من يقتل الاقتصاد بصمت؟… انقطاع الكهرباء أم سوء الإدارة؟

انقطاع الكهرباء
بقلم: البروفيسور محجوب هجّانة
المستشار والخبير الاقتصادي
لم يعد انقطاع الكهرباء مجرد عطل فني يُعالج ببيان اعتذار، بل أصبح صدمة عرض متكررة تضرب قلب الاقتصاد الحقيقي. ففي الاقتصاد الكلي، تمثل الكهرباء أحد أهم مدخلات الإنتاج، وأي اضطراب في إمداداتها يؤدي إلى انخفاض إنتاجية رأس المال والعمل، واتساع فجوة الناتج، وارتفاع تكلفة التشغيل، وتراجع الثقة الاستثمارية.
ومن منظور الاقتصاد القياسي، فإن السؤال الذي لا يمكن تجاهله هو: هل تمتلك الدولة نموذجًا قياسيًا يقيس الأثر الاقتصادي لكل ساعة انقطاع على الناتج المحلي الإجمالي، والإنتاج الصناعي، والاستثمار، والتوظيف؟ أم أن الخسائر تُترك خارج الحسابات حتى تتحول إلى نزيف اقتصادي صامت؟
لقد أصبح المستثمر يضيف إلى دراسة الجدوى بندًا جديدًا تحت مسمى “مخاطر عدم استقرار الطاقة”، بينما تضطر المصانع إلى توجيه مواردها نحو المولدات والوقود بدلًا من التوسع وزيادة الطاقة الإنتاجية. وهكذا تتحول الأموال من الاستثمار المنتج إلى نفقات تعويضية لا تولد قيمة مضافة حقيقية.
والأخطر أن الاقتصاد بدأ يتعايش مع الخلل بدلًا من إصلاحه. وهذا ليس مرونة اقتصادية، بل مؤشر على انخفاض الكفاءة المؤسسية، لأن استمرار الأزمة يرفع علاوة المخاطر، ويضعف القدرة التنافسية، ويؤدي إلى تراجع إنتاجية عوامل الإنتاج، فتضيع فرص النمو واحدة تلو الأخرى.
وفي ظل برامج العودة الطوعية، يبرز سؤال اقتصادي حرج: كيف يمكن بناء دورة إنتاج جديدة وجذب المواطنين والمستثمرين، بينما تفتقد أهم بنية تحتية إنتاجية إلى الاستقرار؟ فالعودة ليست مجرد انتقال سكاني، بل مشروع لإعادة تشغيل الاقتصاد يحتاج إلى بيئة موثوقة.
ويبقى السؤال الأكثر مرارة: هل أزمة الكهرباء أزمة محولات وأسلاك، أم أزمة فقدان العقول التي كانت تدير هذا القطاع بكفاءة واقتدار، أمثال المهندس حمدنا الله القاسم عبد الملك، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، الذي أفنى سنوات من عمره في خدمة كهرباء السودان وكان من الكفاءات الوطنية التي أسهمت في هذا القطاع الحيوي؟
إن الاقتصادات لا تُبنى بالموارد الطبيعية وحدها، بل بما تمتلكه من رأس مال بشري وخبرة مؤسسية. فالكفاءات ليست تكلفة، بل أصل اقتصادي، وفقدانها خسارة استراتيجية قد تكون كلفتها أعلى من خسارة المعدات نفسها.
فالكهرباء ليست خدمة تُستهلك، بل أصل إنتاجي يُحرك الاقتصاد. وعندما يتعطل هذا الأصل، لا ينطفئ التيار فقط، بل تنطفئ فرص النمو والاستثمار والتوظيف. لذلك يبقى السؤال: من يقتل الاقتصاد بصمت… انقطاع الكهرباء أم سوء إدارة قطاع يفترض أن يكون العمود الفقري للتنمية؟
