عباس الماحى في نقطة سطر جديد لا نبكي على الماضي… بل نُطوِّع المستحيل

عباس الماحى
نقطة سطر جديد

تمر الأعوام، وتتغير الوجوه والأمكنة، وتتعاقب الأجيال كما تتعاقب الفصول، حتى يصبح الأمس حكايةً ترويها الذاكرة، ويغدو الحنين نافذةً نطل منها على زمنٍ كانت فيه القلوب أكثر صفاءً، والنفوس أكثر نقاءً، والبيوت أكثر دفئًا.
وما أقسى أن يستيقظ الإنسان على ذكرياته، فيبحث بين وجوه الحاضر عن ملامح الأمس، فلا يجد إلا أطيافًا بعيدة، أو أصواتًا أرهقتها الحياة، أو قلوبًا أثقلتها الخلافات.
ولعل أكثر ما يؤلمنا ليس مرور الأيام والزمن، فذلك سنة الحياة، وإنما أن تتغير النفوس، وأن تصبح المسافات بين القلوب أكبر من المسافات بين المدن، وأن يجلس القريب إلى قريبه وكأن بينهما سنوات من الجفاء، بعد أن كان يكفي لقاءٌ واحد لتذوب كل الخلافات. إن الوجع الحقيقي ليس في مرور الأيام ورحيلها، بل في رحيل المعاني الجميلة التي كانت تمنح الأيام قيمتها.
ومع ذلك، فلسنا هنا لنبكي على الماضي أو نقف أسرى لذكرياته، فالبكاء لا يعيد زمنًا مضى، ولا يصنع حاضرًا أجمل، وإنما نستحضر منه أجمل القيم، ونحملها معنا ونحن نبني مستقبلنا. فالماضي مدرسة، ومن لا يتعلم من دروسها يعجز عن تشييد الغد الذي يحلم به.
لقد عشنا أيامًا في كنف الوطن، بين الأهل والجيران، حيث كانت المحبة لغة الحياة، والاحترام أساس العلاقات، والتسامح سيد المواقف. فإذا ضاقت الدنيا بأحد، وجد من يواسيه ويقف إلى جانبه، وإذا فرح إنسان، شاركه الجميع فرحته دون حسد أو ضغينة. كانت الروابط الاجتماعية متينة، تقوم على الصدق والإخلاص، لا على المصالح والحسابات الضيقة.
لم تكن هناك فوارق تفرّق بين القلوب، فالناس كانوا يُعرفون بأخلاقهم قبل أسمائهم، وبمواقفهم قبل مكانتهم. وكانت معادن الرجال والنساء تظهر في الشدائد، وفي العطاء، وفي الوقوف مع المحتاج، وفي الإصلاح بين المتخاصمين، وفي حفظ حقوق الجار، وصلة الرحم، وبر الوالدين. وكانت الكلمة الطيبة صدقةً تُقال بعفوية، وكان التكافل الاجتماعي أسلوب حياة، لا شعارًا يُرفع عند الحاجة.
وكان أهلنا يجمعون بين القناعة والطموح؛ يرضون بما قسم الله لهم، لكنهم لا يرضون بالكسل، ولا يقبلون بالتقاعس. كانوا يدركون أن الرزق يحتاج إلى سعي، وأن النجاح لا يأتي إلا لمن ينهض مع الفجر، ويكدّ بيديه، ويصدق في إتقان عمله. فما كانت القناعة عندهم استسلامًا، بل كانت راحةً للنفس، بينما كان السعي طريقًا للعزة والكرامة.
وكانوا يعلموننا أن الرزق لا يأتي لمن ينتظره، بل لمن يسير إليه بخطوات ثابتة، وأن الأمل الذي لا يصاحبه عمل يبقى أمنيةً معلقة في الهواء.
وكانوا يقولون بلسان الحال: “من جدّ وجد، ومن زرع حصد.”
فلم تكن البطالة ولا الاتكال من شيم الرجال، بل كان العمل شرفًا، والكسب الحلال فخرًا، والإنتاج قيمةً يُربَّى عليها الأبناء منذ نعومة أظفارهم.
ورغم أن الحياة لم تكن خالية من التحديات، فإن القناعة كانت تملأ النفوس، والرضا يزين الوجوه، والبساطة تمنح الناس سعادةً لا تُشترى بالأموال. كان القليل يكفي، وكانت البركة تحل في الرزق، لأن القلوب كانت أقرب إلى الله، وأقرب إلى بعضها بعضًا. وكانت المجالس عامرة بالمودة، والأطفال يمرحون ويلعبون آمنين، والكبار يلتقون على المحبة والتراحم، في مشهد يبعث السكينة في النفوس.
لقد فهم أهل الأمس حقيقةً لا ينبغي أن ننساها: أن قيمة الإنسان واحترامه بما يقدمه، وأن اليد التي تعمل أشرف من اليد التي تنتظر، وأن من يخدم مجتمعه يفتح الله له أبوابًا لم يكن يتوقعها.
فالإنسان قد يفتقر إلى المال يومًا، لكنه لا يفتقر إلى الأخلاق إلا إذا فرّط فيها، وقد يخسر تجارةً، لكنه إذا ربح الناس ومحبتهم فقد امتلك كنزًا لا يزول.
أما اليوم، فقد تبدلت أشياء كثيرة. تسارعت وتيرة الحياة، واتسعت المسافات بين القلوب، حتى وإن تقاربت البيوت. وأصبحت الخلافات تنشأ أحيانًا بين أقرب الأقربين لأسباب كان يمكن تجاوزها بكلمة طيبة أو عفو كريم. وكثرت ضغوط الحياة، واشتدت أعباء المعيشة، وأصبح كثير من الناس يواجهون تحديات اقتصادية ونفسية واجتماعية أثقلت كواهلهم، حتى غلبت الماديات، في بعض الأحيان، على قيم المحبة والتراحم.
صرنا نملك وسائل تواصل لا تُحصى، لكننا نفتقد أصول التواصل وقيمه. وأصبحت الرسائل تصل في ثوانٍ، بينما تعجز كلمة “سامحتك” عن العبور من قلب إلى قلب. فكم من رحم طالها الجفاء، وكانت يومًا عامرةً بالمودة.
وليس من الإنصاف أن نصف الماضي بأنه كان كاملًا، أو الحاضر بأنه يخلو من الخير، فلكل زمان تحدياته ومحاسنه. غير أن ما نفتقده اليوم هو ذلك القدر الكبير من التسامح، وسعة الصدر، والتغافل عن الزلات وصغائر الأمور، والإحساس الصادق بالآخرين.
إن المجتمعات لا تنهض بكثرة الأبنية وجمالها، ولا بتطور الوسائل وحده، وإنما تنهض عندما تعود الأخلاق إلى مكانتها، ويصبح الإنسان قيمةً بخلقه وعطائه قبل كل شيء.
ولا يكفي أن نحلم بمستقبل أفضل، بل علينا أن نصنعه. فالسعي إلى الرزق الحلال عبادة، والاجتهاد في العمل رسالة، والتفاعل الإيجابي مع المجتمع يفتح أبواب الفرص، ويمهد الطريق لتحقيق الأهداف… أما الانعزال، والكسل، وانتظار الفرج دون عمل، فليست من أخلاق الرجال الذين يبنون الأوطان ويصنعون المجد.
وما خسر مجتمع تماسك أفراده، ولا ضاعت أمة جعلت الأخلاق رأس مالها؛ فالقلوب إذا اجتمعت هانت الصعاب، وإذا تفرقت ضاقت الدنيا على سعتها.
إننا لا نحتاج إلى معجزة حتى تعود البسمة إلى وجوهنا، بل نحتاج إلى أن نعيد بناء الجسور التي هدمتها الخصومات، وأن نغرس في أبنائنا قيم الرحمة، والصدق، والأمانة، وأن نحيي صلة الرحم، ونحسن الظن بالله في كل أمورنا، ثم نحسن الظن بمن حولنا، ونتجاوز عن الأخطاء، ونمد أيدينا بالسلام بدل القطيعة، وبالمحبة بدل الكراهية. فالمجتمع الذي يتماسك أفراده، ويشعر كل واحد فيه بمسؤوليته تجاه الآخر، هو مجتمع قادر على تجاوز أصعب المحن.
فالأمم لا تُبنى بالأمنيات، بل تُبنى بسواعد رجالها، ونقاء قلوبهم، ووحدة صفهم.
فلا نبكي على الماضي لأنه مضى، بل نأخذ منه أجمل الدروس والعبر، ونزرعها في حاضرنا. فالغد لا تصنعه الأمنيات وحدها، وإنما تصنعه القلوب التي تؤمن بالمحبة، والأيدي التي تعمل، والنفوس التي تتسامح، والعقول التي تستنير بهدي الإسلام وأخلاقه السمحة… فإذا تصافحت القلوب قبل الأيدي، وعاد التسامح بين الأقارب والجيران والأصدقاء، واجتمع الإيمان بالعمل مع الإخلاص في السعي، فإن الله سيفتح لنا أبواب الخير من حيث لا نحتسب.
ولعل أجمل وفاء للماضي ألا نحفظ صوره في الذاكرة فقط، بل أن نحيي قيمه في واقعنا. فما زال في هذه الأمة رجال ونساء يحملون الخير في قلوبهم، وما زالت بيوت تُفتح للمحبة، وأيدٍ تمتد للعطاء، وقلوب تتسع للعفو. فإذا بدأ كل واحد منا بإصلاح نفسه وبيته، ومد يده لأخيه، وغلّب العفو على الخصومة، والكلمة الطيبة على القسوة، عاد الوفاق إلى بيوتنا قبل أن يعود إلى طرقاتنا.
فلنترك وراءنا خلافات الأمس، ولنمضِ نحو غد نصنعه بأيدينا، لا بأحلامنا. ولنجعل من العمل شرفًا، ومن التسامح قوة، ومن الأخلاق راية، ومن التعاون منهجًا. وعندما يجفف الابن دمعة أمه وأبيه ببره، ويحتضن الأخ أخاه بعد خصام، ويصافح الجار جاره بمحبة، سندرك أن الأوطان لا تبنيها الحجارة وحدها، بل تبنيها القلوب المؤمنة بالله، الرحيمة بعباده.
وحينها ستبتسم لنا الأيام من جديد، وسيعود للأمل صوته، وللبيوت دفؤها، وللوجوه نورها، وسندرك أن المستحيل ليس إلا كلمةً تنهزم أمام أمة تمسكت بكتاب ربها، واقتدت بأخلاق نبيها ﷺ، وتكاتفت قلوبها قبل أيديها. وعندها فقط، لن نبكي على الماضي، لأننا سنكون قد صنعنا حاضرًا يليق به، ومستقبلًا يستحق أن يفتخر به أبناؤنا.
لمتابعة أحدث الأخبار والتقارير الحصرية والتحليلات المعمّقة تابعونا على صفحتنا الرسمية على فيسبوك https://www.facebook.com/share/1GASKuGafY/