التحقيقات والتقارير

الجمارك السودانية تعلن استراتيجية جديدة لمكافحة التهريب وتحليل البيانات

من الكمائن التقليدية إلى تحليل البيانات.. الجمارك السودانية تتجه نحو مكافحة استباقية للتهريب وحماية الاقتصاد

الجمارك السودانية تعلن استراتيجية جديدة لمكافحة التهريب وتحليل البيانات

تقرير: مي علي آدم

في قاعة رئاسة قوات الجمارك بالخرطوم، وعلى وقع الحديث عن ضبط مليون ونصف حبة مخدرة، أعلنت قوات الجمارك السودانية دخول مرحلة جديدة في مواجهة التهريب. مرحلة لا تعتمد على “الكمين” بقدر ما تعتمد على “تحليل البيانات”.

الانتقال المعلن جاء ضمن النسخة الأولى من “المنبر الإعلامي الشهري” الذي دشنته الجمارك تحت شعار _”مكافحة التهريب.. إنجازات ميدانية. حماية للاقتصاد. وشراكة مع المجتمع”_، في اعتراف صريح بأن أدوات الأمس لم تعد كافية لمواجهة تحديات اليوم.

تشخيص الأزمة: من تهريب البضائع إلى تهريب الاقتصاد*
شخص الفريق شرطة صلاح أحمد إبراهيم المدير العام لقوات الجمارك طبيعة الخطر الجديد بدقة.
وقال في كلمته الافتتاحية إن التهريب “تجاوز الإطار الجمركي التقليدي ليصبح هجوماً منظماً وممنهجاً يستهدف موارد الدولة، وملكية المواطن، ومبدأ تكافؤ الفرص في السوق”.

وأضاف: “شبكات اليوم تعمل بالتكنولوجيا وتستثمر في فراغات القوانين وثغرات البيانات. لذلك فإن مواجهتها بوسائل تقليدية تعني أننا نحارب المستقبل بوسائل قديمة”.

ووفقاً لتشخيص الجمارك، فإن الخسارة لم تعد تقاس فقط بالإيرادات المفقودة، بل بتشويه كامل لبيانات الاستهلاك والإنتاج التي تبنى عليها الدولة سياساتها التجارية والصناعية.

التهريب المستندي: العدو غير المرئي

كان أبرز ما كشفه المنبر هو تصاعد ما يسمى بـ “التهريب المستندي”. وهي آلية لا تتطلب تهريباً عبر الدروب، بل تمر عبر الميناء والمطار بشكل “قانوني”.

اللواء دفع محمد دفع الله مساعد المدير العام شرح الآلية: “البضاعة تدخل بفاتورة أقل من قيمتها الحقيقية، أو بشهادة منشأ مزورة، أو بوصف سلعة مضلل. النتيجة أن السلعة تكتسح السوق لأنها لم تدفع التزاماتها، بينما المصنع المحلي الذي دفع كل شيء ينهار”.

وتابع: “لم تعد المسألة مسألة تفتيش حقائب وحاويات. نحن نحتاج إلى عقول تحلل الأرقام. محلل يربط بين حجم استيراد سلعة معينة وبين حجم الاستهلاك الفعلي في السوق، وعندها تظهر الفجوة”.

*العقيدة الجديدة: من رد الفعل إلى الاستباق*
أقرت الجمارك بصعوبة السيطرة الكاملة على حدود السودان الممتدة والمتداخلة. لذلك طرحت الانتقال إلى “المكافحة الاستباقية”.

وتقوم هذه العقيدة على 3 محاور:
1. جمع المعلومات: بناء شبكة استخبارات اقتصادية ترصد تحركات الشبكات.
2. تحليل البيانات: تحويل بيانات التحصيل الجمركي إلى مؤشر استراتيجي لرصد أي تدفق غير طبيعي لسلعة معينة.
3. التكامل المؤسسي: ربط البيانات الجمركية بوزارة التجارة والبنوك والجهات الأمنية لكشف التناقضات.

وأكد اللواء دفع أن “البيانات لم تعد أرقام إيرادات. هي الآن خريطة طريق. منها نعرف من يتلاعب ومن يضارب ومن يحاول ضرب المنتج الوطني”.

ضبطيات ميدانية وضغط تشريعي

لم يغفل المنبر الجانب الميداني. وتم استعراض ضبط _أكثر من 1.5 مليون حبة مخدرة_ في ميناء البحر الأحمر، بالإضافة إلى ضبطيات أسلحة وكميات من “البنقو” في المناقل.

لمواكبة هذا التطور، كشف اللواء حقوقي جمال الدين العوض عن وجود مقترحات جادة لتعديل قانون الجمارك. وقال إن الهدف هو “منح القوات إطاراً قانونياً وحماية تتناسب مع حجم المخاطر، وتجريم الأنماط المستحدثة التي لم يكن المشرع يتوقعها”.

المجتمع والإعلام: خط الدفاع الأول

اختتم المنبر بالتأكيد على أن المعركة ليست للجمارك وحدها. ووصف الفريق صلاح الإعلام بأنه “شريك أصيل في معركة الوعي وكشف الحقائق”. فيما ناشد العميد فتح الرحمن التوم المواطنين بالتبليغ الفوري عن أي نشاط مشبوه.

الرسالة الختامية كانت واضحة: الهدف ليس إغلاق الحدود، بل تحويلها إلى “بوابات ذكية” تعمل بالمعلومة والتكنولوجيا.
فمعركة الجمارك القادمة، كما قالوا، هي “معركة عقول”. ومن يملك المعلومة الصحيحة في الوقت الصحيح، هو من سيملك السوق.

لمتابعة أحدث الأخبار والتقارير الحصرية والتحليلات المعمّقة تابعونا على صفحتنا الرسمية على فيسبوك 

 

تابع آخر المستجدات والأخبار العاجلة عبر قناة بصيرتي برس على واتساب 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى