المال والبنون زينة الحياة الدنيا
بين نعمة المال وأمانة الأبناء.. كيف نصنع أثرًا يبقى بعد الرحيل؟

عباس الماحى نقطة سطر جديد، المال والبنون زينة الحياة الدنيا
ليس في الحياة ما يملأ عين الإنسان وقلبه مثل نعمةٍ يشعر معها بالأمان، ويرى فيها امتدادًا لوجوده ومستقبلًا لأيامه. ومن أعظم هذه النعم التي أنعم الله بها على الإنسان: المال والبنون. فالمال قوامٌ لكثير من شؤون الحياة؛ به تُقضى الحاجات، وتُبنى البيوت، وتُفتح أبواب الرزق والعطاء، ويستطيع الإنسان أن يعيش كريمًا، وأن يمد يد العون لمن ضاقت بهم السبل. أما الأبناء، فهم من أعظم النعم التي تملأ البيت بهجةً وسعادةً ودفئًا، وهم امتداد العمر، وثمرة الأيام، وأجمل ما يرى الإنسان فيه أثر حياته وتعبه. وقد لخّص القرآن الكريم هذه الحقيقة العميقة في آية عظيمة، فقال سبحانه وتعالى:
﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾. آية قصيرة في ألفاظها، واسعة في معانيها، ترسم للإنسان ميزانًا دقيقًا بين متاع الدنيا وما يبقى له عند الله. فالمال والبنون زينة، ولم يقل القرآن إنهما الحياة كلها، ولم يجعلهما الغاية الأخيرة؛ وإنما سماهما زينة،
لأن الزينة تمنح الحياة جمالًا وبهجة، لكنها لا تدوم، ولا ينبغي أن تتحول إلى غاية تستعبد الإنسان وتنسيه الغاية التي خُلق من أجلها. وهنا تكمن الحكمة. المال… نعمة حين يكون في اليد، لا في القلب ليس المال مذمومًا، وليس الغنى عيبًا، وإنما الخطر أن يتحول المال من نعمة في يد الإنسان إلى سلطان على قلبه. فالمال يمكن أن يكون طريقًا إلى الجنة حين يُكتسب من حلال ويُنفق في وجوه الخير،
كما يمكن أن يكون سببًا للشقاء حين يتحول إلى غاية تستعبد صاحبه، فيصبح همه كم يملك، لا كيف يعيش، ولا ماذا يقدم. هناك من جمع الأموال، وشيّد القصور، وامتلك ما يشتهي، ثم اكتشف متأخرًا أن القلب لا يشبع بكثرة الممتلكات. وهناك من يملك القليل، لكنه غني النفس، مطمئن القلب، كثير العطاء، عظيم الأثر. فليس الغنى أن تملك الكثير، وإنما الغنى أن تملك نفسك حين تملك الكثير. وما أجمل أن يكون المال في يد إنسان يعرف حق الله فيه، وحق أهله، وحق المحتاجين! وما أجمل أن يتحول المال من رقم في حساب إلى فرحة في قلب محتاج، أو دواء لمريض، أو علم ينتفع به الناس، أو بيت يُذكر فيه اسم الله، أو مأوى يأوي أسرة، أو مشروع يفتح باب رزق لإنسان.
فالمال الذي ينتهي أثره عند صاحبه ينتهي بانتهاء حياته، أما المال الذي يصنع خيرًا في حياة الآخرين، فقد يبقى أثره أعوامًا طويلة بعد رحيل صاحبه. قد يرحل الإنسان عن الدنيا، لكن تبقى يده التي امتدت بالخير حاضرة في حياة من أعانهم. وهذا هو المال الجميل: مال يزيد صاحبه قربًا من الله، لا بُعدًا عنه، ويجعله بابًا للخير، لا سببًا للغفلة. أما البنون، فهم نعمة وأمانة، وحكاية أخرى من حكايات العطاء الرباني والجمال الإنساني. هم أول ضحكة تملأ البيت، وأول يد صغيرة تتعلق بأصابع الأب
، وأول كلمة تجعل القلب يرتجف فرحًا، وأول خطوة يشعر معها الوالدان أن العمر يمضي أمام أعينهما. يكبر الطفل، وتكبر معه أحلام والديه. يراه أبوه رجلًا قبل أن يصبح رجلًا، وتراه أمه مستقبلًا قبل أن يفتح عينيه على المستقبل. لكن الأبناء ليسوا زينة نسعد بها فحسب؛ إنهم مسؤولية وأمانة. وليست التربية أن نوفر للابن الطعام واللباس والتعليم، ثم نترك الأيام تربيه عنا. وليست أن نبني له بيتًا فاخرًا، ثم نترك قلبه بلا قيم. وليست أن نمنحه المال ونحرمه من الوقت. قد تعطي ابنك كل ما يستطيع المال شراءه، ثم تكتشف أنك لم تمنحه الشيء الذي كان يحتاج إليه أكثر من غيره: حضورك.
