المقال رقم 5بسم الله الرحمن الرحيم… جزء من الحقيقة (5)لوطني: مقالات بحثية تحليلية لواقع السودان (1-12)


المقال رقم 5
بسم الله الرحمن الرحيم
جزء من الحقيقة (5)
محمد طه عثمان ( السوداني )خبير اقتصادي واداري وباحث
اسباب تخلف الدولة السودانية ؟ عدم كفاءة وفاعلية مؤسسات الدولة في تحقيق اهدافها التي انشات من اجلها
الانتماء والولاء الوطني ( الوطنية ) واثره علي مؤسسات الدولة (3\12)
المتتبع لتاريخ التطور الاجتماعي للانسان نري ان الافراد تشكلوا في قبائل والقبائل تشكلت في قوميات بغرض تعزيز امنهم والتحصن من الغريب وكان الولاء للقبيلة والدين ثم جاء بناء الدولة الحديثة المعروفة بسيادتها وحدودها الجعرافية والقائمة علي المواطنة . نجد ان المرتكز الاساسي لتكون القوميات هو عامل التجانس العرقي والتاريخي والثقاقي المشترك وهو العامل الذي ارتزكت عليه القوميات في توسعها وخلق امبراطوريات خارج حدود محيطها الجغرافي .
القوميات هي نظام سياسي واجتماعي واقتصادي يتميز بتعزيزه مصالح قومية معينة و يعتبرعامل التجانس العرقي والتاريخي والثقاقي منبع لقوة الانتماء ( الوطنية) الفطري وولاء الفرد واخلاصه لقوميته النابع من الايمان بالمصير المشترك وبالتالي ساهم الانتماء والولاء الوطني للقوميات في تحقيق نهضة وتشكل الامبراطوريات في العصور القديمة كاليونانية والرومانية والعاشورية والفارسية والصينية .
وقد ظهرت اهمية العامل الديني وتاثيره في الامبراطورية الرومانية بعد تبني المسيحية وبروز الامبراطورية العثمانية الاسلامية.
معاهدة وستفاليا 1648 التي وقعت لايقاف الحرب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت في اوربا تعتبرالنوة الاساسية لقيام النظام الدولي الحديث فقد كان العالم الاوربي قائم علي الامبراطوريات والاقطاع ( ممالك دوقيات امارات مدن مستقلة اراضي كنسية ) تحت سلطة اسمية لامبراطورية روما المقدسة و لم يكن قائم علي فكرة الدولة القومية المستقلة ذات السيادة والارضي كانت تنتقل بالزواج او الوراثة او الغزو والحروب كانت دينية وسلالية . معاهدة وستفاليا ارست مبادى سيادة الدولة داخل حدودها وعدم تدخل الدول في الشؤؤن الداخلية لبعضها والاعتراف القانوني المتبادل بين الدول الا ان هذا التحول استغرق 300 سنة ليقوم عليه النظام الدولي الحالي و مر بعدة مراحل مهمة شملت تثبيت فكرة سيادة الدولة داخل حدودها وكذلك توحيد الدول الممزقة كالمانيا والتي كانت مئات الدويلات وايطاليا والتي كانت مجموعة ممالك وظهور القومية في القرن 18 و19 ( بعد الثورة الفرنسية مستند علي ان يكون الولاء للامة وليس للملك او الدين) و في القرن 19 و20 انهارات الامبراطوريات العثمانية والهنقارية والروسية .
قامت الحدود الجغرافية لدول اوربا علي اساس قومي مبني علي التجانس العرقي (الشعب الذي يتشارك العرق والثقافة والتاريخ يجب ان يكون دولة ) كالمانيا وبريطانيا وفرنسا وايطاليا واليونان …..الخ .
دول اوربا احتفظت كل واحدة منها بتجانسها العرقي والثقافي والتاريخي بغرض الحفاظ علي هويتها والهوية المشتركة تضمن الانتماء والانتماء اساس بناء العمل المشترك فهو يخلق فطريا قويا في الكيانات المتجانسة ذات المصير المشترك وبالتالي يمثل ركن اساسي في بناء الدولة وتقدمها .
هذه الدول الاوربية ذات المواطن ذو الانتماء القوي لقومياته سعت لتعظيم مصالح دولهم فاستعمرت اجزاء كبيرة من العالم في افريقيا واسيا والشرق الاوسط بذات العقلية القديم للقوميات الهادفة لتعزيز مصالح قوميتها ثم بدات موجة الاستقلال بعد الحرب العالمية الثانية فتكونت دول حديثة لكن الحدود الجغرافية لهذه الدول رسمتها الدول الاستعمارية ولم تخلق لها التجانس القومي كما فعلت لذاتها . فكان التنوع العرقي سببا في الحروب الداخلية لكثيرا من هذه الدولة حديثة الاستقلال مثل نيجريا وروندا وبوروندي واثيوبيا والكنغو الديمقراطية وسريلاكا وميانمار والعراق ولبنان .
