رؤية اقتصادية لأزمة الخبز في السودان: إلى متى يدفع المواطن فاتورة اختلال سوق القمح؟
بصيرتي برس

رؤية اقتصادية لأزمة الخبز في السودان: إلى متى يدفع المواطن فاتورة اختلال سوق القمح؟
مقترح لإنشاء منصة وطنية تمهّد لبورصة للقمح والدقيق، وتعزز المنافسة والشفافية وتضبط تكاليف الإمداد
مقدمة إلى فخامة رئيس مجلس السيادة الفريق اول ركن عبدالفتاح البرهان وسعادة رئيس مجلس الوزراء
رؤية البروفيسور محجوب هجّانة
الخبير الاقتصادي والمتخصص في الاقتصاد القياسي والاقتصاد الكلي
أولًا: أزمة الخبز ليست مجرد نقص في القمح
أزمة الخبز في السودان ليست مجرد مشكلة نقص في القمح أو الدقيق، بل اختبار لكفاءة إدارة الاقتصاد وقدرة الدولة على تنظيم الأسواق وضبط تكاليف الإنتاج والاستيراد والنقل والتوزيع. فعندما تتكرر الأزمة، وترتفع الأسعار، وتتراجع القدرة الشرائية للمواطن، يصبح الاكتفاء بالمعالجات المؤقتة معالجةً للأعراض، لا للأسباب.
السؤال الذي ينبغي أن تطرحه الحكومة ليس فقط: كيف نوفر القمح اليوم؟ بل: لماذا تتكرر الأزمة، وكيف نبني سوقًا يضمن توافره بتكلفة معقولة، ويحد من الاحتكار، ويعزز المنافسة والشفافية؟
إن ضخ الأموال وإصدار القرارات لا يكفيان ما لم تُحدَّد مصادر ارتفاع التكلفة، ويُقَس أثر سعر الصرف والتمويل والشحن والتخزين والطحن والنقل والتوزيع. فالإصلاح الحقيقي يبدأ بتشخيص اقتصادي قائم على البيانات، ثم تصميم سياسات تستهدف الأسباب الفعلية للأزمة بدلًا من الاكتفاء بمعالجة نتائجها.
ثانيًا: منصة وطنية تمهّد لبورصة القمح والدقيق
أقترح إنشاء منصة إلكترونية وطنية للقمح والدقيق، تمهيدًا لتأسيس بورصة متخصصة تنظم عمليات الشراء والبيع، وتوسع قاعدة الموردين، وتعزز الشفافية في الأسعار والعقود والكميات ومواعيد التسليم.
تبدأ المنصة بإعلان احتياجات البلاد والمطاحن، ونشر المواصفات والكميات المطلوبة، واستقبال عروض الموردين المؤهلين، وتوثيق نتائج المنافسات والعقود والأسعار والكميات التي جرى تسليمها فعليًا. وتتيح هذه الآلية للجهات الرقابية وصناع القرار متابعة عمليات التوريد وتقييم كفاءتها وفق ضوابط واضحة للإفصاح والمساءلة.
ولا يتطلب المقترح إنشاء بورصة مكلفة منذ اليوم الأول؛ بل يبدأ بمنصة منخفضة التكلفة تُختبر فاعليتها على نطاق محدود، ثم تُطوَّر تدريجيًا إلى بورصة وطنية متخصصة بعد استكمال المتطلبات القانونية والفنية والتمويلية، ووضع قواعد واضحة للتداول والتسوية والرقابة.
ومن الضروري التمييز بين الأداتين: فالمنصة تنظم المعلومات والمناقصات والعقود، بينما تحتاج البورصة إلى إطار تشغيلي وقانوني أوسع يحدد آليات التداول والتسوية والرقابة. لذلك، ينبغي ألا يتم الانتقال إلى مرحلة البورصة إلا بعد تقييم مستقل لجدواها الاقتصادية وقدرة السوق على استيعابها.
كما أن المنصة وحدها لا تضمن انخفاض الأسعار؛ إذ يعتمد نجاحها على وجود منافسة حقيقية، وتوافر التمويل، وكفاءة النقل والتخزين، واستقرار السياسات الاقتصادية، ووضع ضمانات تمنع الاحتكار وتضارب المصالح.
المطلوب ليس إنشاء مؤسسة جديدة لمجرد الإنشاء، بل بناء آلية تجعل المنافسة أوسع، والتكلفة أكثر شفافية، والمشتريات أكثر كفاءة وقابلية للمساءلة.
ثالثًا: ميزان وطني للقمح يكشف حجم المشكلة
لا يمكن إدارة سوق استراتيجي دون معرفة دقيقة بحجمه واحتياجاته. لذلك أقترح إنشاء ميزان وطني للقمح يربط الإنتاج المحلي بالواردات والمخزون والاحتياجات الاستهلاكية وطلبات المطاحن، ويُحدَّث بصورة دورية.
يساعد هذا الميزان على تقدير الفجوة بين العرض والطلب، وتحديد توقيت الاستيراد وكمياته، وتقليل مخاطر الشراء المتعجل والتخزين غير الكفؤ. كما يوفر أساسًا لتنسيق الإنتاج المحلي والاستيراد، بدلًا من اتخاذ القرارات بمعزل عن الاحتياجات الفعلية.
وبالتوازي، ينبغي توظيف أدوات الاقتصاد القياسي لتحليل العوامل المؤثرة في تكلفة القمح والدقيق والخبز، وقياس أثر سعر الصرف والتمويل والشحن والتخزين والطحن والنقل. فالتحليل العلمي لا يكتفي برصد الارتباطات، بل يسعى إلى تحديد العلاقات السببية متى توافرت البيانات والمنهجية المناسبة.