الأبناء يحتاجون إلى أب يسمعهم، وأم تحتضنهم، وقدوة يرون فيها الصدق قبل أن يسمعوا عنه، والأمانة قبل أن تُشرح لهم، والرحمة قبل أن يُطلب منهم أن يكونوا رحماء. فالابن لا يتعلم من كلماتنا فقط، بل يتعلم من طريقة حياتنا. إذا رأى الصدق عاشه، وإذا رأى الرحمة عرفها، وإذا رأى احترام الناس تعلّمه. وإذا رأى والديه يتنازعان على الدنيا، فقد يتعلم، من حيث لا نشعر، أن الدنيا أهم من المحبة. والأبناء لا يرثون أموالنا فقط؛ إنهم يرثون أخلاقنا، وطريقة تفكيرنا، ونظرتنا إلى الحياة، وطريقتنا في التعامل مع الناس. ولذلك فإن أعظم ميراث يمكن أن نتركه لأبنائنا ليس حسابًا مصرفيًا ممتلئًا، ولا عقارًا فاخرًا، وإنما قلبًا يعرف الله، وضميرًا حيًا، وأخلاقًا كريمة، وقدرة على مواجهة الحياة بثبات. ما يبقى بعد زوال الزينة يأتي القرآن ليضع أمام الإنسان ميزانه: المال والبنون زينة، لكن هناك ما هو أبقى وأعظم.
قد يذهب المال، وقد تتغير الأحوال، وقد يفارق الإنسان أبناءه، وقد ينتهي العمر فجأة، ويبقى السؤال الذي لا يستطيع أحد الهروب منه: ماذا بقي لي؟ هنا تأتي الباقيات الصالحات. تبقى الصلاة التي أديتها، والصدق الذي عشت به، والمعروف الذي صنعته، والقلب الذي جبرته، والفقير الذي أعنته، والعلم الذي علّمته، والولد الصالح الذي ربيته، والأثر الطيب الذي تركته خلفك، والدعاء الذي يخرج من قلب إنسان عرف خيرك. فالدنيا تعطيك أشياء كثيرة لتستمتع بها، لكنها تسألك في النهاية: ماذا قدمت ليوم الرحيل؟ وما أعظم الفرق بين إنسان عاش يجمع الأشياء، وإنسان عاش يصنع الأثر! الأول قد يترك خلفه خزائن ممتلئة، والثاني قد يترك وراءه قلوبًا ممتلئة بالامتنان. الأول يُذكر بما امتلك، والثاني يُذكر بما أعطى. وقد ينتهي أثر الأول بانتهاء ماله، بينما يستمر أثر الثاني أعوامًا طويلة بعد رحيله… فكل نعمة تحمل في داخلها امتحانًا… فالمال يسأل صاحبه: من أين اكتسبته؟ وفيمَ أنفقته؟ والأبناء يسألون والديهم بلسان حالهم: ماذا زرعتم فينا؟ ليس الامتحان في امتلاك المال، بل في كيفية كسبه والتعامل معه وتوظيفه. وليس الامتحان في كثرة الأبناء، بل في كيفية تربيتهم ورعايتهم وإعدادهم للحياة. قد يكون المال القليل مباركًا، وقد تكون الثروة الكبيرة فتنة. وقد يكون الابن الواحد الذي نشأ صالحًا، نافعًا لنفسه وأهله ومجتمعه، خيرًا من أبناء كثيرين لم يجدوا من التربية والرعاية ما يعينهم على طريق الحياة. فليست البركة في كثرة ما نملك، وإنما في الخير الذي يصنعه ما نملك.