السودان ليس استثناءا فكانت حرب جنوب السودان بعد استقلاله بقليل وها نحن في وقتنا الحالي نشهد قيام الحركات القبلية المسلحة وتمرد ابريل 2023 . رغم عدم تجانسه العرقي السودان يتكأ علي عامل الدين المشترك وقليل من تاريخ المهدية المختلف عليه اذا استثنينا جنوبه الابعد انسجاما والذي انفصل عام 2011.
والحقيقة الماثلة في هذا الامر ان القوميات العرقية المتعددة في السودان تتنافر وتذاد تنافرا مع الزمن لذات الهدف القائم علي مفهوم القوميات وهو كل قومية تعمل علي تعزيز مصالح قوميتها في ظل غياب قيادة تدير هذا التنوع العرقي فغاب الانتماء للسودان المعروف بحدوده وترسخ الانتماء للقوميات العرقية فسار المزاج العام اقرب لفكرة التقسيم والنداءات بذلك معلنه بلا مواره فالحديث رطبا عن دولة البحر والنهروانفصال غربه ولم يعتبر الترويج له محدد امني قومي يهز كيان الوحدة الوطنية.
ان اساس بناء الوطن يرتكز علي الانتماء والولاء الوطني ( الوطنية ) وهنا سوف نتناول اسباب انتماء الفرد لوطن والمتمثلة في الهوية والحاجة للحماية والمصلحة والارتباط الوجاني بالارض والنشاة .
هويتنا كامة سودانية ضعيفة وغير متماسكة فالسودان به اكثر70 لغة محلية وكل لغة او لهجة تمثل ثقافة وتاريخ مختلف ضارب في جزور التاريخ فالسودان اثبت حديثا بانه موطن الانسان الاول اما في ما يختص بالحماية فلم يوفر السودان عبر حكوماته المختلفة حماية لمواطنيه قائمة علي حكم القانون الذي يضمن العدل ويبسط الامن فلم تتمتع قومياته بحاميته بانتماءها له كدولة فالاقتتال بين قبائله مستمر منذ الاستقلال الي يومنا هذا والمنقذ منه التحاكم لاعراف القبائل اكثر من سلطة الدولة السودانية . لم تستطيع الدولة السودانية توفير الخدمات الاساسية لمواطنها عبر حكوماتها المختلفة وهذا لا يحتاج لبرهان اما الارتباط الوجداني فملعون ابوكي يا بلد كما هي في ادبيات المواطن السوداني الذي صار الاغتراب حلمه الاول فتصدر شبابه سفن الموت هربا . فمن اين ياتي الانتماء له اذا انتفت اسبابه فاقل ما يقال ان المواطن السوداني انتماءه الوجداني الاول لقبيلته ومنطقته وليس للسودان كامة تحدها حدود جغرافية فنحن بعيدين جدا من مفهوم المواطنة القائم علي سيادة القانون والمساوة في الحقوق والواجبات .
مظاهر قلة الانتماء والولاء الوطني للسودان كامة تعرف بحدودها الجغرافية كثيره ففي زمن تراجع فيها الدولة الاوربية قوانينها للهجرة واللجوء للحفاظ علي هويتها القومية وتقوي فيها الحركات القومية العنصرية مخافة فقدان الهوية الجامعة للدولة علما بان هذه الدول منشئة لفكرة دولة المواطنة وسيادة القانون نري ان السودان ظلت حدوده مفتوح لكل الدول من حوله بلا رقيب وجوازه متاح للقريب والبعيد بكل السبل القانونية والملتوية واللاجئين يسهل اندماجهم وتبنيهم من القبائل الحدودة داخل السودان لاستخراج الرقم الوطني لتتم سودنتهم القانونية القائمة علي الشهود فقط فقبائلهم داخل السودان تعتبرهم اضافة عددية مرغوب فيها كونها تضمن لهم حقوق وامن اكثر في ظل صراع القوميات في السودان وقد ظهر ذلك جليا في تجنيس عرب الشتات المكثف من الدول المجاورة للسودان حديثا وهذا الامرحديثه وقديمه له تاثير واضح علي تغيير التركيبة السكانية السودانية المورثة منذ الاستقلال والضعيفة اصلا في انتماءها فذادها ضعفا وهشاشة وقد سبقتها هجرات من دول افريقية للمشاريع الزراعية الكبري في زمن الاستعمار فنحن فشلنا في حماية هويتنا التي تجمعنا كامة سودانية فضعف انتماءنا جعلنا نتقاعص ونقض النظر في اخفاقات مؤسساتنا القومية علي الحفاظ علي الاقل علي قوميتنا الموروثة منذ الاستقلال . اما ما يلي جوازنا فهو متاح لكل من يطلب من الذين لفزتهم دولهم لاسباب سياسية او دينية فمنحنا جوازاتنا للعراقيين والسوريين واليمنيين والبدون وغيرهم من اقاصي اصقاع الدنيا.