أول خطوة عملية هي جمع البيانات والتحقق منها، لا افتراض حجم المشكلة أو إعلان وفورات لم تُقَس بعد.
رابعًا: خطة تنفيذية لأول 90 يومًا
خلال الثلاثين يومًا الأولى: تُحصر البيانات المتاحة عن الإنتاج المحلي والواردات والمخزون والاحتياجات والتكاليف، وتُحدَّد الفجوات المعلوماتية والجهات المسؤولة عن توفير البيانات وتحديثها، ويُعد خط أساس يمكن الرجوع إليه عند تقييم نتائج المشروع.
خلال الستين يومًا: تُستكمل دراسة الجدوى الفنية والاقتصادية للمنصة، ويُحدد النموذج المؤسسي والجهة المسؤولة عن تشغيلها، وتُوضع قواعد المنافسة والإفصاح والرقابة، مع الفصل بين تشغيل المنصة والرقابة على السوق.
خلال التسعين يومًا: يمكن إطلاق تجربة محدودة بعد استكمال المتطلبات الفنية والقانونية، على أن تشمل عمليات شراء محددة قابلة للتوثيق والتقييم، مع تسجيل العروض والعقود والأسعار والكميات التي جرى تسليمها فعليًا.
وتُقاس النتائج بمؤشرات واضحة تشمل عدد الموردين المشاركين، وتكلفة الشراء، ومدة إتمام التعاقد، وانتظام الإمداد، والفارق بين الأسعار المتعاقد عليها والتكلفة الفعلية.
وبعد ستة إلى اثني عشر شهرًا، يُجرى تقييم مستقل لمدى نجاح التجربة وجدوى توسيعها أو تطويرها إلى بورصة وطنية متكاملة. ولا يُتخذ قرار التوسع إلا بناءً على نتائج موثقة، لا على توقعات غير مختبرة.
خامسًا: ربط إصلاح السوق بالإنتاج المحلي وحماية المستهلك
لن يكتمل إصلاح سوق القمح بالمنصة والبورصة وحدهما. لذلك ينبغي أن يتكامل المقترح مع التوسع في الإنتاج المحلي، وتشجيع التعاقدات الزراعية، وتحسين التخزين والنقل، وتقليل الفاقد، ومراجعة سياسات الدعم لضمان وصوله إلى الأسر الأكثر احتياجًا.
كما ينبغي نشر مؤشرات دورية عن توافر القمح والدقيق وتكاليف الإمداد، بما يعزز الشفافية ويسمح بتقييم السياسات بصورة منتظمة.
ولا ينبغي أن يُقاس نجاح المشروع بمجرد تشغيل المنصة أو الإعلان عن إنشاء البورصة، بل بقدرته على تحسين المنافسة، وتقليل التكاليف غير الضرورية، والحد من اضطرابات الإمداد، وتحسين توافر الخبز والقدرة على شرائه.
سادسًا: ما المطلوب من الحكومة؟
لتحويل هذه الرؤية إلى برنامج عمل، أقترح اتخاذ ثلاثة قرارات محددة:
أولًا: الموافقة على إعداد دراسة جدوى فنية واقتصادية لإنشاء المنصة الوطنية للقمح والدقيق، وتحديد متطلبات تطويرها مستقبلًا إلى بورصة متخصصة.
ثانيًا: تكليف جهة مختصة بإعداد الميزان الوطني للقمح وحصر البيانات الأساسية عن الإنتاج والواردات والمخزون والاحتياجات والتكاليف خلال الثلاثين يومًا الأولى.
ثالثًا: اعتماد تجربة محدودة بعد استكمال متطلباتها، وفق جدول زمني ومؤشرات أداء معلنة، مع إخضاع نتائجها لتقييم مستقل قبل اتخاذ قرار التوسع.
تحدد هذه القرارات نقطة البداية، والجهة المسؤولة، والمدة الزمنية، وآلية التقييم، وتحول المقترح من رؤية عامة إلى برنامج قابل للتنفيذ والقياس.
سابعًا: الخلاصة والتوصية
إن تكرار أزمة الخبز في السودان يستوجب مراجعة جادة للطريقة التي يُدار بها اقتصاد القمح. فالمطلوب ليس مجرد توفير شحنة جديدة من الدقيق كلما اشتدت الأزمة، بل بناء نظام أكثر كفاءة في تقدير الاحتياجات، وتنظيم المشتريات، وتوسيع المنافسة، وقياس التكلفة، ومحاسبة المسؤولين عن النتائج.
وعليه، أوصي بتبنّي مقترح إنشاء منصة إلكترونية وطنية للقمح والدقيق، تمهيدًا لتطويرها إلى بورصة متخصصة، بالتوازي مع إنشاء ميزان وطني للقمح وتطبيق خطة تنفيذية مرحلية تخضع لمؤشرات أداء وتقييم مستقل.
لا تمثل المنصة أو البورصة حلًا سحريًا لأزمة الخبز، بل أداتين مؤسسيتين يمكن اختبارهما وقياس أثرهما ضمن إصلاح اقتصادي أوسع. وتتوقف جدواهما على المنافسة الفعلية، وجودة البيانات، وشفافية التعاقدات، وكفاءة التمويل والنقل والتخزين.
المواطن لا يحتاج إلى وعود جديدة بشأن الخبز؛ بل يحتاج إلى سوق أكثر كفاءة، وتكلفة أكثر شفافية، وإمداد أكثر انتظامًا.
والسؤال الذي أضعه أمام الحكومة هو: هل سنواصل دفع فاتورة الأزمة كلما تكررت، أم نبدأ بإصلاح سوق القمح من جذوره، بحيث يصبح توافر الخبز وتكلفته معيارًا حقيقيًا لنجاح السياسة الاقتصادية؟
بصيرتي برس.. بصيرة الوطن