إن الإنسان حين يركض خلف الدنيا بلا توقف قد يربحها ويخسر نفسه. يجمع المال وينسى أهله، ويبني المستقبل وينسى الحاضر، ويؤمّن حياة أبنائه المادية، لكنه لا ينتبه إلى أنهم يحتاجون إلى قلبه قبل حسابه البنكي. وقد يستيقظ ذات يوم فيجد أن السنوات التي ظن أنه كان يؤجل فيها الحياة أصبحت ماضيًا لا يمكن استعادته. أب يقول: «سأجلس مع أبنائي عندما أفرغ من العمل»، ثم يكتشف أن أبناءه قد كبروا. وأم تقول: «سأعيش لنفسي عندما يكبر الأولاد»، ثم يمر العمر، ولا تعود السنوات التي مضت قابلة للاسترداد. الأبناء لا ينتظروننا إلى الأبد، والأعمار لا تمنحنا فرصة لإعادة المشهد من جديد. لذلك، لا تؤجل الحب، ولا تؤجل الجلسة مع أبنائك، ولا تؤجل كلمة «أحبك»، ولا تؤجل احتضانًا يحتاجه قلب صغير. ولا تجعل العمل يأخذ منك العمر كله بحجة أنك تعمل من أجل الأسرة، ثم تكتشف في النهاية أنك فقدت أجمل ما كنت تعمل من أجله. من الزينة إلى الأثر إن أجمل ما في المال والبنين أن يتحولا من مجرد زينة في حياتنا إلى وسيلة لصناعة الخير. فالمال يكتسب قيمته حين نعرف كيف ننفقه، والأبناء تكتمل نعمتهم حين نعرف كيف نربيهم. فإذا رزقك الله مالًا، فلا تسأل فقط: كم أملك؟ بل اسأل: كم إنسانًا أسعدت؟ وكم محتاجًا أعنت؟ وكم بابًا من أبواب الخير فتحت؟ وإذا رزقك الله أبناءً، فلا تسأل فقط: ماذا سيصبحون؟ بل اسأل: ماذا زرعت في قلوبهم؟ وماذا سيتركون من أثر بعدهم؟ لأن أعظم نجاح للوالدين ليس أن يكون ابنهما غنيًا، ولا أن يكون صاحب منصب، ولا أن يمتلك بيتًا فاخرًا؛ بل أن يكون إنسانًا صالحًا، نافعًا، رحيمًا، مستقيمًا، يعرف ربه، ويحفظ أهله، ويترك أثرًا طيبًا أينما حل.
سيأتي يوم لا ينفع فيه مال جمعته، ولا عقار بنيته، ولا منصب سعيت إليه، ولا ممتلكات أفنيت عمرك في جمعها. سيأتي اليوم الذي تترك فيه كل ما كنت تقول عنه: «هذا لي»، وتذهب وحدك بما صنعت. ستترك بيتك، وسيعيش فيه غيرك. وستترك مالك، وسيتقاسمه غيرك. وستترك منصبك، وسيجلس فيه غيرك. وقد تبكي عليك عيون أحبتك، ثم تعود إلى حياتها. لكن هناك أشياء لن تتركك؛ سيبقى عملك، وسيبقى أثرك، وسيبقى ما قدمته لله وللناس. سيبقى في الدنيا طفل كبر على يديك وأصبح رجلًا صالحًا. وسيظل هناك إنسان يذكرك لأنه وجد منك يدًا امتدت إليه في وقت حاجته. وسيكون هناك قلب مكسور جبرته، ومريض أعنته، ومحتاج سترته، وطالب علم ساعدته، وكلمة خير قلتها فغيّرت حياة إنسان. وهنا ندرك المعنى العميق للآية: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾. فلا تجعل الزينة غايتك، ولا تجعل الوسيلة تنسيك الغاية. امتلك المال، ولكن لا تدعه يمتلك قلبك. وأحب أبناءك، ولكن لا تكتفِ بأن تترك لهم المال؛ اترك لهم من نفسك ما يجعلهم صالحين حين لا تكون بينهم.
ابنِ بيتًا، لكن ابنِ معه قلوبًا عامرة بالإيمان. واجمع من الدنيا ما يكفيك، واجمع من الآخرة ما ينجيك. فالأيام تمضي، والأعمار تنقص، وكل ما نملكه اليوم سنتركه غدًا. وفي اللحظة الأخيرة، لن يكون السؤال: كم جمعت؟ بل سيكون السؤال: ماذا أبقيت؟ فاجعل لك في هذه الدنيا أثرًا لا يموت بموتك، وخيرًا لا ينقطع برحيلك، وقلوبًا تدعو لك وأنت تحت التراب. فربما كانت أعظم ثروتك ليست ما تملكه في خزائنك، ولا ما تتركه في حساباتك، وإنما ذلك الخير الذي تركته في حياة الآخرين، وذلك الولد الصالح الذي ربيته، وتلك الصدقة التي أخفيتها، وتلك الرحمة التي منحتها، وذلك الأثر الطيب الذي سيشهد لك يوم لا ينفع مال ولا بنون.
فالدنيا زينة، والآخرة هي البقاء. والمال نعمة، والأثر هو الثروة. والبنون فرحة، وصلاحهم أعظم ميراث. فطوبى لمن عاش في الدنيا، ولم يجعل الدنيا أكبر همّه، ولم يجعلها تسكن قلبه؛ جمع منها ما يكفيه، وغرس فيها ما يبقى له، ورحل عنها وقلبه مطمئن إلى أنه لم يكن عابرًا فيها بلا أثر.
تابع آخر المستجدات والأخبار العاجلة عبر قناة بصيرتي برس على واتساب
لمتابعة أحدث الأخبار والتقارير الحصرية والتحليلات المعمّقة تابعونا على صفحتنا الرسمية على فيسبوك