الرأي والمقالات

عباس الماحى نقطة سطر جديدمن أجلِّ نعم الله على العباد:نجابة الأبناء وصلاحهم

نجابة الأبناء وصلاحهم

نجابة الأبناء وصلاحهم

نِعَمُ الله على عباده لا تُعَدُّ ولا تُحصى، تتنزل عليهم في كل لحظة من لحظات حياتهم، وتحيط بهم من كل جانب، ظاهرةً وباطنةً…فمن نعمة الإيمان إلى نعمة الصحة، ومن نعمة الأمن إلى نعمة الرزق، ومن نعمة العقل إلى نعمة العافية، يعيش الإنسان في بحرٍ متلاطم من المنن الإلهية التي لو قضى عمره كله شكرًا لها ما وفَّى حقها. قال تعالى:
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾.


غير أن بين هذه النعم نعمًا يختصها الناس بمكانةٍ عظيمة في قلوبهم لما لها من أثرٍ عميق في حياتهم ومستقبلهم، ومن أجلِّ هذه النعم وأعظمها قدرًا نعمة الأبناء، ولا سيما إذا كانوا أبناءً صالحين نجباء، جمعوا بين حسن الخلق والاستقامة، وبين العلم النافع والعمل الصالح، فكانوا قرة عين لوالديهم، وسعادةً وفخرًا لأسرهم، ومصدر خير لمجتمعاتهم.


لقد جعل الله سبحانه الأبناء زينة الحياة الدنيا، فقال عز وجل:
﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا﴾.
وليس المقصود بالزينة مجرد الكثرة أو الامتداد العددي للأسرة، وإنما ما يحمله الأبناء من معانٍ سامية تجعلهم نعمة من الوهاب…فكثيرون رُزقوا أبناءً، ولكن السعيد حقًا من رُزق أبناءً صالحين يحملون القيم والمبادئ، ويعرفون الواجبات وحقوق ربهم وحقوق والديهم وحقوق مجتمعهم.


إن الابن النجيب هو الثمرة اليانعة لشجرة التربية الصالحة، وهو الامتداد الطبيعي لرسالة والديه في الحياة…وما أجمل أن يرى الأب أو الأم ثمرة سنوات طويلة من التعب والسهر والحرص قد أينعت في صورة شاب مستقيم أو فتاة صالحة، يحملان الأخلاق الرفيعة، ويقابلان الناس بالاحترام، ويسعيان في عمل الخير والإصلاح. عندها يشعر الوالدان أن جهودهما لم تذهب سدى، وأن ما بذلاه من تضحية وعطاء قد تحول إلى واقعٍ حيٍّ يراه الجميع.


ومن نعم الله العظيمة أن يجعل الابن سببًا في إدخال السرور على قلب والديه. فليس هناك ما يشرح الصدر كأن يسمع الأب ثناء الناس على حسن خلق ابنه، أو ترى الأم أبناءها وقد أصبحوا نماذج يُقتدى بها ويُحتذى بها في الأدب والاستقامة. وقد قيل قديمًا:
“صلاح الأبناء تاج على رؤوس الآباء لا يراه إلا الناس”.
وهذا التاج لا يُشترى بمال، ولا يُنال بمنصب، وإنما هو توفيق من الله أولًا، ثم ثمرة تربية صادقة وجهد متواصل.


ولا تقتصر نجابة الأبناء على التفوق الدراسي أو النجاح المهني، وإن كان ذلك أمرًا محمودًا ومطلوبًا، بل إن النجابة بمعناها الأوسع تشمل التفوق في الأخلاق قبل الشهادات، وفي القيم قبل المناصب، وفي الإنسانية قبل المكاسب…فقد يكون الإنسان صاحب علم واسع ومكانة مرموقة، لكنه يفتقد حسن الخلق وبر الوالدين، فلا يكون نجاحه كاملًا.
وفي المقابل قد يكون الابن محدود الإمكانات، لكنه أمين، صادق اللسان، رحيم القلب، بار بوالديه، نافع لمن حوله، فيكون عند الله أعظم منزلة وأبقى أثرًا.


ومن أعظم صور نجابة الأبناء برُّ الوالدين والإحسان إليهما. فالابن الصالح يدرك أن والديه كانا سببًا في وجوده بعد فضل الله، وأنهما بذلا من أجله الغالي والنفيس، وأعمارًا وجهودًا لا تُقدَّر بثمن، فيرد الجميل بالإحسان والرحمة والطاعة في المعروف.
وما أروع المشهد حين يكبر الوالدان ويضعف جسدهما، فيجدان أبناءهما سندًا وعونًا، يخففون عنهما الحمل وأعباء الحياة، ويردون إليهما شيئًا من جميل الماضي.


كما أن الابن النجيب لا يقتصر خيره على أسرته، بل يمتد أثره إلى المجتمع كله…فهو الطبيب الأمين، والمعلم المخلص، والمهندس المتقن، والقاضي العادل، والمسؤول النزيه، والعامل الشريف. وكلما صلح الأبناء صلحت المجتمعات، لأن الأمم في حقيقتها ليست سوى مجموع الأسر التي تكوّنها…فإذا كانت الأسرة صالحة كان المجتمع قويًا متماسكًا، وإذا فسدت التربية انعكس ذلك على الأمة بأسرها.
ولذلك حرص الأنبياء والصالحون على سؤال الله الذرية الصالحة قبل سؤال كثير من أمور الدنيا.


فهذا إبراهيم عليه السلام يناجي ربه بقوله:
﴿رب هب لي من الصالحين﴾،
وزكريا عليه السلام يسأل ربه ولدًا طيبًا يرث النبوة والعلم والدعوة إلى الله… إنهم لم يكونوا يبحثون عن مجرد أبناء يحملون أسماءهم، بل عن أبناء يحملون الرسالة والقيم ويواصلون مسيرة الخير.
ومن دلائل عظمة هذه النعمة أن أثرها لا ينقطع بوفاة الوالدين. فالمال قد يفنى، والمناصب تزول، والجاه يندثر، أما الابن الصالح فإنه يبقى امتدادًا لعمل والديه بعد رحيلهما.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن عمل الإنسان ينقطع بموته إلا من أمور منها:
«ولد صالح يدعو له».
فكم من أب وأم انتقلا إلى جوار ربهما، وما زالت حسناتهما تتجدد بدعوة صادقة من ابن بار، أو صدقة يجريها عنهما، أو عمل صالح يقدمه وفاءً لهما.


إن صلاح الأبناء ليس وليد الصدفة، ولا ثمرة الأمنيات المجردة، بل هو مشروع حياة يبدأ منذ اللحظات الأولى للتربية. يبدأ بالدعاء الصادق، ثم بالقدوة الحسنة، ثم بغرس الإيمان في القلوب، وتعويد الأبناء على الصدق والأمانة والرحمة وتحمل المسؤولية.
فالأبناء يتعلمون من الأفعال أكثر مما يتعلمون من الأقوال، وما يراه الطفل في بيته يرسخ في نفسه أكثر مما يسمعه من المواعظ والخطب.


ومع كثرة المؤثرات وتعدد وسائل الانحراف الفكري والأخلاقي، أصبحت مسؤولية التربية أعظم من أي وقت مضى…فالمربي الناجح هو الذي يجمع بين الحب والحزم، وبين التوجيه والاحتواء، وبين المتابعة والثقة، ليخرج إلى المجتمع جيلًا قوي الشخصية، ثابت المبادئ، قادرًا على مواجهة تحديات العصر دون أن يفقد هويته وقيمه.


وإذا تأملنا في سير العظماء والمصلحين والعلماء وجدنا خلف كل واحد منهم أسرة غرست فيه الفضائل منذ الصغر، وآباء وأمهات أدركوا أن أعظم استثمار في الحياة ليس العقارات ولا الأموال، وإنما الاستثمار في بناء الإنسان. فالمال قد يضيع، والتجارة قد تخسر، لكن الابن الصالح يبقى كنزًا لا يفنى، وأثرًا لا ينقطع، وذكرًا حسنًا يتردد على الألسنة جيلًا بعد جيل.


إن نعمة الأبناء النجباء الصالحين هي من أعظم عطايا الله التي تجمع خير الدنيا والآخرة… فبهم تطيب الحياة، وتقرُّ العيون، وتطمئن القلوب، ويشعر الوالدان أن جهدهما لم يذهب هباءً. وهم السند عند الضعف، والأنس عند الوحدة، والدعاء بعد الرحيل، والامتداد المبارك الذي يحمل الاسم والقيم والرسالة.
وإذا كان الناس يتفاخرون بما يملكون من أموال أو مناصب أو جاه، فإن أعظم ما يحق للإنسان أن يفرح به هو أن يرى أبناءه صالحين مستقيمين، يعرفون ربهم، ويحفظون حقوق والديهم، وينفعون أمتهم ومجتمعهم.
فذلك هو الغنى الذي تصبو إليه القلوب، وذلك هو الفوز الذي لا يقدَّر بثمن.


نسأل الله تعالى أن يجعل أبناء المسلمين جميعًا قرة أعين لآبائهم وأمهاتهم، وأن يرزقهم الصلاح والهداية والنجابة، وأن يبارك فيهم، ويجعلهم مفاتيح للخير مغاليق للشر، وأن يكتب للآباء والأمهات أجر ما بذلوه في تربيتهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصدق من قال:
ما أعظم أن يرحل الإنسان عن الدنيا ويترك خلفه ولدًا صالحًا يحمل سيرته الطيبة، ويدعو له كلما ذُكر اسمه، فتظل آثار حياته ممتدة في الأرض، بينما ترتفع حسناته في السماء.
وكما قال الإمام الشافعي:
نِعَمُ الإلهِ على العبادِ كثيرةٌ
وأجلُّهُنَّ نَجابةُ الأبناءِ…
فنِعَمُ الله على عباده كثيرة لا تُحصى، ومن أجلِّها وأعظمها أثرًا نعمةُ الأبناء النجباء الصالحين؛ فهم قرةُ العيون، وزينةُ الحياة، وامتدادُ الخير بعد الرحيل.

بصيرتي برس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى