عباس الماحي في نقطة سطر جديد… مبادرة لتأسيس صحيفة عنوانها:أقلام عربية


عباس الماحي
نقطة سطر جديد
… مبادرة لتأسيس صحيفة عنوانها:أقلام عربية
الصحافة العربية… جسر الوحدة وصوت المستقبل
من جامعة الدول العربية إلى شراكة الكلمة وبناء الوعي العربي
“إذا كانت السياسة ترسم حدود التعاون، فإن الثقافة والإعلام يصنعان جسور المحبة التي تعبرها الشعوب.”
لم يكن الوطن العربي يومًا مجرد حدود ومساحة جغرافية، بل كان عبر التاريخ فضاءً حضاريًا واحدًا، تشكلت ملامحه من لغة جامعة، وتاريخ مشترك، وإرث ثقافي عريق، وقيم إنسانية متقاربة. ورغم ما شهدته المنطقة من تحديات سياسية واقتصادية وتحولات إقليمية ودولية، بقيت الروابط العربية عصية على الذوبان، تؤكد في كل مرحلة أن ما يجمع العرب أكبر بكثير مما يفرقهم.
لقد أثبتت التجارب أن الأمم لا تُقاس بقوة اقتصادها أو جيوشها فحسب، بل بقدرتها على الحفاظ على وحدتها الفكرية والثقافية، وبناء مؤسسات تعزز الحوار، وتصنع المستقبل على أساس المصالح المشتركة. ومن هذا المنطلق، تأتي مبادرتنا التي أطلقناها لتأسيس صحيفة عربية يلتقي فيها الكتّاب والمفكرون والإعلاميون من مختلف الأقطار، لتكون منبرًا للحوار والتنوير، ومنصةً لتبادل الخبرات والتجارب، وجسرًا يعيد وصل ما انقطع بين أبناء الأمة الواحدة.
وجامعة الدول العربية تجربة وحدوية تستحق البناء عليها، فعندما تأسست عام “1945م”، جاءت تعبيرًا عن إرادة عربية مشتركة لإيجاد إطار مؤسسي يجمع الدول العربية، ويعزز التعاون بينها، ويحفظ مصالحها، ويقرب وجهات النظر في القضايا المشتركة.
وعلى امتداد عقود، لعبت الجامعة أدوارًا مهمة في تقريب المواقف العربية، واحتضان القمم العربية، ورعاية الحوارات السياسية، ودعم العديد من المبادرات الهادفة إلى تسوية الخلافات، إلى جانب تأسيس عدد كبير من المجالس والمنظمات العربية المتخصصة في مجالات الاقتصاد، والتعليم، والثقافة، والصحة، والإعلام، والعلوم، والعمل العربي المشترك.
ورغم أن الجامعة واجهت تحديات كبيرة فرضتها تعقيدات الواقع السياسي، فإنها بقيت البيت العربي الجامع، والإطار المؤسسي الذي يحفظ قنوات التواصل بين الدول العربية، ويؤكد أن الحوار يظل دائمًا أفضل من القطيعة، وأن الاجتماع حول طاولة واحدة هو بداية كل توافق.
ومن هنا فإن نجاح أي مشروع ثقافي عربي سيكون امتدادًا طبيعيًا لرسالة الجامعة، لأن المؤسسات الرسمية تحتاج دائمًا إلى قوة ناعمة تسندها، وهذه القوة تتمثل في الإعلام الواعي، والثقافة، والأدب، والفكر المستنير.
لا تستطيع أي مؤسسة رسمية، مهما بلغت إمكاناتها، أن تحقق أهدافها دون وجود إعلام مسؤول يشرح رسالتها، ويقربها من الناس، وينقل نجاحاتها، ويطرح التحديات بروح بناءة.
فالصحافة ليست ناقلة للخبر فقط، بل هي صانعة للرأي العام، ووسيط بين الشعوب وصناع القرار، ومنصة للحوار الحضاري.
ومن هنا تنبع أهمية مبادرتنا في إنشاء صحيفة عربية يشارك فيها كتاب من جميع الدول العربية، لتكون صوتًا للعقل العربي، ومنبرًا للمعرفة، ومساحة يلتقي فيها الفكر الخليجي بالمغاربي، والمشرقي بالإفريقي، في لوحة واحدة تعكس ثراء الأمة وتنوعها.
إن هذه الصحيفة لن تكون مشروعًا إعلاميًا تقليديًا، بل مشروعًا استراتيجيًا يخدم أهداف العمل العربي المشترك، ويواكب تطلعات جامعة الدول العربية في تعزيز التقارب بين الشعوب، لأن التقارب الحقيقي يبدأ عندما يتعرف الناس إلى بعضهم بعضًا بعيدًا عن الصور النمطية والانطباعات السطحية.
لقد علمتنا التجارب أن الخلافات السياسية مهما بلغت حدتها تبقى مؤقتة، بينما تبقى الثقافة راسخة، واللغة خالدة، والأدب شاهدًا على وحدة الوجدان العربي.
فالقصيدة العربية تُقرأ في كل العواصم، والرواية تنتقل بين القراء دون أن تعترف بالحدود، والمقال الجاد يصل إلى كل عقل يبحث عن الحقيقة.
ولهذا فإن اجتماع الأقلام العربية تحت سقف صحيفة واحدة يعني اجتماع العقول، واجتماع العقول هو الخطوة الأولى نحو صناعة مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.