احزابنا مرتهنه للخارج وقياداتنا منهم ذات الولاء الشخصي والقبلي والجغرافي وهم امنون من العقاب ولم تجمعنا مظاهرات او احتجاجات في قضايا فساد او اضرار بمصلحة عامة ولم يحاكم مسؤول في قضايا تتعلق بالمصلحة العامة للامة السودانية فكان الفساد والاضرار باقتصاد الدولة بالتهريب المققن والتهرب من الضرائب والرشوة واستغلال المنصب وعدم احترام القوانين والنظم والاهمال في اداء الواجب الوظيفي وتغليب المصلحة الشخصة والفئوية علي المصلحة العامة واستغلال الموارد العامة وعدم المحافظة عليها وكل ذلك ما كان ان يكون لو كان هنلك عقل جمعي يتلمس مصلحة الامة السودانية.
يتوقف تطور ونماء الدول علي عوامل كثيرة منها الاستقرار السياسي والامني والتعليم الجيد و الاقتصاد المنتج والمتنوع والبنية التحتية وكل عوامل تطور الدولة تتوقف علي كفاءة وفاعلية المؤسسات التي تديرها فالاستقرار السياسي والامني لا يتحقق بدون خلق مؤسسات امنية وعسكرية قوية كذلك لا يمكن ادارة اقتصاداو تعليم بدون مؤسسات اقتصادية وتعليمية فاعلة فالمؤسسات ايا كان تخصصها تعمل علي تحقيق الاهداف المرحلية لهذه العوامل ومجموع اهدافها تادي الي الهدف المنشود وهو تطور الدولة.
الانتماء والولاء الوطني يعتبر اهم عامل يوجه بوصلة المؤسسات نحو غاياتها الوطنية وهو يسهم اسهاما فاعلا في بناء ثقافة مؤسسية ايجابية تتبني ادارة رشيدة تاخذ في الاعتبار تعزيز الشعور بالمسؤولية المجتمعية وتشجع العاملين في اداء مهامهم علي اكمل وجه وتغليب المصلحة العامة علي المصالح الشخصية ودعم قيم النزاهة ومحاربة الفساد والمحافظة علي المال العامة والالتزام بالقوانين والنظم .
تتمثل خطورة ضعف الانتماء والولاء الوطني في انها قد تادي الي انحراف اهداف المؤسسات القومية لخدمة اجندة مناطقية وقبلية والشاهد ان بعض المؤسسات القومية قد تستغل مواردها في اهداف تنموية في مناطق او اقليم بعينه وذات المؤسسات نفسها غدا تستغل مواردها لتحقيق اهداف تنموية في منطقة او اقليم اخر فالامر يتوقف علي من اي منطقة قادة هذه المؤسسات في ظل ظهور القيادة الغير قابلة للمسائلة والتي فرضها واقع السودان الحالي. ان ضعف الانتماء والولاء الوطني يسهم في خلق ثقافة مؤسسية سالبة تجعل المؤسسات تنحرف باهدافها عن الاهداف القومية التي تقوي الوحدة القومية وتادي الي بناء الدولة السودانية .
والسؤل هو هل من حل للسودان للخروج من هذه الدائرة الخبيثة ؟ والاجابة نعم وكيف يمكن لنا بناء انتماء وولاء وطني قوي للسودان يخلق امة موحدة تنشد الازدهار ؟ والاجابة نخلق فخرا يتجاوز العرق والثقافية واللغة يجمعنا كامة سودانية موحدة . ومن يخلق مثل هذا الفخر ؟ والاجابة القيادة الرشيدة واليكم اربعة نمازج لدول التنوع العرقي والثقافي و اللغوي فيها اكثر حدة من السودان ولكن سارت من تقدما وازدهارا الدولة .
فامريكا بنت فخرها عندما اجتمع الاباء المؤسسون في مايو عام 1787 ووضعوا دستورا يرونه رمزا لميلاد امة فصاغوا دستورا يقوم علي سيادة القانون والفصل بين السلطات وانتخاب الحكام وحماية الحقوق والحريات وتداول السلطة سلميا فصنعوا فخرا وترسخت لدي الامريكين فكرة ان بلادهم قامت علي مبادئ وليست علي اساس عرقي او ديني واحد فاصبح الدستور رمزا للوحدة الوطنية والانتما ء والولاء الوطني فسارت اعظم قوة اقتصادية وعسكرية عرفها التاريخ وسكانها يتشكلون من كل العالم باختلافاتهم العرقية واللغوية والثقافية . وسويسرا التي تتحدث اربعة لغات ( الالمانية والفرنسية والايطالية والرومانشية ) تعبر عن اعراق وثقافات ولغات مختلفة بنوا قادتها فخرها علي الحياد فانصهر هذا التنوع في بوتقة الديمقراطية المباشرة وهي اشهر دولة في التصويت المتكرر علي القواتين والتعديلات فتميزت بجودة الصناعات والتنمية وانخفاض مستوي الفساد وارتفاع ثقة المواطنين في الدولة. الهند التي تمثل قارة تضم مئات الاعراق والدينات واللغات بنوا قادتها غاندي وجواهر لا نهرو فخرها علي حركة الاستقلال فكانت اكبر ديمقراطية في العالم والانجازات العلمية والقنبلة النووية وتكنلوجيا المعلومات وبرنامج الفضاء والثقافة العالمية في بوليوود. وسنغافورة هذه الدولة الصغيرة والتي تتصف بقلة مواردها وتعدد عرقياتها الصينية والهندية والملايوية ولغاتها الرسمية الاربعة الملايوية والمندرينية والتاملية والانجليزية بنا فخرها قائدها لي كوان يو علي مفهوم ان الانسان السنغافوري نفسه هو المورد الاساسي للدولة فكانت الكفاءة والجدارة والتعليم الموحد والمواطنة قبل العرق واسكان مختلط وخدمة وطنية ومكافحة التمييز والتعاون فسارت الدولة الاعلي دخلا في العالم وتميزت بالامن وجودة الحياة وقد استقلت بعد استقلال السودان بعشر سنوات ولا تملك اي موارد طبيعية ومساحتها فقط 734 كيلومتر وكذلك جنوب افريقيا ورواندا اللتان بنا فخرهما نلسون ماديلا وكاغامي علي التسامح والمواطنة ذات الحقوق والواجبات فكانتا مثال للتنمية وتطور الدولة في قارة افريقيا
مستلهمين من تجارب العالم حولنا نحن السودانيين لا يغلبنا ان ننضهر في بوتقة واحدة من اجل بناء سودان نفتخر به وخاصة اننا امة يجمعها الدين الواحد والتقاليد والقيم المشتركة وسرنا اقرب لبعضنا البعض عبر السنين ولنا اسهاماتنا في محيطنا الاقليمي كما عرفنا باننا امة متسامحة وقد خلق مواطنينا نجاحات مقدرة خارجيا. ان تقوية وتعزيز الانتماء والولاء الوطني للسودان يسهم في خلق مؤسسات ذات ثقافة ايجابية توجه بوصلة مؤسساتنا لتعزز فينا الشعور باننا متساوون امام القانون دون تمييز وتقوي سيادة القانون والعدالة كما تساعدنا علي تحقيق حياة كريمة وتوحد جهودنا ومواجهة الاخطار والازمات و تحقق اهداف الامة وتدير التنوع وتحقق وحدة ونماء الدولة السودانية .
ولنا ان نعتبر بما حصل في دولة يوغسلافيا التي كانت تضم قوميات من الصرب والكروات والبوسنيين و فشتلت في ادارة التنوع فكانت نموزج لحرب اهلية طاحنة ليس لها مثيل في عالمنا المعاصر من حيث الانتهاكات والمجازرالدوموية وتفككت الي 7 دول . بل ناخذ العبرة من حرب التمرد التي نعشها اليوم .
ان قواتنا المسلحة والتي انتصرت علي التمرد وحققت ارادة شعبها وحفظت السودان بكيانه وحدوده رغم الاصتفاف الاقليمي والدولي ضدها جديرة بان تخلق فخرا يتجاوز العرق ويقوي الانتماء والولاء الوطني للسودان فالفرق شاسع بين مواطن يسكن وطن ووطني يحمل في داخله وطن. ونحن نحزم امتعتنا صوب الوطن نسال الله ان يهيئ لنا من امرنا رشدا والي اللقاء في المقال 6 ان شاء الله.
محمد طه عثمان ( السوداني )
خبير اقتصادي واداري وباحث
الاسكندرية
7 يونيو 2026
تفاعلكم يغذي مداد يراعنا
بصيرتي برس بصيرة الوطن