ورشة الفضاء تضع خارطة طريق لإنقاذ الصحافة السودانية: إصلاح تشريعي ومؤسسي وتحول رقمي حتمي
تحديات الواقع وآفاق الإصلاح: كيف يواجه الصحفيون في السودان ضغوط الحرية والتحول الرقمي؟
ورشة الفضاء” تضع خارطة طريق لإنقاذ الصحافة السودانية: إصلاح تشريعي ومؤسسي وتحول رقمي حتمي
تقرير: مي علي آدم
نظم القطاع الإعلامي بمركز الفضاء العالمي للثقافة والإعلام ورشة متخصصة تحت عنوان “واقع الصحفيين في السودان بين المهنة والالتزام الأخلاقي.. التحديات الراهنة وآفاق الإصلاح المؤسسي”، تحت إشراف البروفيسور سليمان الدبيلو رئيس المفوضية القومية للسلام، وبمشاركة الأستاذ أحمد عثمان حمزة والي الخرطوم، وبحضور عدد من القيادات الصحفية والثقافية.

وقدمت خلال الورشة خمس أوراق عمل تناولت واقع الصحافة السودانية والتحديات التي تواجهها وسبل الخروج.
قدم د. عادل محجوب أحمد أستاذ الصحافة بعدد من الجامعات السودانية الورقة الأولى بعنوان “ضغوطات الواقع الصحفي ومتطلبات الحياد المهني”. ارتكزت الورقة على الضغوطات التي تتعرض لها الصحافة السودانية سياسياً كالرقابة واعتقالات الصحفيين، واقتصادياً كالتمويل والإعلان، وثقافياً واجتماعياً كخطاب الكراهية ونشر الشائعات. وتطرقت الورقة لمتطلبات المهنة الأساسية مثل الاستقلالية والنزاهة والحياد والموضوعية وغيرها من مبادئ أخلاقيات العمل الصحفي.
وقدم الفريق شرطة حقوقي والخبير الإعلامي د. هاشم علي عبدالرحيم الورقة الثانية بعنوان “الصحفي السوداني بين ضغوط الواقع ومتطلبات الحياد المهني”. تناولت الورقة التدخلات السياسية والاقتصادية والتي تمثل التحدي الأبرز لحرية الصحافة، إذ تعمل القيود المفروضة على استقلاليتها إلى تحويل الإعلام من “سلطة رابعة” تعمل للصالح العام إلى أداة لخدمة مصالح السلطة وطبقة رجال المال والأعمال. ومن أبرز هذه الضغوطات الاستقطاب السياسي وأثره على استقلالية الصحفيين ومصداقية المحتوى الإعلامي، والضغوط المؤسية وتأثيرها على اتخاذ القرار التحريري، والضغوط الاقتصادية وارتباط التمويل بالسياسة، وتوجيهات المالكين، والضغوط التنظيمية والإدارية ومركزية القرار. وخرجت الورقة بتوصيات أبرزها معالجة نصوص القانون الجنائي الساري ليشمل دمج وسائل الإعلام الرقمية والصحافة الإلكترونية تحت مظلته، ودعم واستقلالية المجلس القومي للصحافة والمطبوعات، واستبدال الرقابة المسبقة والمباشرة بآليات تنظيم ذاتي يقودها الجسم الصحفي.
وتناول د. طارق عبدالله في الورقة الثالثة “الظواهر السالبة في الوسط الإعلامي.. الأسباب والتداعيات وآليات المعالجة”. وعرفت الورقة السلوكيات السالبة بأنها مجموعة من الممارسات والتصرفات المهنية والأخلاقية التي تصدر من العاملين في المجال الإعلامي وتخالف القيم المهنية والمعايير الأخلاقية والقوانين المنظمة للعمل الإعلامي. ومن بين هذه السلوكيات الانتهازية، والتزلف والتقرب من الآخرين بالمبالغة في الثناء والمدح لتحقيق منفعة أو مكسب، والاختراق الإعلامي، وظاهرة التشظي والانقسامات. وأرجع د. طارق أسباب الظاهرة إلى أسباب اقتصادية وسياسية ومهنية وشخصية، إلى جانب صراع المصالح وضعف الوعي المهني والثقافة الأمنية وأسباب قانونية. وقال إن تأثير الظواهر السالبة على المهنة يؤدي إلى تراجع المصداقية، وإن التعامل مع السفارات والبعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية يؤدي إلى تبني أجندات تخدم تلك الجهات، كما أن الانتهازية تؤدي إلى انتشار الأخبار الكاذبة وتؤثر الانقسامات على الوسط الصحفي. وخرجت الورقة بتوصيات أبرزها الإصلاح التشريعي والمهني والأخلاقي والمؤسسي والاقتصادي، وإنشاء صندوق وطني لدعم وتطوير الإعلام، وتحديث مواثيق الشرف الإعلامي بما يواكب البيئة الرقمية.
ودعا الكاتب الصحفي عبدالماجد عبد الحميد في الورقة الرابعة “دور المؤسسات الصحفية والتنظيمات المهنية في تعزيز أخلاقيات مهنة الصحافة” إلى تعزيز دور المؤسسات الصحفية والتنظيمات المهنية في حماية أخلاقيات مهنة الصحافة، ومواكبة التحولات الرقمية المتسارعة التي أعادت تشكيل أدوات العمل الإعلامي، مؤكداً أن تطور الوسائل لا ينبغي أن يأتي على حساب جوهر المهنة القائم على الحقيقة والدقة والنزاهة والمسؤولية. وأشار إلى أن الصحافة انتقلت من وسيلة تقليدية إلى بيئة رقمية تفاعلية متعددة الوسائط، أصبح فيها الجمهور شريكاً في صناعة المحتوى. وأوضح أن التطور المتسارع في صحافة البيانات وأدوات الذكاء الاصطناعي سيواصل تغيير طبيعة العمل الصحفي. وشدد على أن أخلاقيات الصحافة تفرض عرض مختلف أطراف القضايا، وتجنب تضارب المصالح، ورفض الرشى والهدايا، وتصحيح الأخطاء المهنية، واحترام الخصوصية وحماية المصادر والابتعاد عن خطاب الكراهية. ودعا إلى تحديث مواثيق الشرف المهني بصورة دورية، وتنظيم برامج تدريب مستمرة، وتفعيل دور المجالس والهيئات المهنية في الرقابة والمساءلة الذاتية وتوفير الحماية القانونية للصحفيين. وعقب على الورقة الصحفي صلاح حبيب، وشهدت مداخلات ونقاشات من عدد من الصحفيين.
وقدم الأستاذ أبوعبيدة عبدالله محمد الورقة الخامسة بعنوان “تحديات عودة الصحافة الورقية السودانية”. استعرض واقع الصحافة الورقية السودانية وقال إنها منذ 15 أبريل شهدت تدهوراً كبيراً بسبب تعطيل المطابع، وصعوبة وصول الصحفيين إلى العمل، وانخفاض القدرة الشرائية للمواطنين، وارتفاع أسعار الورق والأحبار والوقود والكهرباء. إلى جانب تأثير الإعلام الإلكتروني وسرعة نشر الأخبار وانتشار الهواتف الذكية والإنترنت وتراجع قراء الشباب للصحف المطبوعة وانتقال المعلنين للمنصات الرقمية، وتضرر شبكات النقل بين الولايات. وقدمت الورقة مقترحات عملية شملت تقديم دعم حكومي مؤقت لمدخلات الطباعة، وإعفاء الورق والأحبار من الجمارك والضرائب، وتبني نموذج “الصحيفة المزدوجة” ورقي ورقمي، وتنويع مصادر الدخل عبر الاشتراكات والإعلانات الإلكترونية، وتحسين شبكة التوزيع بالشراكة مع شركات لوجستية، والتركيز على الصحافة الاستقصائية، وتدريب الصحفيين على المحتوى الرقمي متعدد الوسائط، وتشجيع القطاع الخاص على الإعلان بحوافز ضريبية، وإنشاء صندوق لدعم المؤسسات خلال التعافي، وتعزيز ثقة الجمهور بالالتزام بالاستقلالية.
وخرجت الورشة بتوصيات اعتبرتها ضرورة حتمية لضمان البقاء شملت معالجة نصوص القانون الجنائي لتشمل الإعلام الرقمي وتوحيد جهات التقاضي وحذف المصطلحات الفضفاضة مثل “الأمن القومي”. ودعم استقلالية المجلس القومي للصحافة والمطبوعات عبر مراجعة هيكل التشكيل وتقليل التبعية للسلطة التنفيذية، وتحسين البيئة الاقتصادية عبر إعفاءات مدخلات الإنتاج. وتطوير الكوادر في السرد الرقمي والتحقق من “التزييف العميق”، وتنويع مصادر الدخل، وتطويع المحتوى لخوارزميات المنصات دون المساس بالعمق، وأمن المعلومات وحماية المصادر، وإنشاء غرف تدقيق لمواجهة الأخبار الزائفة، والموازنة بين السبق واحترام الأخلاقيات.
وخلصت الورشة إلى أن إنقاذ الصحافة السودانية لا يتوقف على العودة للطباعة فقط، بل على قدرتها على التكيف مع البيئة الجديدة. فالتحول الرقمي لم يعد خياراً، لكنه لا يعني نهاية الورقي. وتحتاج العملية إلى تعاون الحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات الإعلامية واتحاد الصحفيين لضمان استمرار هذا المرفق الثقافي والإعلامي المهم.