يمكن للصحيفة أن تتحول إلى منصة معرفية شاملة، لا تقتصر على الثقافة والأدب، بل تفتح أبوابًا متخصصة في الاقتصاد والاستثمار، والصناعة، والزراعة، والطاقة، والسياحة، والتقنية، والتعليم، والبحث العلمي، والرياضة، وريادة الأعمال.
فكم من مستثمر عربي لا يعرف الفرص الواعدة في دولة عربية أخرى، وكم من مزارع يحتاج إلى تجربة ناجحة في بلد شقيق، وكم من صاحب مشروع يبحث عن شريك عربي يمتلك الخبرة أو التمويل.
وعندما تصبح الصحيفة نافذة لهذه الفرص، فإنها ستسهم في تحريك عجلة الاقتصاد العربي، وتشجيع الاستثمارات البينية، وربط أصحاب الأفكار بأصحاب القرار، وأصحاب المال بأصحاب المبادرات.
إن المعرفة الاقتصادية لا تقل أهمية عن المعرفة الثقافية، والإعلام الواعي قادر على تحويل الأفكار إلى مشاريع، والمشاريع إلى فرص عمل، والفرص إلى نهضة شاملة.
إن الاستثمار في الثقافة هو الاستثمار الأكثر استدامة، لأنه يبني الإنسان قبل العمران… فالكاتب الذي يعرّف القارئ العربي بتراث بلده، أو يروي تجربة ناجحة في التعليم، أو يقدم فكرة مبتكرة في الإدارة أو التكنولوجيا، يساهم في بناء الوعي الجمعي، ويزرع بذور التنمية في العقول.
ومن خلال الصحيفة يمكن إطلاق ملفات شهرية عن التجارب العربية الناجحة، واستضافة المفكرين، وإجراء الحوارات مع المبدعين، ونشر الدراسات والبحوث، وتكريم الشخصيات التي أسهمت في خدمة الأمة العربية، لتتحول الصحيفة إلى أرشيف حي للنجاحات العربية.
إن أكثر من نصف سكان الوطن العربي من الشباب، وهم صناع المستقبل والثروة الحقيقية التي ينبغي الاستثمار فيها.
ولهذا يجب أن تفتح الصحيفة أبوابها للأقلام الشابة، وأن تمنحها فرصة التعبير والإبداع، وأن تنظم مسابقات للكتابة والبحث والابتكار، وتخصص صفحات لرواد الأعمال والمبتكرين والمخترعين، لأن النهضة تبدأ عندما يشعر الشباب أن لديهم منبرًا عربيًا يحتضن أفكارهم ويؤمن بقدراتهم.
لقد تغير العالم، وأصبحت وسائل الإعلام الرقمية تصنع التأثير أسرع من أي وقت مضى، ولم يعد من المقبول أن يظل المحتوى العربي متفرقًا، بينما تمتلك الأمة كل هذه الطاقات الفكرية والثقافية.
إن الصحيفة العربية المقترحة يمكن أن تتطور إلى منصة رقمية متعددة الوسائط، تضم المقالات، والتحقيقات، والبرامج الحوارية، والبودكاست، والندوات الافتراضية، والدورات التدريبية، والمكتبة الرقمية، لتكون بيتًا عربيًا مفتوحًا للفكر والإبداع.
كما يمكن أن تعمل بالتكامل مع المؤسسات الثقافية والإعلامية والجامعات ومراكز الأبحاث، وأن تكون شريكًا معرفيًا في دعم المبادرات التي ترعاها جامعة الدول العربية والمنظمات العربية المتخصصة، بما يعزز حضور الثقافة في مسيرة العمل العربي المشترك.
إن الأمة العربية لا تفتقر إلى الطاقات، ولا إلى الموارد، ولا إلى العقول، وإنما تحتاج إلى مزيد من الجسور التي تربط هذه الطاقات ببعضها.
وقد أثبتت جامعة الدول العربية، رغم كل التحديات، أن الحوار العربي المشترك ضرورة لا غنى عنها، وأن بقاء المؤسسات الجامعة يمثل صمام أمان للعلاقات بين الأشقاء… واليوم يأتي دور المثقفين والإعلاميين ليضيفوا بعدًا جديدًا لهذا العمل، عبر تأسيس صحيفة عربية تكون بيتًا للكلمة الحرة، ومنبرًا للفكر المسؤول، وشريكًا في بناء الثقة وتعزيز التعاون.
فإذا كانت الجامعة تجمع الحكومات حول طاولة الحوار، فإن الصحيفة العربية ستجمع الشعوب حول مائدة الفكر والمعرفة، وستجعل من القلم رسولًا للمحبة، ومن الكلمة جسرًا للتقارب، ومن الثقافة طريقًا إلى التنمية.
إن مستقبل الأمة العربية لن تصنعه الخلافات، بل سيصنعه التعاون، ولن تبنيه الحدود، بل ستبنيه العقول المؤمنة بأن نهضة العرب تبدأ عندما يؤمن العربي بأن نجاح أخيه هو نجاح له، وأن الكلمة الصادقة قادرة على أن تفتح أبوابًا تعجز عن فتحها السياسة وحدها.
ولعل صحيفتنا العربية المنشودة تكون الخطوة الأولى في مشروع ثقافي عربي كبير، يحمل رسالة الوحدة، ويصون الهوية، ويغرس الأمل، ويمنح الأجيال القادمة منبرًا يجسد معنى أن تكون العروبة شراكة في الفكر، وتعاونًا في العمل، ووحدةً في المصير.