الرأي والمقالات

الجبايات العشوائية: حين تجمع الدولة المال وتُضعف اقتصادها!

الخبير الاقتصادي محجوب هجّانة يحذّر من أثر الجبايات العشوائية على الإنتاج والاستثمار والقوة الشرائية

الجبايات العشوائية: حين تجمع الدولة المال وتُضعف اقتصادها!

بقلم: البروفيسور محجوب هجّانة
الخبير الاقتصادي والمتخصص في الاقتصاد القياسي والاقتصاد الكلي .

قد تنجح الدولة في تحصيل المزيد من الأموال اليوم، لكنها تخسر غدًا جزءًا من قدرتها على إنتاج الثروة. هنا تكمن المفارقة التي يغفل عنها صُنّاع السياسة المالية: ليس كل ما يدخل الخزينة مكسبًا للاقتصاد، وليس كل ارتفاع في الإيرادات دليلًا على نجاح الإدارة المالية!

حين تتكاثر الجبايات وتتداخل الرسوم، بينما تتآكل القوة الشرائية وترتفع تكاليف الإنتاج، يصبح السؤال أكبر من مجرد تحصيل الضرائب: هل تعالج الدولة عجزها المالي، أم تنقل تكلفته إلى مواطن أنهكه الغلاء ومنتج يكافح للبقاء؟

والمشهد الأكثر إيلامًا أن يُكلَّف مُحصِّل قد لا يكفيه راتبه لإعالة أسرته، بتحصيل المال من مواطن يعاني الضيق ذاته. مُحصِّل يطارده الجوع، ومواطن يطارده الغلاء، ومنتج تطارده الرسوم؛ فمن يطارد أسباب العجز، ومن يحاسب على كفاءة الإنفاق؟

ونحن في علم الاقتصاد، لا نثق في سياسة مالية لا تسندها البيانات، ولا نقيس نجاحها بحجم التحصيل وحده. لقد علّمنا الاقتصاد الكلي أن الأعباء غير المدروسة قد ترفع تكاليف الإنتاج، وتضعف الاستثمار، وتقلص فرص العمل، بل وقد تُضيّق الوعاء الضريبي الذي تعتمد عليه الدولة نفسها.

أما الاقتصاد القياسي، فلا يكتفي بالسؤال عن حجم الإيرادات؛ بل يختبر أثرها، ويقيس تكلفة تحصيلها، ويبحث في انعكاساتها على الإنتاج والأسعار والتوظيف والاستثمار.

فليست المشكلة أن تجبي الدولة الضرائب، بل أن تجبيها دون أن تحسب كم كلّف الاقتصاد تحصيلها، وما أثرها في الإنتاج، وماذا عاد على المجتمع مقابلها.

الإصلاح يبدأ بمراجعة الرسوم المكررة، ومكافحة التهرب، وتوسيع القاعدة الإيرادية بعدالة، وترشيد الإنفاق، وإخضاع المال العام للمساءلة.

إلى وزارة المالية: أين الحساب الذي يوازن بين حصيلة الجبايات وتكلفتها الاقتصادية؟ ومن يحاسب على كفاءة الإنفاق كما يُحاسَب المواطن على تأخر السداد؟

إن الدولة التي تستنزف مصادر إنتاجها لتسد عجزها لا تعالج أزمتها بالضرورة؛ بل قد تؤجلها وتزيد كلفتها. فهل نريد إيرادات مستدامة يبنيها اقتصاد منتج، أم تحصيلًا آنيًا يدفع المواطن والاقتصاد ثمنه؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى