الرأي والمقالات

عباس الماحى.. نقطة سطر جديدالشبه بين الناس…آية من آيات الخالق

الكاتب عباس الماحى

عباس الماحى
نقطة سطر جديد
الشبه بين الناس…
آية من آيات الخالق


حين يتأمل الإنسان في هذا الكون الفسيح وما يحويه من أسرار وعجائب، يدرك أن قدرة الله سبحانه وتعالى لا تحدها حدود، وأن حكمته تتجلى في أدق التفاصيل كما تتجلى في أعظم المخلوقات… فالخالق الذي أبدع خلق السماوات والأرض، وأودع في كل مخلوق خصائصه وصفاته، هو ذاته الذي أظهر للناس آياته في تنوع البشر وتشابههم في آن واحد. ومن بين الظواهر التي تستوقف العقول وتدعو إلى التفكر، ظاهرة الشبه بين الناس؛ ذلك الشبه الذي نراه في الملامح والهيئات، وفي الطبائع والسلوكيات، رغم اختلاف الأوطان والأعراق والألسنة.


ففي عالم يضم مليارات البشر، قد يلتقي الإنسان بشخص لم يره من قبل، فيخال أنه يعرفه منذ زمن بعيد لشدة الشبه بينه وبين شخص آخر…وقد لا يقتصر الأمر على تقارب الملامح، بل يمتد إلى نبرة الصوت، وطريقة الحديث، وأسلوب التعامل، وحتى بعض الصفات النفسية والسلوكية. وهذا التشابه العجيب يثير الدهشة ويقود إلى التأمل في بديع صنع الله الذي جمع بين التميز والتشابه في آن واحد.
وقد انتبه الناس منذ القدم إلى هذه الظاهرة، فنسجوا حولها الأمثال والحكم الشعبية…ومن أشهر ما يقال في بعض المجتمعات: “الما بيلقى شبه المولى قبحه”، وهي مقولة شعبية تعبر عن الاعتقاد بأن لكل إنسان شبيهًا في هذه الدنيا، وأن التشابه سنة من سنن الحياة بين البشر. ورغم ما تحمله العبارة من طابع فكاهي وشعبي لا يخلو من السخرية، فإنها تعكس ملاحظة إنسانية قديمة مفادها أن الشبه بين الناس أمر شائع ومتكرر.


والشبه لا يقف عند حدود الشكل فقط، بل يتجاوز ذلك إلى الطبائع والصفات، فقد نجد أشخاصًا يتشابهون في الكرم أو الشجاعة أو الهدوء أو الحكمة، كما نجد آخرين يتشابهون في سرعة الانفعال أو طريقة التفكير أو أسلوب التعبير. وكأن النفوس تتقارب أحيانًا كما تتقارب الملامح، في صورة أخرى من صور التنوع الإنساني الذي أوجده الخالق بحكمته.


ومن أروع الأمثلة على ذلك ما نراه بين بعض الإخوة غير التوائم. فكثيرًا ما تتشابه وجوههم وابتساماتهم ونظراتهم وأصواتهم، بل قد تتقارب طبائعهم وسلوكياتهم إلى حد كبير، ومع ذلك يبقى لكل واحد منهم شخصيته المستقلة وصفاته الخاصة التي تميزه عن غيره.
وفي هذا المشهد تتجلى قدرة الله سبحانه وتعالى، الذي يجعل الشبه قائمًا دون أن يلغي التميز، ويجعل الاختلاف حاضرًا دون أن يقطع روابط القربى والتشابه.


ولا يقتصر الشبه على أفراد الأسرة الواحدة أو أبناء المجتمع الواحد، بل يمكن ملاحظته أحيانًا بين شعوب ومجتمعات كاملة…ففي أجزاء من قارة آسيا، ولا سيما في دول شرق آسيا مثل الصين وكوريا واليابان ومنغوليا، توجد بعض السمات الشكلية المتقاربة التي تجعل غير المتخصصين يجدون صعوبة أحيانًا في التمييز بين الجنسيات المختلفة من خلال المظهر وحده، كما يمكن ملاحظة بعض أوجه التشابه بين شعوب جنوب شرق آسيا، مثل إندونيسيا وماليزيا وبروناي وأجزاء من الفلبين، نتيجة عوامل جغرافية وتاريخية وثقافية مشتركة. ومع ذلك، فإن كل شعب يحتفظ بخصوصيته الثقافية والاجتماعية، كما أن التنوع داخل الدولة الواحدة يبقى أكبر وأوسع من أي تشابه عام.
إن هذه الأمثلة تؤكد أن التشابه بين البشر يتجاوز حدود الأسرة والقبيلة والوطن، ليشمل مجتمعات وشعوبًا متباعدة، في صورة تعكس وحدة الأصل الإنساني الذي يجمع الناس جميعًا.
فالبشر، مهما اختلفت ألوانهم ولغاتهم وأماكن إقامتهم، يشتركون في إنسانيتهم، ويحملون في وجوههم وصفاتهم دلائل على وحدة الخلق وتنوعه في الوقت نفسه.


ولو كان البشر جميعًا على صورة واحدة وهيئة واحدة، لفقدت الحياة كثيرًا من جمالها، ولو كانوا مختلفين اختلافًا كاملًا، لانعدمت كثير من أسباب الألفة والتعارف بينهم…فجاءت حكمة الله سبحانه وتعالى لتجعل بين الناس قدرًا من التشابه يقربهم من بعضهم بعضًا، وقدرًا من الاختلاف يمنح كل فرد شخصيته المستقلة وخصوصيته المميزة.
إن الشبه بين الناس ليس مجرد تقارب في الملامح أو الصفات، بل هو آية من آيات الله الدالة على عظيم قدرته وبديع صنعه…وكلما تأمل الإنسان هذه الظاهرة، ازداد يقينًا بعظمة الخالق الذي أبدع هذا التنوع المدهش، وجعل من التشابه والاختلاف معًا لوحة إنسانية متكاملة تدعو إلى التفكر والتدبر، وتذكرنا بأننا جميعًا أبناء أصل واحد، جمعنا الله في إنسانيتنا، وميّز كل واحد منا ببصمته الخاصة التي لا تتكرر.

بصيرتي برس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى