عباس الماحى.. نقطة سطر جديد.. قضايا

عباس الماحى
نقطه سطر حديد
قضايا

فكرتُ في أن أخوض بالكتابة عن عدد من القضايا والمشكلات الاجتماعية التي تشغل الناس وتؤثر في حياتهم اليومية…وقبل أن أبدأ، وجدت نفسي أمام سؤال لا يمكن تجاوزه: هل أنا جزء من تلك القضايا التي أريد الحديث عنها؟
وعندما تأملت الأمر بصدق، اكتشفت أن قضيتي الشخصية تستحق أن تُكتب عنها صفحات طويلة، وربما كتب كاملة. فمن أنا؟ وماذا أقدم لأسرتي؟ وما واجبي تجاه مجتمعي ودولتي؟ وما الأهداف التي أسعى إلى تحقيقها؟ وما الرؤية التي أرسمها لمستقبلي؟ كلها أسئلة جوهرية تسبق أي حديث عن قضايا الآخرين أو أخطائهم.
جلست مع نفسي جلسة محاسبة ومراجعة، وحاولت أن أكون أكثر مرونة وإنصافًا.
فالإنسان بطبعه يتسامح مع نفسه كما يتسامح مع من يحب، ويبحث عن الأعذار لأخطائه كما يبحث عنها للمقربين منه. لكن الصدق مع الذات يقتضي أن ننظر إلى عيوبنا بعين الناقد الحكيم، لا بعين المبرر والمدافع، وأن نواجه أنفسنا بالحقيقة مهما كانت مؤلمة؛ لأن الاعتراف بالخطأ هو أول خطوة نحو الإصلاح.
ومن خلال تلك المراجعة أدركت شيئًا مهمًا، وهو أن إصلاح المجتمع لا يبدأ من المنابر ولا من صفحات النقد، وإنما يبدأ من داخل كل فرد. يبدأ حين يصلح الإنسان علاقته بربه، ثم بنفسه، ثم بأسرته، ثم بمن حوله من أصدقاء وجيران وزملاء عمل. فإذا صلحت هذه الدوائر الصغيرة انعكس أثرها على المجتمع بأكمله.
ولعل من أكثر الظواهر التي تستنزف طاقة المجتمعات انشغال بعض الناس بعيوب الآخرين وتتبع أخطائهم. فهناك من يجعل من مراقبة الناس هواية يومية، ومن الحديث عن عثراتهم مادة لا تنتهي. يفتش في التفاصيل الصغيرة، ويضخم الزلات، وينسى أن البشر جميعًا يخطئون ويصيبون.
ولكن الأمر الذي كثيرًا ما نتجاهله أننا جميعًا أصحاب عيوب ونقائص، غير أن عيوبنا تختلف كما تختلف ظروفنا وتجاربنا. فمن الحكمة أن نتذكر دائمًا أن الناس يرون منا ما نراه نحن من غيرنا، وأن الألسنة التي نتحدث بها عن الآخرين قد تتحدث عنا يومًا ما. وكما يقول المثل: «كلنا عيوب، وللناس ألسن».
إن الانشغال المفرط بأخطاء الآخرين لا يصلحهم، بل قد يرهق صاحبه قبل غيره. فمن راقب الناس مات همًّا؛ لأنه سيظل يبحث عن الكمال في عالم لم يُخلق كاملًا، وسيبقى مستهلكًا في النقد والمقارنة والشكوى، بينما تضيع منه فرصة إصلاح نفسه وتطويرها.
وليس المقصود هنا أن نتغافل عن الأخطاء أو أن نصمت عن الفساد؛ فالنصيحة قيمة عظيمة، والإصلاح واجب نبيل. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين النصيحة الصادقة التي تهدف إلى البناء، وبين تتبع العيوب الذي يهدف إلى الهدم أو الانتقاص من الآخرين. فالأولى تزرع المحبة وتبني الثقة، أما الثانية فلا تحصد إلا الفرقة وسوء الظن.
ومن المشاهد التي تتكرر في مجتمعاتنا أن بعضنا يتحدث طويلًا عن أخطاء أبناء الأقارب أو الجيران أو الأصدقاء، فيرصد تصرفاتهم، ويتابع هفواتهم، ويجعل منها مجالًا للنقاش والنقد، بينما يغفل عن أخطاء أقرب الناس إليه؛ أبنائه ومن هم تحت مسؤوليته ورعايته.
وليس المقصود أن أبناء الآخرين أكثر خطأً من أبنائنا، وإنما المقصود أن الإنسان يرى ما عند غيره بصورة أوضح مما يرى ما عند نفسه وأهله. فنحن أحيانًا نملك القدرة على اكتشاف العيوب خارج أسوار بيوتنا، لكننا نعجز عن رؤية ما يحتاج إلى إصلاح داخلها.
وكم من خلاف نشأ بين الأسر بسبب كلمة قيلت في ابن هذا أو ابنة ذاك، وكم من علاقة اجتماعية تصدعت وتضررت لأن البعض اختار النقد العلني بدل النصح الهادئ، والتشهير بدل التوجيه، وإصدار الأحكام بدل مد يد العون.
