقدمت بهما السنون، بل هما مكتبتان من التجارب والدروس والعبر…لقد واجها ظروفًا مختلفة، وعايشا نجاحاتٍ وإخفاقاتٍ، وتعلما ما قد يحتاج الأبناء سنواتٍ طويلةً لاكتسابه.


ومن المؤسف أن بعض الأبناء يظنون أن تطور الحياة واختلاف الأزمنة يجعل آراء الوالدين غير ذات قيمة، فيتجاهلون نصائحهما أو لا يستمعون إلى تجاربهما، فإن الحكمة لا ترتبط بعمرٍ معين، بل تتكون من تراكم التجارب ومواجهة تقلبات الحياة.


ومن القضايا المؤلمة أن يعيش الأبوان وحيدين رغم أن أبناءهما قادرون على احتضانهما ورعايتهما… فقد يكون المنزل واسعًا، وقد يكون الوالدان في حاجةٍ إلى القرب من أبنائهما وأحفادهما، لكن بعض الأبناء يرضخون لرغبات الزوجة أو لضغوط الحياة ويتركون والديهم يواجهون الوحدة بمفردهم.


ولا شك أن للزوجة حقوقًا يجب احترامها، والحياة الأسرية تقوم على التفاهم والاحترام، لكن الحكمة تقتضي البحث عن حلول تحفظ حقوق الجميع دون أن يكون الوالدان هما الطرف الذي يدفع الثمن…فليس من الوفاء أن يشعر الأب أو الأم أنهما عبء على أبنائهما بعد أن أفنيا أعمارهما في تربيتهم ورعايتهم.


فوجود الأجداد في البيت مصدر للبركة والاستقرار العائلي، فهم يمنحون الأحفاد قيمًا وتجارب لا تُشترى بالمال، ويضيفون إلى المنزل روحًا من الحنان والترابط لا يمكن تعويضها.


ومع تقدم العمر والكبر والمرض، تتغير أشياء كثيرة في حياة الوالدين. تضعف الذاكرة أحيانًا، ويكثر الحديث عن الماضي، وتتكرر بعض القصص والمواقف التي سمعناها مرارًا. وقد تصدر منهما كلمات أو تعليقات أمام الضيوف تسبب لنا شيئًا من الحرج، دون أن يقصدا ذلك.


هنا يظهر معدن الأبناء؛ فليس من البر أن نرفع أصواتنا أو نظهر التذمر والانزعاج، وليس من الوفاء أن نعامل ضعفهما بالسخرية أو الضيق، بل الواجب أن نتذكر أنهما تحملا في سبيل راحتنا ما هو أكبر من ذلك بكثير، وصبرا على أخطائنا وتقلبات أعمارنا دون أن يملا أو يتذمرا.
كما أن المرض والوهن يحتاجان إلى صبرٍ خاص ورحمةٍ خاصة. فالوالدان لا يحتاجان إلى الدواء فقط، بل إلى الكلمة الطيبة، والوجه البشوش، والإحساس بأن وجودهما مصدر بركةٍ وسعادة، لا عبءٍ وثقل.


ولا بد من التأكيد على قاعدة أساسية: لا تتكبر على أبيك ولا تتعالَ عليه مهما كانت ظروفك أو مكانتك، فالكبرياء أو التعالي أمام الأب أو الأم يزرع الحزن في قلبيهما ويقطع أواصر الاحترام والمودة.
مهما بلغنا من العلم أو المال أو المكانة، فإن احترام الوالدين أساس ثابت لا يتغير…ينبغي أن تكون كلماتنا وأفعالنا دائمًا متواضعة أمامهما، وأن نستمع إلى نصائحهما ونقدر وجودهما، فلا شيء يبرر رفع الصوت أو التجهم أو التعالي عليهما.


عندما كنا صغارًا، كانا يصطحباننا إلى الحدائق والمتنزهات والأسواق، يفرحان لفرحنا ويسعدان بابتسامة ترتسم على وجوهنا… واليوم، وقد تقدمت بهما السنون، أصبح من حقهما علينا أن نرد شيئًا من ذلك الجميل.


إن اصطحاب الوالدين في نزهة قصيرة، أو زيارة قريب أو صديق، أو جلسة هادئة، هو رسالة حب ووفاء، وشعور بأنهما ما زالا يحتلان المكانة نفسها في قلوبنا.


فالعيال كبرت، وأجمل ما في هذا الكبر أن يتحول إلى وفاء، وأن يصبح الابن أو الابنة مرآةً لما غرسه الوالدان من قيم الرحمة والمحبة والإحسان، مع احترامهما وتقدير خبراتهما، ومساندتهما في كبرهما، والحفاظ على الروابط الأسرية المتينة.

بصيرتي برس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى