عودة محمد النصري ومحمد النصري شهر تمانية داير يجمعنا
ملحمة الخريف والعودة: كيف أحيا محمد النصري مسرح الجيش بأمدرمان؟
رحمة عبدالمنعم يكتب عن عودة ملك الطمبور محمد النصري شهر تمانية داير يجمعنا
عاد محمد النصري اليوم إلى الغناء، وعادت معه واحدة من أجمل صوره الغنائية: شهر تمانية داير يجمعنا في عز الخريف وأمطارو زي ما كان قبيل فرّقنا جايي يكفّرن أوزارو، ما كانت السماء تمطر في تلك العصرية الأمدرمانية، غير أن الأغنية كانت كافية لتملأ المكان بخريفها الخاص؛ خريف الذاكرة، والشوق، واجتماع الوجوه بعد طول تفرّق.
عاد بلبل الشمال الغريد محمد النصري بعد توقف، وصعد خشبة مسرح الجيش بأمدرمان في احتفال عيد القوات المسلحة الثاني والسبعين، وحين استقر صوته في المكان، أحس الناس أن شيئاً عزيزاً عاد إلى موضعه، وأن المدينة تسترد عبر الغناء شيئاً من ملامحها التي غيّرتها السنوات الثقيلة، وردد النصري: مشيت بعدك بلاد الشوق، غشيت في سكتي الأطلال، لقيتك لسه في الخاطر، وفي مرقة شمس باكر، ملان بيك طول حياتنا جمال، رسومات روعتك تذكار، على أبواب بيوت الحي، محل تاوق لقيتك شوق، مشتت في الشوارع ضي.
وكانت الكلمات تمضي أبعد من حدود الأغنية، كأنها تخاطب الخرطوم نفسها؛ تلك المدينة التي غاب عنها كثير من أهلها، وظلت ساكنة في خواطرهم مهما تباعدت الدروب. توافدت الجماهير من كل حدب وصوب، جاءوا يحدوهم الشوق إلى النصري، وإ إلى زمن كامل يمثله صوته في ذاكرتهم، وبين الحاضرين عائدون إلى أرض الوطن بعد طول غياب، يحمل كل واحد منهم حكايته الخاصة مع الخرطوم؛ شارعاً قديماً، أو بيتاً تركه، أو رفقةً باعدت بينها منافي النزوح واللجوء.
وامتلأت جنبات مسرح الجيش وصار المشهد كأن أمدرمان رتبت لقاءً واسعاً بين الناس وأيامهم، وهناك علا الصوت: يا حليلو طول وفجأة بان ذكرني أيامنا الزمان، وهي عبارة تختصر إحساساً يعرفه كل من طال غيابه عن مكان أحبه، فأحياناً تكفي أغنية واحدة حتى ينفتح في الذاكرة شارع كامل، ويكفي لحن حتى تعود وجوه غابت، ويكفي صوت مألوف حتى يجد الإنسان نفسه واقفاً أمام سنوات بعيدة، يراها فجأة قريبة كأنها حدثت بالأمس.
وكان بين الحضور من عاد إلى السودان بعد سنين النزوح واللجوء، فوجد النصري يستقبله بطريقته: بلداً قدر ما تطوف عينك قدر ما تشوف بي حلوها تريدا بي مُرها تريدا، وما أصدقها من عبارة في زمن الغياب، فالوطن يظل وطناً مهما أثقلته الأيام ومهما تبدلت ملامحه، يظل يسكن في الروح بتفاصيله الصغيرة؛ في صوت الناس، وفي طرقات الحي، وفي صباحات النيل، وفي رائحة الأسواق، وفي تلك الألفة التي يصعب أن يجدها المرء كاملة في مكان آخر: فالضحكة هناك من جوة الجوف والفرحة هناك مافيها الخوف.
وأنا هنا في القاهرة، أفرحتني إطلالة النصري وأيقظت في داخلي شوقاً كبيراً إلى تلك الليالي التي كنت أحرص فيها على حضور حفلاته قبل سنوات الحرب اللعينة، ما كان حفله عندي مناسبة عابرة؛ كان موعداً مع صوت أحببته، ومع جمهور يعرف أغنياته بيتاً بيتاً، ومع ليالٍ ارتبطت في الذاكرة بمسرح نادي الضباط وبهجة الخرطوم القديمة. وكم رددنا معه: ويا فرحة النيل يوم تعود يوم يلبسو أطفالنا الورود يوم داك أكبر مهرجان.
واليوم، وأنا أرى الجمهور يعود إلى المسرح، وأسمع ذلك الصوت يملأ أمدرمان من جديد، شعرتُ أن شيئاً من ذلك المهرجان بدأ يعود في هدوء؛ مسرحٌ يضيء، وجمهورٌ يملأ المكان، ومدينةٌ تستعيد أصواتها، ومغنٍّ يعود إلى جمهوره بعد زمنٍ ازدحمت أيامه بالفقد والغياب.
وكانت الخرطوم يومها فرِحةً وحَبُورة، تردد مع عاشق أماني: أماني جمالاً يشبه أماني لا محتاج مثل ولا مدحة ثم تسافر معه في دروب عابرة: عابرة معاها الله هداني ونفسي على الطريق منشرحة أشعار من فتح رباني ما شيطان عليّ ألح.
ولمحمد النصري عند محبيه مقام خاص، يصعب أن تشرحه لمن وقف خارج عالم أغنياته، هذا الصوت المعذّب يحمل شيئاً من هدوء الشمال، ومن سكون النيل، ومن وحشة السفر، ومن ليل القرى البعيدة، صوته لا يأتيك متكلفاً؛ يدخل إلى القلب على مهل، ثم يترك فيه أثراً يظل قائماً لسنوات. وأغنيات النصري من ذلك النوع الذي يسكن الذاكرة ولا يكتفي بالمرور عليها، تسمعها في الغربة فتفتح لك باب البيت، وتسمعها آخر الليل فتعود إليك وجوه حسبتها ابتعدت، وتسمعها في زحام مدينة غريبة فتأخذك فجأة إلى شارع سوداني قديم.
ولهذا يعرف محبوه جيداً عمق الصورة حين يقول: الليل مجالو طويل شديد ما بيعرفو النايم يا أخي بعرف مداهو جنا المسيد الرادمو لالوب عش حدي. هنا يأخذ النصري السامع إلى رحابة صوفية خالصة؛ فالليل عند أهل الذكر ليس زمناً للنوم، إنما هو فسحة للمناجاة، ومقام للتسبيح، وساعة تنفرد فيها الأرواح بخالقها بعيداً عن صخب النهار، ومن يعرف مدى الليل حقاً هو جنا المسيد، ذاك الذي ألف سهرات الذكر، وحفظ إيقاع التسابيح، وعرف سكون الخلوة حين تهدأ الدنيا وتستيقظ القلوب.
لهذا كانت عودته أكثر من عودة مطرب إلى خشبة المسرح؛ كانت عودة صوت ارتبط بسنوات من حياتنا، وعودة ليلة أمدرمانية نعرف طعمها، وعودة جمهور إلى مقاعده، وعودة نافذة للفرح في مدينة أرهقتها الأيام وما زالت تعرف كيف تصنع من الحزن أغنية، ومن الحنين موعداً جديداً للحياة. ومن على خشبة المسرح، أرسل النصري تحياته إلى الذين فرّقتهم دروب الحرب والشتات، مردداً: بعد فُرقة وشتات ونَوَي سلام لي كل سوداني.
وفي هذا كله بدت أغنية شهر تمانية داير يجمعنا كأنها كُتبت لهذه اللحظة تحديداً؛ أغنية عن شهر يجيء في الخريف، وعن فراق يريد أن يكفّر عن أوزاره بالجمع، وعن أناس أخذتهم الطرق بعيداً، ثم أعادتهم الأيام إلى مكان واحد. وهكذا كان المشهد؛ أغسطس يجمع النصري بجمهوره، ويجمع أمدرمان بصوت افتقدته، ويجمع العائدين بمدينة ظلوا يحملونها في القلب، ويجمعنا نحن البعيدين، ولو عبر شاشة، بأيام ما زالت حاضرة في الروح. وفي عصرية أمدرمانية أمطر النصري غناءً وحنيناً، وبدا شهر تمانية كأنه جاء هذه المرة ليفي بوعده القديم: داير يجمعنا.
لمتابعة أحدث الأخبار والتقارير الحصرية والتحليلات المعمّقة تابعونا على صفحتنا الرسمية على فيسبوك
تابع آخر المستجدات والأخبار العاجلة عبر قناة بصيرتي برس على واتساب