ولو أننا نظرنا إلى أبناء الأقارب والجيران والأصدقاء بعين المسؤولية والمحبة، وتعاملنا معهم كما نحب أن يتعامل الناس مع أبنائنا، لتغير الكثير من واقعنا الاجتماعي. فحين يخطئ أحدهم لا يكون السؤال: كيف أتحدث عن خطئه؟ بل كيف أساعده على تجاوزه؟ وكيف أقدم له النصح، دون علم أهله، بما يحفظ كرامته ويعينه على الاستقامة؟
إن أبناء المجتمع ليسوا جزرًا منفصلة، بل هم امتداد لبعضهم بعضًا، وما يصيب أحدهم من نجاح أو إخفاق ينعكس بصورة أو بأخرى على الجميع…ولذلك فإن المربي لا يفرق بين ابنه وابن جاره في الحرص عليه، ولا بين قريبه وابن صديقه في التوجيه الحسن؛ لأنه يدرك أن بناء الإنسان هو بناء للمجتمع كله.
ولو أن كل واحد منا اعتبر أبناء جيرانه وأقاربه وأصدقائه أبناءً له من حيث الحرص والخوف عليهم والرغبة في صلاحهم، لا من حيث الوصاية عليهم، لتراجعت مساحات الخصومة واتسعت مساحات المحبة… ولأصبح النصح جسرًا للتقارب بدل أن يكون سببًا للتنافر، ولتحول النقد إلى إصلاح، واللوم إلى احتواء.
فالإصلاح لا يتحقق بتعداد الأخطاء، وإنما يتحقق بزرع القيم. ولا يُبنى جيل صالح بكثرة الحديث عن انحرافاته، وإنما ببذل الجهد في توجيهه واحتضانه وإعانته على الطريق الصحيح.
إن الطفل أو الشاب الذي ننتقده اليوم قد يكون غدًا عنصرًا فاعلًا في المجتمع إذا وجد من يأخذ بيده بدل أن يشير إليه بأصابع الاتهام… ولهذا فإن أعظم دور يمكن أن نقوم به تجاه أبناء مجتمعنا هو أن نكون لهم قدوة حسنة، وناصحين أمناء، وقلوبًا تتسع لأخطائهم كما تتسع لأخطاء أبنائنا.
إن المجتمع الذي ينشغل أفراده بإصلاح أنفسهم قبل إصلاح غيرهم هو مجتمع يسير نحو النضج والاستقرار. أما المجتمع الذي يكثر فيه اللوم وتبادل الاتهامات وتتبع العثرات، فإنه يستهلك طاقاته في الصراعات الجانبية بدل أن يوجهها نحو البناء والتنمية.
ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان في رحلة حياته أن يتصالح مع نفسه، وأن يعترف بأخطائه، وأن يعمل كل يوم ليكون أفضل مما كان بالأمس. فالتغيير لا يبدأ من الآخرين، بل يبدأ من الداخل، من تلك اللحظة الصادقة التي يقف فيها الإنسان أمام نفسه دون أقنعة أو مبررات.
وليس هناك أعظم من أن ترى عيوب نفسك قبل أن تعدَّ عيوب الآخرين.
فمن شغلته أخطاء الناس عن إصلاح ذاته خسر المعركتين معًا.
والكمال حلم لا يملكه بشر، والتسامح فضيلة لا يستغني عنها أحد.
والناس لا يحتاجون إلى من يفضح عثراتهم بقدر حاجتهم إلى من يعينهم على النهوض منها.
فكل دقيقة نقضيها في مراقبة الآخرين هي دقيقة نسرقها من فرصة تطوير أنفسنا.
والحكيم لا يسأل: من أخطأ؟ بل يسأل: ماذا يمكن أن أصلح؟
ومن أصلح بيته أسهم في إصلاح مجتمعه، ومن أصلح مجتمعه أسهم في بناء وطنه.
بعد كل هذا التأمل، أدركت أن أكبر القضايا ليست تلك التي نكتب عنها أو نتجادل حولها، بل تلك التي نحملها في داخلنا كل يوم. فقضية الإنسان مع نفسه هي أصل كل القضايا؛ فإن صلحت النفس صلح السلوك، وإن صلح السلوك صلحت الأسرة، وإن صلحت الأسرة صلح المجتمع.
ولذلك، قبل أن نشير إلى أخطاء الآخرين، فلنمنح أنفسنا لحظة صدق ومراجعة.
وقبل أن نطالب المجتمع بالتغيير، فلنبدأ بالتغيير الذي نستطيع صنعه في ذواتنا. فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من القضاة الذين يحاكمون الناس، بقدر ما يحتاج إلى مزيد من البشر الذين يحاسبون أنفسهم.
وحين يصبح كل واحد منا مشروع إصلاح لنفسه، سنكتشف أن كثيرًا من القضايا التي أقلقتنا قد بدأت تُحل من تلقاء نفسها، وأن بناء الأوطان لا يبدأ من مراقبة الآخرين، بل من تهذيب النفس، وإتقان العمل، واحترام الإنسان، ونشر الخير حيثما كنا.
وإن يقيني أن الإصلاح لا يبدأ من تعداد الأخطاء، بل من صناعة القدوة، ولا يبدأ من لوم الناس، بل من احتوائهم، ولا يبدأ من تتبع العيوب، بل من البحث عن مكامن الخير وتنميتها.
فليس الإصلاح أن نعدَّ أخطاء أبناء الآخرين، بل أن نعاملهم بالرحمة والتوجيه الذي نتمناه لأبنائنا؛ فالمجتمعات القوية تُبنى بالأيادي التي تحتضن، لا بالأصابع التي تشير إلى العيوب.
بصيرتي برس بصيرة الوطن